الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 21، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
توضح المحاضرة أن المعاصي تعمل كسموم تضر بالدين والبدن والعقل، وتورث الكآبة والذلة كما ورد في أثر أبي الدرداء وقصة محمد بن سيرين الذي أدرك بعد أربعين سنة أن كلمة «يا مفلس» كانت سبب ابتلائه. ويشير السلف إلى تفاوت معرفتهم بأسباب الابتلاءات مقارنة بغفلة المتأخرين.
يحذر الشيخ من الاغترار بتأخير العقوبة، مستشهداً بقصة النبي مع السم وبالعابد الذي نسي القرآن بعد نظره إلى صبي، مؤكداً أن الذنب ينقض ظهر صاحبه ولو بعد حين. ويؤكد أن الله يمهل ولا يهمل، داعياً إلى المبادرة بالتوبة النصوح.
يستعرض المقدمة التي وضعها ابن القيم في «الجواب الكافي» لأضرار الذنوب على القلب والدين والبدن والدنيا والآخرة، مشيراً إلى حرمان العلم والرزق كعقوبات معجلة ومؤجلة. ويثني ابن الوزير على هذا التأليف كأحسن ما جُمع في هذا الباب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله ابن القيم رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهو جواب كاف لمن سأل عن الدواء الشافي. هذا الدواء لداء عضال ومرض خطير يضر بالدين، وهكذا يضر بالقيم والأخلاق، وهكذا يضر بالبدن والعقل، وغيرها من الأضرار المترتبة على هذا الداء. ولهذا معرفة الدواء والعمل به يعتبر من أعظم المهمات التي يهتم بها المسلم. ونحن لا نزال مع دواء لهذا الداء، ألا وهو البعد عن المعاصي واجتناب المحرمات، فهذا يعتبر من أعظم الأدوية التي يداوى بها هذا المرض وهذا الداء. والعكس بالعكس، فإن الذنوب والمعاصي تعتبر سبباً لزيادة هذا الداء، وهكذا أيضاً هي بالنسبة للدين، وهكذا للإنسان كالسموم التي تضر بالأبدان، فعواقبها وخيمة، وهكذا آثارها أليمة تضر الفرد، وهكذا المجتمع بأسره. ولهذا ابن القيم رحمه الله تعالى استطرد في ذكر أحاديث وآثار تدل على عواقب هذه الذنوب والمعاصي وأضرارها الجسيمة، وختم رحمه الله تعالى هذه الآثار وهذه الأحاديث فقال رحمه الله تعالى: قال، وذكر أبو نعيم، وأبو نعيم له كتاب وهو الحلية، حلية الأولياء، أو دعا فيها آثاراً سلفية كثيرة بين صحيح وحسن وبعضها ضعيف. قال: وذكر أبو نعيم عن سالم ابن أبي الجعد، وسالم ابن أبي الجعد هو أبو أسمى الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي. قال فيه الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في الميزان: قال: من ثقات التابعين، لكنه كان يدلس ويرسل. وذكر أبو حاتم الرازي رحمه الله تعالى أن سالم ابن أبي الجعد أدرك جماعة من الصحابة منهم أبا أمامه، ولم يدرك عمر ابن عبسة، وهكذا لم يدرك أبا الدرداء، وهو في هذا الأثر يروي عن أبي الدرداء ولم يدركه. قال: وذكر أبو نعيم عن سالم ابن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال: ما اسمه أبي الدرداء يا أبا مصطفى؟ ما تكرر تقرر أبو الدرداء، نعم وإلا فأبو تميم ينتظر. أبو الدرداء من الله أعلم. أحسنت، نعم عندك ويمر ابن مالك. أحسنت، أبو الدرداء رجل من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قال عن أبي الدرداء: «ليحذر امرء أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر». ثم قال: «أتدري مما هذا؟» قال: قلت: لا. قال: «إن العبد يخلو بمعاصي الله فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، من حيث لا يشعر». وهذا الأثر كما سبق منقطع بين سالم ابن أبي الجعد، لم يسمع من أبي الدرداء، لم يسمع من أبي الدرداء. وجاء من طريق، جاء عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى من طريق سفيان ابن عيينة عن أبي الدرداء: «ليحذر امرء أن يمقته قلوب المؤمنين من حيث لا يعلم». وبين ابن عيينة وبين أبي الدرداء ماذا؟ أكثر من رجل. ولهذا هو إسناد معضل. ما هو المعضل يا أبا فواز؟ والمعضل الساقط منه اثنان. إذن ما كان السقط فيه اثنان فأكثر فهذا يسمى معضل، فهذا يسمى معضل. قال رحمه الله تعالى: قال، وقد روي أن العبد ليخلو بمعصية الله فيصبح وعليه كآبة الذنب وذله. كآبة الذنب وذله. وهذا يا إخوان من الأمور المعلومة، الذنوب والمعاصي تورث الكآبة، أي الضيق والقلق، وهكذا الهم، وهكذا الحزن، وهكذا الذلة في وجه صاحبها، ترهقهم ذلة، ترهقهم ذلة، كما ذكر ربنا عز وجل. قال: وذكر عبد الله ابن أحمد في كتاب الزهد لأبيه، عبد الله ابن أحمد ابن محمد ابن حنبل الشيباني. قال رحمه الله تعالى في كتاب الزهد لأبيه، أي للإمام أحمد، إمام أهل السنة والجماعة في عصره، إمام لأهل السنة والجماعة في عصره. قال: عن محمد ابن سيرين، ومحمد ابن سيرين علم من أعلام التابعين، اعتبروا من سادات وعلماء التابعين، أخذ عن كثير من الصحابة كأنس ابن مالك وغيره. قال: عن محمد ابن سيرين أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك. ركبه الدين، أي ماذا؟ تحمل ديوناً بعد أن كان تاجراً كبيراً، فلهذا اغتم، أي أصابه الغم والهم والحزن. قال: فقال، أي ابن سيرين: «فإني لأعرف، إني لأعرف هذا الغم من أين هو، من أين هو؟ بذنب أصبته منذ أربعين سنة، قلت لرجل يوماً: يا مفلس». لاحظ هذا الأثر الذي أورده رحمه الله تعالى عن محمد ابن سيرين: ركبه الدين، وبعد أن كان من الأغنياء والأثرياء، وإذا به من المديونين، وإذا به من المديونين. ثم عرف، عرف سبب هذا الذي أصابه، وهو ذنب كان قبل أربعين سنة. ماذا فعل؟ زن؟ أبداً. سرق؟ أبداً. ظلم؟ أخذ ما لشخص؟ الجواب: لا. وإنما قال لرجل يوماً: يا مفلس. لاحظ كيف أن هذه الكلمة أتت بعاقبتها وضررها ولو بعد هذه السنين الطويلة. وهذا يا إخوان يدلنا على أمر، ألا وهو أن الذنوب والمعاصي قد تكون عواقبها عاجلة، أي في الحال، وقد تكون عاقبتها آجلة، أي بعد مدة من الزمان قد تطول وقد تقصر. فهذا بعد أربعين سنة، بعد أربعين سنة أتت عاقبة هذا الذنب الذي وقع من هذا الإمام، الذي وقع من هذا الإمام. أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد. قال رحمه الله تعالى: قال، فذكر هذا الكلام لأبي سليمان، قال: فذكر هذا الكلام لأبي سليمان الداراني، فقال، أي معلقاً على ما ذكر عن ابن سيرين رحمه الله تعالى: قال: «فقلت: ذنوبهم فعرفوا من أين أوتوا، ذنوبهم كانت قليلة، فلهذا يعرف هذا متى فعله وما مناسبة فعله». قال: «قلت: ذنوبهم فعرفوا من أين أوتوا، وأما نحن فكثرت ذنوبنا فلم ندري من أين أوتينا، فلم ندري من أين أوتينا». هذا الكلام يقوله الإمام أبو سليمان الداراني، وهم في أزمان العافية، هم في أزمان الخير، كان كثيراً. فماذا عسانا أن نقول نحن اليوم مع كثرة أخطائنا وكثرة مخالفاتنا وذنوبنا؟ فنشك إلى الله عز وجل حالنا. قال: فمحمد ابن سيرين منذ أربعين سنة لم يعرف له ذنباً إلا هذا. لاحظ: من أربعين سنة لم يعمل ذنباً، لكن تذكر هذا الذنب القديم السالف، فذكر أنه كان قبل أربعين سنة. قال: فغبر عليه بعد أربعين سنة، وعرف سببه رحمه الله. فغبر، أي ماذا؟ بقي أثر هذا الذنب، بقي أثر هذا الذنب بعد أربعين سنة، وعرف رحمه الله تعالى، عرف سببه. قال رحمه الله تعالى: قال، وها هنا، قال: وها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب. ما هي النكتة؟ ما هو المقصود بالنكتة يا أبا قتادة؟ ما المقصود بالنكتة؟ النقطة، النقطة، لا، آه، طيب، لا ليس هذا المقصود، وإنما المقصود هو الفائدة التي تستخرج بدقة. نقطة يعني لا يتفطن لها الجميع، وإنما يتفطن لها القلائل من الناس، الفائدة التي تستخرج بدقة وبلطف، وقد لا يتنبه لها إلا القليل. ولهذا ألف العلماء في النكت، كالحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى له كتاب النكت على مقدمة ابن الصلاح في ثلاثة مجلدات، في ثلاثة مجلدات، وهو يعتبر من أنفع ما كتب في المصطلح، النكت للحافظ ابن حجر على مقدمة ابن الصلاح. قال: وها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، في أمر الذنب. طيب ما هي؟ قال: وهي أنهم لا يرون تأثير الذنب وعقوبته في الحال، وقد يتأخر تأثيره وعقوبته فينسى. قال: فيظن المغرور، أي الذي ارتكب الذنب، لما كانت العقوبة ليست في الحال، وإنما العقوبة متأخرة، فينسى صاحبها هذه المعصية. قال: فيظن المغرور أن الذنب لا يغبر عليه بعد ذلك، أن الذنب لا يغبر، وفي بعضها لا يغير، في بعضها لا يغير. قال: أن الذنب لا يغبر عليه بعد ذلك، وأنه قد نسي وذهبت عقوبته. وإن الأمر كما قال القائل: «إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار». الحائط، الجدار، إذا سقط مباشرة يظهر الغبار، وبعدها ينتهي الغبار ولا يظهر شيء. بعض الناس يظن أن المعاصي كحائط سقط، يقول: إذا كان في عقوبة مباشرة، إذا لم تأت العقوبة مباشرة، إذن الحمد لله ما في عقوبة ستأتي. أكذا يظن البعض؟ وما درى أن الله عز وجل يمهل ولا يهمل، وأملي لهم، إن كيدي متين. أكذا يقول الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: نعم. قال رحمه الله تعالى: قال، وسبحان الله، ماذا أهلكت هذه البلية من الخلق، وماذا أحلت بالمغترين؟ فكم والله أزالت من نعمة، فكم والله أزالت من نعمة، وكم جلبت من نقم، وأوقعت من هم وغم، وأيتمت من أطفال، وخربت من ديار، وهتكت من أستار، وجلبت من عار وشنار، والأمر كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾. قال: وسبحان الله، ما أكثر المغترين بذلك من العلماء والفضلاء، فضلاً عن الجهال. لاحظوا أثر هذا الأمر، ليس على العام فقط، وإنما قد يدخل على العلماء والفضلاء، يعمل أحدهم الذنب، ولربما يغره أن الله عز وجل لم ينزل به العقوبة، فينسى هذه المعصية وهذا الذنب، فلربما تأتي العاقبة بعد سنين طويلة، كما حصل للإمام محمد بن سيرين رحمه الله تعالى وغفر له. قال: وسبحان الله، ما أكثر المغترين بذلك من العلماء والفضلاء، فضلاً عن الجهال. ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين، كما ينقض السم، وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل. وقوله: ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض، ومعنى ينقض أي يثقل حمله، الذنب حمله يكون ثقيلاً، كما قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾، أنقض ظهرك. قال المفسرون: أي أثقل ظهرك. ولهذا ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: الذي أنقض ظهرك، قال: أي أثقله وأوهنه. قال: وإنما وصفت ذنوب الأنبياء بهذا الثقل مع كونها مغفورة، لشدة اهتمامهم بها، مع أنها مغفورة. قال: لشدة اهتمامهم بها وندمهم منها وتحسرهم عليها. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. قال: ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين، كما ينقض السم. أحياناً يتناول شخص سماً ولا يظهر أثره إلا بعد مدة، وأحياناً أثره في الحال، يمرض أو يموت. في بعض الأنواع ما يظهر أثر السم إلا بعد حين. ولهذا لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: «إني لأجد أثر السم الذي بخيبر، وإنه أوان قطاع أبهري». لاحظ: كان بعد سنين، وكان أثر السم يظهر عليه بعد حين، وهكذا في فترات أشد، كان في مرضه الذي مات فيه. يا صالح، من الذي سم النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأين كان السم؟ في الشاه المسمومة، أين كانت؟ في خيبر. أحسن. وإمرأة من اليهود هي التي وضعت السم في هذه الشاه، وأكثرت من السم في الذراع، لعلمهم أن أحب اللحم إليه عليه الصلاة والسلام هو الذراع. فلما أخذ الذراع ونهسه، نهسه أو نهشه، نهشه، أخبره الذراع بأنه مسموم، فوضعه. فاستدعى المرأة اليهودية: «ما حملك على هذا؟» قالت: أردت أن أعلم، إن كنت نبياً سيخبرك الله، وإن كنت كذاباً استرحنا منك. فأطلق سراحها وخلى سبيلها. لكن هناك صحابي أكل وابتلع لقمة فمات بسبب ذلك، فأمر عليه الصلاة والسلام بهذه المرأة اليهودية فقتلت لذلك المسلم الذي مات بسبب السم. قال: وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل. والجرح المندمل يعني عبارة عن جرح بدأ يبرأ وبدأ يصح ويشفى، فماذا؟ قارب الشفاء ولم يشفَ بعده، فيأتي اللحم عليه ويغطيه، الناظر إليه يقول: هذا قد شفي، ولازال الجرح موجوداً أسفل اللحم، فهنا يتضرر صاحبه، وقد يتعفن الموضع إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال، وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء قال: «يا عبد الله، كأنكم ترونه، وعدوا أنفسكم في الموتى، واعلموا أن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم، واعلموا أن البر لا يبل، وأن الإثم لا ينسى». وهذا أثر أبي الدرداء جاء عن أبي الدرداء من عدة طرق، فبعضها جاء من طريق عبد الله ابن مره، وهكذا عن أبي قلابة عن أبي، عن أبي الدرداء، وهو سناد منقطع، سناد منقطع. وروي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح، لا يصح إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا هو في الضعيفة للعلامة الألباني رحمه الله تعالى، فلا يصح مرفوعاً. وجاء من طرق موقوفاً عن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، وماذا؟ قد يتقوى بهذه الطرق، بهذه الطرق. قال: ونظر بعض العباد، والعباد جمع ماذا؟ العباد يا خان علي، جمع ماذا؟ عابد وعابد، أي كثير العبادة، كثير العبادة. قال: ونظر بعض العباد إلى صبي، صبي يعني صغير. قال: فتأمل محاسنه، فأتي في منامه، فقيل له: «لتجدن غبها ولو بعد حين». لتجدن غبها، أي عاقبتها. هي نظر، يا إخوان، عابد من العباد رأى صبياً، صورته جميلة ومنظره حسن، فجعل ينظر ويتأمل في محاسن هذا الصبي، فأتي في المنام، رؤية منامية، أن شخصاً يقول له: «لتجدن غبها، أي عاقبتها، وهي نظر، يا إخوان، عاقبتها، ولو بعد حين». قال: أي ذلك العابد، قال: «من عقوبتها أني نسيت القرآن بعد أربعين سنة». لاحظوا: بعد أربعين سنة، ما هي عقوبة هذه النظرات؟ أنسي القرآن. واليوم يا إخوان، أبواب الشر مفتوحة على مصارعها في القنوات والشاشات، وهكذا في الجوالات، جوالات يا إخوان، فيها من بؤر الفساد، وهكذا مستنقعات الرذيلة الشيئة الكثير. ولهذا المسلمون عموماً يجب أن يحذروا من تلكم الفتن الموجودة فيها، وطالب العلم على وجه الخصوص ينبغي بل يجب أن يكون أحذر. يعاني البعض منا من ضعف في الحفظ، ومن قلة في التدبر، وهكذا غيرها، لربما عدم البركة في الوقت وغير ذلك، والسبب قد يكون من هذا الباب، التساهل مع الصور التي تظهر له من هنا وهناك. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ونظر بعض العباد، جاء في تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر، وهكذا عند ابن الجوزي وغيره، عن أبي عبد الله ابن الجلاء، كان من العباد. قال: كنت واقفاً أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه، إلى غلام نصراني حسن الوجه. قال: فمر بي أبو عبد الله البلخي، فقال: فقال: «إيش وقوفك؟» اسأله: ما هذا الوقوف؟ فذكر له. قال: «ما ترى هذه الصورة تعذب بالنار؟» يعني هذا الجمال وهذا الحسن يعذب في النار، ولماذا يعذب في النار؟ لأنه إذا مات على النصرانية مات على غير الإسلام، فمصيره إلى النار. قال أبو عبد الله ابن الجلاء: قال: فضرب بيده بين كتفي، بين كتفي، وقال: «لتجدن غبها ولو بعد حين، لتجدن غبها، أي عاقبتها، ولو بعد حين». قال ابن الجلاء: فوجدت غبها بعد أربعين سنة، أنسيت القرآن، أنسيت القرآن. لكن هذه القصة سندها لا يصح، فهي من طريق علي ابن عبد الله ابن جهضم، وكان كذاباً يضع الحديث، يضع الحديث. قال رحمه الله تعالى: قال، هذه الحكاية وقعت لبعض أصحاب أبي عبد الله ابن الجلاء، فإنه نظر إلى غلام نصراني فتأمله، قال: فإذا هو كأنما أفرغ في قالب الجمال، فقال لأبي عبد الله: يا أستاذ، أيعذب هذه الصورة بالنار؟ فقال له: ونظرت إليه، قال: نعم. قال: «لتجدن عقوبتها ولو بعد حين». قال: قال: فكانت عقوبتها أني نسيت القرآن بعد أربعين سنة، بعد أربعين سنة. وهذا يا إخوان يجرنا إلى مسألة تتعلق بأداء الذي ابن القيم يصف له الدواء، ألا وهو ما يتعلق بأداء العشق. فمن أشد العشق ما يكون مع المردان والأحداث الأسنان، فالفتنة بهم عظيمة، والفتنة بهم شديدة. والسعيد يا إخوان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها». فالواجب هو الحذر كل الحذر، سواء كنت مدرساً أو كنت طالباً، من هذه الفتنة التي تجر إلى هذه العواقب الوخيمة والأضرار الجسيمة، ويستعين العبد بالله عز وجل فيسأله سبحانه وتعالى أن يحفظ عليه قلبه، وأن يحفظ عليه سمعه، وأن يحفظ عليه بصره وفرجه. فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. وسبق معنا فائدة يا إخوان، من يذكرها بالنسبة لي البصر والفرج والسمع والقلب؟ فإذا مرت معنا، من يذكرها حول ما يتعلق بالبصر مع الفرج في جانب آخر، السمع مع القلب؟ نعم، من يقول؟ أنا يا أبا معاوية، عندك ماذا؟ بالنسبة لي البصر مع الفرج: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وفي الحديث: «ومن لم يستطع فعليه أو ماذا؟» فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، أي الزواج. نعم يا أبا الحسن، نعم، أحسن، أقرب وأسهل طريق إلى الفرج هو البصر، ينظر فتثور شهوته، وماذا يتأثر فرجه؟ ولهذا: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وهكذا: أغضوا للبصر وأحصنوا للفرج. وماذا عن السمع مع القلب يا أبا جعفر؟ أحصن، أقرب وأسرع طريق إلى القلب هو السمع، هو السمع، فيسمع، سرعان ما يتأثر، ما يتأثر قلبه. قال رحمه الله تعالى: قال، هذا مع أن للذنب نقداً معجلاً، معجلاً، لا يتأخر عنه. يعني العقوبة التي سببها الذنب والمعصية، هذه عاقبتها قد تتأخر، قد تأتي بعد أربعين سنة، بعد عشر سنين، بعد خمس سنوات. ومع هذه العقوبة المؤجلة، هناك للذنب نقداً معجلاً، لا يتأخر عنه أيضاً، هناك عقوبات عاجلة تصيب من يقع في الذنب، مع العقوبات المتأخرة الآجلة. قال رحمه الله تعالى: قال، سليمان التيمي: «إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته». قال: فيصبح وعليه مذلته. والذنوب يا إخوان تورث صاحبها الذل، تورث صاحبها الذل، كما مر معنا في تلكم الأبيات للإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى. من يأتي بها يا إخوان؟ رأيت الذنوب... من يحفظها؟ نعم يا باسعيد: «رأيت الذنوب تميت القلوب، نعم، وقد يورث الذل إدمانها، يعني إدمانها يورث الذل، وترك الذنوب حياة القلوب، وخير لنفسك عصيانها». الأبيات كما مر معنا قريباً، وسيأتي معنا في الفصل الذي بعده إن شاء الله. قال: قال رحمه الله تعالى: قال، وقال، وقال، وقال، ذنون وذنون، هذا هو المصري، ليس النبي صاحب الحوت، يونس، وإنما هو إمام من الأئمة مصري، وله من الحكم الشيء الكثير. قال: وقال ذنون: «من خان الله في السر هتك ستره في العلانية، هتك ستره في العلانية». قال: وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. لاحظ: من آثار اكتساب السيئات أنها ترهقهم المذلة. قال: وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾، أي من بني إسرائيل، قوم موسى، ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال أبو العالية وغيره من السلف: هي لكل مفتر إلى يوم القيامة، كل من افترى فرية ألبسه الله ذلاً على قدر فريته، على قدر فريته. وقال يحيى ابن معاذ الرازي: قال: «عجبت من ذي عقل يقول في دعائه: اللهم لا تشمت بي الأعداء، يقول في دعائه: اللهم لا تشمت بي الأعداء، ثم هو يشمت بنفسه، كل عدو له، كل عدو له». قيل: وكيف ذلك؟ قال: «يعصي الله، يشمت، يشمت به في يوم، في يوم القيامة، كل عدو». والله سبحانه أعلم، والله سبحانه أعلم. وفي بعض النسخ زيادة في خاتمة هذا الفصل: قال، وقال ذنون، من خان... نعم، في بعضها تقديم وتأخير، أثر ذنون المصري الذي سبق معنا، في بعضها جعل في خاتمة هذا الفصل، ألا وهو ما سبق من قوله: «من خان الله في السر هتك ستره في العلانية». وهذه يا إخوان هذه من الأمور التي تتعلق بالذنوب وعواقبها الوخيمة، وهكذا أضرارها الجسيمة التي يجب أن يحذرها العبد. وليس معنى هذا أن الشخص معصوم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». قد يقع الشخص في المعصية، لكن لا يستهين بها، ولا يستخف بها، ولا يغتر بما سبق معنا من عفو الله ومغفرته للذنوب، وهكذا لا يحتقر المعصية، لا ينظر إلى صغر المعصية، ولكن ينظر إلى عظمة من يعصي، إلى عظمة من يعصي. وإذا وقع في الذنب فالواجب أن يسارع إلى التوبة النصوح إلى الله عز وجل، فإن الله تعالى يغفر الذنوب، وربنا عز وجل يبدل السيئات إلى حسنات. لكن أراد رحمه الله تعالى أن يبين أضرار هذه الذنوب وعواقبها الوخيمة، سواء في العاجل أو كان ذلك في الآجل، أو كان ذلك في الآجل. وكما ذكر رحمه الله تعالى أن هذا من الأمور التي يغلط فيها الكثير من الناس في أمر الذنوب، إذا رأوا أن هذه الذنوب ليس لها أثر في الحال، فينسى المعصية وينسى الذنب، وتمر السنون، وبعدها قد يفاجأ بالعقوبة من الله، من الله تبارك وتعالى، كما مر معنا في أثر محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: ركبه الدين واغتم لذلك، فقال: «إني لا أعرف هذا الغم من أين هو»، قال: «بذنب أصبته منذ أربعين سنة، أنه قال لرجل: يا مفلس». قال لرجل: يا مفلس، فأصابه هو الإفلاس، وماذا؟ وذهب ماله، وركبته الديون التي ماذا؟ أصابه الغم بسببها. ثم بعد ذلك ابن القيم سيأتي ويذكر فصلاً جميلاً هاماً، هذا الفصل يا إخوان في بيان أضرار المعاصي للعبد في دينه، وهكذا في دنياه، وهكذا في آخرته. واستفتح هذا الفصل بقوله: قال: «وللمعاصي من الآثار القبيحة المدمومة والمضرة بالقلب والدين والبدن والدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، قال: ولها من العقوبات شرعاً وقدراً عاجلاً وآجلاً ما لا يعلمه إلا الله عز وجل». ثم أخذ يذكر بعض أضرار المعاصي للعبد، ذكر حرمان العلم النافع، وهكذا ذكر ما يتعلق بحرمان الرزق، وهكذا غيرها من هذه الأضرار الجسيمة. ولهذا علق الإمام ابن الوزير رحمه الله تعالى في كتابه العواصم والقواصم، قائلاً: «ومن أحسن من جمع في ذلك، أي من جمع في آثار الذنوب وعواقبها، قال: ابن قيم الجوزية، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: ومنه استمد، أي استفاد التلميذ من الشيخ، قال: وذلك في كتاب له سماه الجواب الكافي، قال: فرحمه الله، لقد جود، لقد جود في الزجر عن المعاصي، وأجاد وأبدع وأفاد وأمتع، وجاء بما لم يسبق إلى مثله». هكذا يقول رحمه الله تعالى. فيأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى الكلام حول هذه الأضرار التي سببها المعاصي على دين العبد ودنياه وآخرته. أسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر