الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 22، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يعد حرمان العلم النافع أول أضرار المعاصي التي ذكرها ابن القيم، إذ العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفئه. ويستشهد بوصية الإمام مالك للشافعي ونصيحة وكيع بترك المعاصي لحفظ الحفظ ونيل نور العلم.
تؤدي المعاصي إلى حرمان الرزق المادي والمعنوي كما ورد في الحديث النبوي، وتورث وحشة في قلب العاصي تنفره من الطاعة وأهلها. فيجد العاصي الأنس بأهل المعصية والوحشة من أهل الصلاح والقرب من الله.
تسبب المعاصي وحشة بين العبد وربه ونفسه وأهله، وتجعل أموره متعسرة وأبواب الخير مغلقة دونه. كما تجلب ظلمة على القلب تحجبه عن تمييز الحق من الباطل وتوقعه في الضلال.
تظهر المعاصي آثاراً مدمرة تتمثل في سواد الوجه وظلمة القلب وضعف البدن وحرمان الطاعات. كما تقصر العمر وتمحق بركته، بعكس الطاعة التي تجلب النور والقوة والسعة.
الحياة الحقيقية هي حياة القلب بالإقبال على الله، والمعاصي تضيع أوقات هذه الحياة الحقيقية في الطاعة والذكر. فيخسر العاصي عمره الحقيقي ويطول عليه طريق الخير بتعسر أسبابه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهكذا الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولا نزال أيها الأحبة في الله مع الفصول المتعلقة بدواء نافع وعلاج ناجع، ألا وهو الابتعاد عن الذنوب والمعاصي؛ فإن في اجتنابها السلامة، وهكذا في اجتنابها العافية، وكذلكم الوقاية من هذه الأدواء، ومنها داء العشق، ومنها داء العشق. وقد أحسن رحمه الله تعالى في هذه الفصول التي بيّن فيها أيما بيان أضرار المعاصي على العبد في دينه، وهكذا في دنياه، وهكذا في آخرته. ذكر جملة من الأحاديث والآثار المتعلقة بذلك، وهكذا قبلها ذكر أمثلة ونماذج لأضرار جسيمة وعواقب وخيمة وقعت على الأفراد وعلى المجتمعات، كان سببها هو الذنوب والمعاصي. ألم ترى كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخرة بالواد، وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد. وهكذا: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وهكذا مر معنا جملة من الأحاديث التي فيها بعض العقوبات التي ينزلها ربنا عز وجل على أهل هذه الذنوب والمعاصي. ثم ذكر رحمه الله تعالى ذكر فصلًا، وهذا الفصل كما سبق معنا يحتاجه الجميع، يحتاجه الجميع أن يقرؤوه قراءة تمعُّن وتدبر. وهكذا من يهتم بتمعُّن ذلك ليس عامة المسلمين فحسب، وإنما أيضًا العلماء والدعاة والوعاظ والخطباء وطلاب العلم، الكل أحوج ما يكون إلى أن يتمعّنوا هذا الفصل وأن يستفيدوا منه في خطبهم، وهكذا في وعظهم وفي غيرهم. وقد مر معنا ما ذكره العلامة محمد ابن إبراهيم الوزير اليماني رحمه الله تعالى في كتابه "العواصم والقواصم". قال رحمه الله تعالى -أي ابن الوزير-: "ومن أحسن من جمع في ذلك -أي في آثار الذنوب وعواقبها- قال: ابن قيم الجوزية، ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: ومنه استمد -أي استفاد التلميذ من شيخه-، قال: وذلك في كتاب له سماه "الجواب الكافي"، هو كتابنا الذي نقرأ فيه، قال: فرحمه الله لقد جود في الزجر عن المعاصي وأجاد وأبدع وأفاد وأمتع، وجاء بما لم يسبق إلى مثله". هكذا ذكر رحمه الله تعالى. إذن هذا الفصل يتعلق بأضرار المعاصي على العبد سواء في دينه -وهي تعتبر من أبلغ الأضرار- أو في دنياه، أو يعود الضرر عليه في آخرته. قال رحمه الله تعالى: "وللمعاصي من الآثار القبيحة المدمومة والمضرة بالقلب والدين والبدن والدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل". قال: "ولها من العقوبات شرعًا وقدرًا؛ شرعًا: أي جاء في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، وقدرًا: أي جاء في الواقع، وهكذا أيضًا في سنة ما جرت به العادة ما يدل على ذلك مما قدره الله عز وجل على أهل الذنوب والمعاصي، عاجلًا وآجلًا، ما لا يعلمه إلا الله عز وجل". قال: "فمنها -أي من أضرار المعاصي- حرمان العلم النافع". لاحظ أول مضرة بدأ بها رحمه الله تعالى من أضرار الذنوب والمعاصي: حرمان العلم النافع. قال: "فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور". ولهذا يقول ربنا عز وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾. وهذا الموت المعنوي، فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس، كمن مثله في الظلمات، هل يستويان يا إخوان؟ لا يستويان. وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. ولكن جعلناه نورًا، فالعلم نور والجهل ظلام. وهكذا أيضًا ظلمات. ولا يليق بالعبد الذي وفقه الله عز وجل لهذا الخير وهذا النور أن يضيعه بالوقوع في المعاصي، فيطفئ ذلكم النور الذي أضاء به قلبه. قال رحمه الله تعالى: "ولما جلس الشافعي رحمه الله بين يدي مالك". وما اسمه؟ ما اسمه الشافعي يا أبا الزبير؟ الشافعي، ما اسمه؟ محمد ابن إدريس، نعم. الشافعي نسبة إلى أحد أجداده شافع، المطلبي القرشي، أبو عبد الله، إمام من أئمة السنة. شافعي يا إخوان كان يلقب بناصر السنة. شافعي كان يلقب بناصر السنة، وكان شديدًا على أهل البدع، كان يبغض البدع ويبغض أهلها، كان يقول: "حكمي على أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ بعلم الكلام". الشافعي ما كان يعمل موالد، وما كان يقيم الزيارات الشركية أو البدعية أو غيرها من الخرافات، وإنما كان متمسكًا وهكذا ناصرًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "ولما جلس الشافعي رحمه الله بين يدي مالك، ومالك ابن أنس أبو عبد الله الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة وأحد مشايخ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، قال: وقرأ عليه -أي قرأ الشافعي على مالك-، أعجبه ما رأى، أعجبه ما رأى من توقد ذهنه وفور فطنته وعظم ذكائه وكمال فهمه. هذه أمور كانت لدى الإمام أبي عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى، وهي أسباب للإمامة والسيادة في العلم والدين". قال: "فقال له -أي مالك قال للشافعي-: يا فتى، إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم". وهذه وصية عظيمة من معلم، وهكذا من إمام وشيخ لتلميذه، يقول له: "يا فتى، إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه، فلا تطفئه بظلمة المعصية، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم". وهنا يا إخوان تحصل الغبطة: العلماء وطلاب العلم يستنيرون بنور الإيمان والعلم، والبعض قد يحرم ذلك بسبب ظلمة المعصية. قال: "وقال الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وقال: اعلم بأن العلم فضل، وفضل الله لا يؤتاه عاصي". وفي بعضها: "وقال: اعلم بأن العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصي". وهذا ذكره الإمام الخطيب رحمه الله تعالى -الخطيب البغدادي- في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي والسامع"، وفيه أن الشافعي رحمه الله تعالى شكا إلى شيخه وكيع ابن الجراح أبي سفيان رحمه الله تعالى سوء حفظه، فكان نصيحة الشيخ للتلميذ هو ماذا؟ ترك المعاصي؛ لأن العلم نور وفضل، ونور الله وفضله لا يؤتاه عاصي. قال: "وينشد هنا قول الشاعر: إنارة العقول مقصوف بطوع هوا وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا". والمقصود بذلك أن العقل قد تصيبه الظلمة، وهكذا يصيبه الغطاء إذا أطاع صاحبه الهوى وانجر مع الشهوات والمعاصي، هنا يذهب نور العقل، بينما عقل من يعصي هواه -يعصي الهوى- فإنه ماذا؟ يزداد تنويرًا، يزداد نورًا. قال: "وقال ابن المبارك: ركوب الذنوب يميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها". وماذا؟ وفي بعضها وهو المشهور: أرأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها إدمانها، والمداوم عليها يورث صاحبها الذل. قال: "وترك الذنوب حياة القلوب، وخير لنفسك عصيانها. وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها باع النفيس فلم يربحوا ولم تغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة تبين لذي العقل إنتانها". وهذا مر معنا قريبًا من كلام الإمام أبي عبد الرحمن عبد الله ابن المبارك رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهذه الأبيات ذكرها الإمام ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق"، وهكذا أيضًا ذكرها غيره. قال رحمه الله تعالى: "قال: ومنها -أي من أضرار الذنوب والمعاصي- حرمان الرزق". حرمان الرزق. قال: "رزق الأبدان ورزق الأديان والقلوب من المعارف والمحبة والصبر والتوكل وغير ذلك". قال: "وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه»". قال: "وقد تقدم مر معنا قريبًا يا إخوان هذا الحديث الذي أخرجه أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها»". وسبق معنا أن العلامة الألباني رحمه الله تعالى حسن هذا الحديث دون الجملة الأخيرة منه، وهي التي استشهد بها ها هنا، قوله: «وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها». فهذه الجملة الأخيرة الشيخ الألباني يقول: لم يجد لها شاهدًا يشهد لها وتتقوى به، بخلاف ما سبق من الحديث فإنه يحسن بشواهده وطرقه. قال: "وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر. فما استجلب رزق الله بمثل طاعته وترك معصيته: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾". وهنا يا إخوان هذا فيه بيان إلى أن من أضرار الذنوب حرمان الرزق، وإذا ذكر الرزق فهذا يشمل جميع أنواعه: قد يكون الرزق مالًا، قد يكون الرزق زوجة، قد يكون أولادًا، قد يكون عافية في البدن، قد يكون الرزق علمًا نافعًا، تقوى من الله عز وجل، قد يكون إيمانًا ويقينًا وتوكلا إلى غير ذلك. فيعطي ربنا عز وجل أهل التقوى وأهل الطاعة من هذه الأرزاق، وقد يحرم أرباب المعاصي هذا الرزق بسبب هذه الذنوب وهذه المعاصي التي ابتلي بها، ولربما أدمنها وأصر عليها. قال: "ومنها وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله، لا توازنها وحشة ولا تقارنها لذة أصلًا. قال: ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تفي بتلك الوحشة. قال: وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة. قال: وما لجرح بميت إيلام". وهذا البيت الذي ذكر -ماذا ذكر عجزه هو لي الشاعر أبي الطيب المتنبي- وصدره يقول: "من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام". وهذا من الشعر الذي فيه من الحكمة الشيء الكثير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر لحكمة». وأشعار المتنبي كثير منها فيها حكمة، وفيها فائدة، وفيها فائدة. والمقصود ها هنا أن الذي يعتاد الذنوب والمعاصي يجد في قلبه وحشة هذه بينه وبين الله عز وجل، تجده لا يشعر بأنس أو راحة، قد يسمع القرآن فيتضايق، وهكذا قد يدخل المسجد فلا يطمئن قلبه ولا ينشرح صدره، يريد أن يخرج منه سريعًا بعد أداء الفريضة، إلى غير ذلك مما هو يعتبر علامة على هذه الوحشة والضيق الذي يجده العاصي. قال: "فلو لم يترك العاقل الذنوب إلا حذرا من وقوع تلك الوحشة ووقوعها بينه وبين الله، لكان العاقل حريًا بتركها. يعني لو لم يكن من مفاسد الذنوب والمعاصي وأضرارها إلا هذه الوحشة التي يجدها العاصي بينه وبين الله عز وجل، لكفى بها سببًا للبعد عن الذنوب وترك هذه المعاصي. كيف وهناك من العقوبات الشيء الكثير الذي سببه الذنوب والمعاصي؟" قال: "وشك رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه، فقال له -أي ذلك العارف-: إذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس. إذا كنت قد أوحشتك الذنوب -أي جعلت في قلبك وحشة- قال: فدعها، ما الذي يجعلك مصرًا عليها؟ عرفت الداء فتناول الدواء: أترك هذه الذنوب وابتعد عن هذه المعاصي لكي تجد الأنس بالله تبارك وتعالى". وقد سبق معنا قريبًا أن العبد إذا خاف من شيء هرب منه، إلا إذا خاف من الله عز وجل؛ دنا واقترب من الله تبارك وتعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. وهذا البيت الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى ها هنا ذكره الإمام ابن الجوزي منسوبًا لرجل يقال له سمنون ابن حمزة، وهكذا أيضًا رواه الخطيب في كتابه "العزلة" عن أبي سليمان، قال: أنشدني بعض أهل المعرفة، بعض أهل المعرفة، وذكر هذا البيت. قال رحمه الله تعالى: "قال: وليس على القلب أمرّ من وحشة الذنب على الذنب، فالله المستعان. ذنب على ذنب يزيد القلب وحشة، وهكذا يجعله في نفرة وبعيدًا عن الله تبارك وتعالى". قال رحمه الله تعالى: "قال: ومنها -أي من أضرار الذنوب والمعاصي- الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس، ولا سيما أهل الخير منهم. قال: فإن العاصي يجد وحشة بينه وبينهم لمنافرة القلوب. قال: فإن قلب العاصي لا يلتئم مع قلب الطائع لما بينهما من البعد، وكما قيل: سرت مشرقًا وسرت مغربًا، شتّان ما بين مشرق ومغربي. وأصدق من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف»". هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يا إخوان من عقوبات الذنوب والمعاصي أن صاحب المعصية لا يرتاح لأهل الطاعة، يقول لك: والله هؤلاء المطاوعة ما أسد معهم، هؤلاء المطاوعة ما أجلس معهم، هؤلاء أبعدني منهم. هذا سببه ظلمة الذنب التي يجدها في قلبه، التي يجدها في قلبه، يحب يجلس معه ناس يغتابون أو يسبون أو يلعنون أو يأتون بالبذاء في اللسان والفحش في الأقوال والأفعال، هؤلاء يرتاح معهم. فمن جالس جانس كما قيل قديمًا. قال: "وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم ومن مجالستهم، وحرم بركة الانتفاع بهم، وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن. قال: وتقوى هذه الوحشة، وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم، فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه، وبينه وبين نفسه. قال: فتراه مستوحشًا من نفسه، فتراه مستوحشًا من نفسه". قال: "وقال الفضيل ابن عياض، وفي بعض النسخ مذكورًا على سبيل الإبهام، قال: وقال بعض السلف -أكد في بعض النسخ، وفي بعضها بيان القائل وأنه الإمام الفضيل ابن عياض رحمه الله تعالى-: «إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي وامرأتي وفأر بيتي»". ذكره ابن أبي الدنيا وأبو نعيم عنه، وأبو نعيم عنه. وهذا كما سبق معنا يا إخوان: سبب الذنوب والمعاصي يحرم هذا العاصي، يحرم طاعة أقرب الناس إليه، حتى أولاده ما يسمع كلامه، حتى زوجته قد تعصيه ولا تلقي لأمره بالًا، وهكذا قد يكون أثر هذه المعصية على الدابة، على السيارة، على الدراجة، على الناقة والبعير، وغيرها، وغيرها، وغيرها. ويستفاد من هذا أن الوحشة التي يجدها العاصي وحشتان: الأولى التي مرت معنا قريبًا، وحشة بين العاصي وبين الله عز وجل، وهذه أخطر، وهذه أعظم. الوحشة الثانية ما ذكره هاهنا: وحشة بين العاصي وبين الناس، ما يحب يخالط الناس، ولا سيما أهل الخير والصلاح منهم، أهل الخير والصلاح منهم. فكما قيل: هناك طير يقال له البجع، والطيور على أشكالها تقع، والطيور على أشكالها تقع. فالخائن اللص يحب الخائن، فماذا؟ كما قال الله عز وجل: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ الآية. فكل مع ما يجانسه من الأنواع والأشكال، من الأنواع والأشكال. وهذا يا إخوان دل على شيء، دل على خطر المعصية على صاحبها، على صاحبها. فتجده يبتعد عن مجالس الخير. كم يا إخوان من بسبب المعاصي يتضايق من حضور مجالس العلم وحلق القرآن والذكر؟ يأتي يوم الجمعة والخطيب يخطب، لا يدخل المسجد، يبقى خارجًا، ولربما بعيدًا يشرب دخانًا ويتحدث بكلام مع من بجانبه، إذا أقيم للصلاة دخل. وهكذا فيما يتعلق بسماع الوعظ والإرشاد والنصح والعلم، تجده لا ينشرح صدره لذلك، يخرج سريعًا، ما يريد أن يحضر، قد يجلس على دكة أو يجلس في مكان، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، بالذي هو خير، ولا يزال يبتعد ويبتعد. وكلما ابتعد من الخير ومجالس الخير وأهل الخير، كلما اقترب من مجالس الشر وأهل الشر. ولهذا في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين في قصة ذلكم الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا ثم كمل المئة براهب، وكل ذلك يسأل عن توبة عند الله عز وجل، فأفتاه إلى رجل عالم، فقال له: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ اذهب إلى قرية كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء. ذكر العلماء، ومنهم الحافظ ابن حجر، وهكذا قبله النووي وغيرهما، أنه يستحب للتائب أن يفارق المجالس، وهكذا الأخدان يعني الأصحاب والأصدقاء الذين كان يمارس معهم المعصية، وأن يستبدلهم بجلساء طيبين وأصحاب صالحين، فإن ذلك مما يعينه على الثبات على التوبة. بعض الناس يتوب ويعزم على التوبة لكن يقع في خطأ وهو المجالسة، ما زال يجالس أصحابه القدامى السيئين، قال: ما سأخزن، وما سأدخن، وما سأشاركهم في الحديث الذي فيه حرام، لكن أجلس أصحابي. أول يوم يكون قويًا، وما هي إلا أيام وإذا به يضعف ويقل إنكاره للمنكر. فكثرة الملازمة تزيل الإحساس، تزيل الإحساس، وما هي إلا فترة وإذا بحليمة -ماذا ما لها يا أبا طاهر؟ وإذا بحليمة يا أبا عبد الله- وإذا بحليمة تعود لعادتها القديمة، يعود كما كان. فمن جالس جانس. نسأل الله تعالى العافية والسلامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. قال رحمه الله تعالى: "قال: ومنها -أي من آثار الذنوب والمعاصي- تعسير أمور العاصي عليه، أموره يا إخوان تتعسر، ما تتسهل إلا أن يشاء الله عز وجل. قال: ومنها تعسير أمور العاصي عليه، قال: فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه أو متعسرًا عليه، أو متعسرًا عليه. قال: وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرًا، فمن عطل التقوى -فمن عطل، وفي بعض النسخ: فمن ضيع التقوى- جعل له من أمره عسرًا. قال: ويا لله العجب، كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه وطرقها معصرة عليه وهو لا يعلم من أين أتي، أي لا يعلم سبب ذلك؟ قال: بل هو منكب على ما يزيد أموره عليه تعسيرًا، أموره عليه تعسيرًا". وهذا يا إخوان من شدة الغفلة، فأهل الصلاح يسر الله أمورهم، يسر الله أمورهم، ويصلح الله شأنهم، ويسر الله أرزاقهم، وهكذا يعافيهم في أبدانهم وفي أزواجهم وفي أولادهم. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحًا. انظر كيف أن صلاح الآباء يحفظ الله به الأبناء، وهكذا غيرها. ومن ابتعد عن الطاعة وابتعد عن الخير والصلاح فأموره تتعسر، وأبواب الخير تنغلق عليه، وتجده يعاني حتى المشاق في أمور الدنيا، في أمور الدنيا، ويبتليه الله عز وجل بذلك، لعلّه يرجع، لعلّه يندم، لعلّه يتوب، يعرف أن ما وقع عليه من الشر هو بسبب هذه الذنوب والمعاصي. للأسف البعض لا يزداد إلا عتوًا ونفورًا. قال رحمه الله تعالى: "قال: ومنها ظلمة يجدها في قلبه حقيقة، ظلمة يجدها -أي العاصي- في قلبه حقيقة، يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم، إذا أظلم، إذا أظلم. قال: فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، والإنسان إذا ابتلي بظلمة البصر لا يرى الطريق أمامه، ولا يميز بين الغث والسمين، وبين الضار والنافع، يكون حاله كما قيل: حاطب ليل. أرأيتم من يخرج في الظلمة ويبحث ويجمع حطبًا؟ ساعة سيأخذ عودًا، ومرة قد يأخذ ثعبانًا أو عقربًا فتلسعه أو تلدغه. وهكذا ظلمة القلب يا إخوان: لا يرى الخير، الخير أمامه الخير عنده وهو لا يبصره. ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى مثالًا أو مثلًا فقال: كم من عطشان في لجّة، وكم من ريان في صحراء، في صحراء وهو ريان شبعان من الماء، وبعض الناس عطشان وهو في لجّة، في وسط الماء وهو عطشان. وهذا من الأمثال العظيمة يا إخوان. فظلمة القلب التي تجعل الإنسان لا يبصر الشر، وإنما لربما يستلذ به ويشعر بحلاوة له، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾". قال رحمه الله تعالى: "قال: فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته، ازدادت حيرته، قال: حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده، يمشي وحده. قال: وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه يراه كل أحد، يراه كل أحد. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «إن للحسنة ضياء في الوجه، ونور في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق. قال: وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، وهنًا في البدن» -والوهن هو الضعف- «قال: ونقصًا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق»". فهذه آثار الطاعة، وهذه يقابلها عواقب المعصية، عواقب المعصية. قال رحمه الله تعالى: "قال: ومنها أن المعاصي توهن القلب والبدن، المعاصي توهن -أي تضعف- القلب والبدن. قال: أما وهنها للقلب فأمر ظاهر لا يكاد يخفى على أحد، بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية وتذهب الإيمان منه جملة. ومرّ ومر معنا قوله عليه الصلاة والسلام: «تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أنكرها نُكت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نُكت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا» -الكوز الإناء الذي يوضع فيه الماء وغيره- أرأيتم، أرأيتم لو قلب، أرأيتم لو قلب؟ فمهما وضعت فيه من ماء فإنه يخرج وينسكب، كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه". فهذه من الآثار، وهذا من الضعف الذي يقع على القلب. قال: "وأما وهنها للبدن، الذنوب يا إخوان تضعف الأبدان، وكم رأينا من ذوي العضلات المفتولة والأجسام القوية من دمرتهم المعاصي، من دمرتهم الفواحش، من دمرتهم إضاعة الصلوات وتناول المخدرات والمسكرات وغيرها. قال: وأما وهنها للبدن، قال: فإن المؤمن قوته من قلبه، قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه، قوي بدنه. ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»". قال رحمه الله تعالى: "قال: وأما الفاجر -الفاجر أي الخارج عن الطاعة، البعيد عن الاستقامة، يقال له فاجر، وجمعه ماذا يا أبا الحسن؟ ما جمعه؟ فاجر واحد مفرد، جمعه: كلا إن كتاب الفجار، نعم جمعه فجار، جمعه فجار. من هو الفاجر يا أبا ناظم؟ الفاجر من هو عندنا؟ بر وفاجر، الأبرار والفجار، الأبرار هم ماذا؟ أهل الطاعة الحريصون على أبواب الخير. طيب، والفاجر؟ نعم، أحسن: أصحاب المعاصي، يعني الخارج عن الطاعة إلى المعصية، البعيد عن الاستقامة. قال: وأما الفاجر فإنه وإن كان قوي البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة إليه، تخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه. قال: وتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم، وقهرهم أهل الإيمان بقوة قلوبهم، مع أن أبدانهم كانت ضعيفة، وخيولهم ضعيفة، وعدتهم ضعيفة، وإنما قهروهم بقوة إيمانهم وقلوبهم". وهذا ملاحظ يا إخوان: كنا في موسم الحج وترى من أولئك الأعاجم، إذا مررت بجانبه كأنك طفل صغير تحته، أجسام عمالقة، عمالقة يا إخوان، عضلات وأجسام، فكنت والله أقول في نفسي: كيف استطاع أجدادنا أن يقهروهم وأن يدخلوهم في الإسلام بقوة السلاح أو بالدعوة التي هي بدون قتال؟ العرب، وخاصة مدد أهل الإسلام الذين هم أهل اليمن، تجد الواحد منهم صغيرًا نحيفًا، معه سيف، لربما بالنسبة لسيف ذلكم الأعجم من الرومان أو الفرس أو الترك أو البربر أو الإفرنج أو غيرهم لا شيء يا إخوان، لكن القوة قوة القلب الذي يستمد قوته من الإيمان، الذي يستمد قوته من الإيمان. فهذه هي القوة الحقيقية، هذه هي القوة الحقيقية. قال رحمه الله تعالى: "قال: ومنها حرمان الطاعة. قال: فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أنه يفوت على فاعله طاعة أو طاعات يحمد عاقبتها وتنفعه أحوج ما يكون إليها. قال: فإن الذنب يصد فاعله عن طاعة تكون بدله، تكون بدله. قال: وما يكفي العاصي عقوبة معصيته حتى يصده عن طاعة، يعاقب أيضًا على فواتها، ويقطع عليه أيضًا طريق طاعة أخرى وأخرى ورابعة ثم خامسة، وهلما جرى. انظر إلى آثار الذنوب والمعاصي، فما يكفي أثر المعصية وأثر الذنب إلا أنه يزيد على ذلك أنه يحرم صاحبه فعل الطاعات، فتجده يحب أن يكون بعيدًا عن مجالس الطاعة وعن أهل الطاعة، وإذا ترك طاعة قد يترك ثانية، وإذا ترك طاعة ثانية فقد يترك طاعة ثالثة ورابعة وخامسة وهلما جرى. قال: فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها. قال: فيفوته الأجر مع حمل الوزر، وتتضاعف، وتتضاعف في حقه العقوبة. قال: وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضًا، أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها. وهذا مثل، وسبق معنا أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أبدع في كتابه هذا في ضرب الأمثلة المحسوسة، يقول: مثل من وقع في معصية وكانت هذه المعصية سببًا لحرمانه من طاعات كثيرة، كمثل إنسان أكل أكلة، ولك أن تقول: قاتًا، لك أن تقول: قاتًا، فانظر ماذا سبب له، سبب له أمراضًا، وهذه الأمراض منعته من أشياء وأشياء وأمور من الطيبات: كاللحم، وهكذا السمك، وهكذا العسل، وهكذا غير ذلك". قال: "قال رحمه الله تعالى: قال الحسن -أي البصري-: «إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها». قال: قال: فالعبد إن لم يشغل -إن لم يشغل- نفسه بالحق، وإلا شغلته بالباطل، فالله المستعان". وهذا قد جاء نحوه عن الإمام أبي عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى، الشافعي رحمه الله تعالى ذكر أنه صحب أقوامًا، أقوامًا، فلم يستفد منهم إلا كلمتين: الأولى قال: "الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك". الثانية قال: "نفسك، إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالمعصية، بالمعصية". قال رحمه الله تعالى: "قال: ومنها أن المعاصي تقصر العمر، هذا من أضرار المعاصي أنها سبب لقصر العمر، وتمحق بركته ولا بد. قال: فإن البر والتقوى كما يزيد في العمر، فالمعصية والفجور تقصر العمر. وقد مر معنا حديث ثوبان أنه لا يزيد في العمر إلا البر، أي الطاعة والخير والمعروف والإحسان، وهكذا العكس: المعصية قد تكون سببًا في محق بركة العمر. قال: وقد اختلف الناس في هذا الموضع، فقال طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه. قال: وهذا حق وهو بعض تأثير المعاصي. وقالت طائفة: بل تنقصه حقيقة كما ينقص الرزق، فإن الله سبحانه جعل للعمر والرزق والبركة فيهما أسبابًا تكثرهما وتنميهما وتزيدهما. قال: ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب. قال: فالأرزاق والآجال والسعادة والشقاوة والصحة والمرض والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء الله وقدره، قال: فهو سبحانه يختص ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها. وقالت طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب، ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتًا غير حي، كما قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾. قال: قال: فالحياة في الحقيقة إنما هي حياة القلب، أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها. قال: قال: قال: فالحياة في الحقيقة إنما هي حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته. قال: فليس عمره إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره. قال: فعلى هذا فالبر والتقوى والطاعة تزيد في العمر وفي هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها. قال: وبالجملة فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: يا ليتني قدمت لحياتي. وغب إضاعتها: أي عواقب هذه الإضاعة وآثارها، يوم يقول -أي متحسرًا على ما مضى-: يا ليتني قدمت لحياتي. قال: فلا يخلو إما أن يكون له مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية أو لا. قال: فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك، قال: فضاع عليه عمره كله وذهبت حياته باطلًا. وإن كان له تطلع إلى ذلك، طالت عليه الطريق بسبب العوائق، وتعسرت عليه أسباب الخير بحسب اشتغاله بأضدادها. قال: وذلك نقصان حقيقي من عمره. قال: وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته، ولا حياة له حقيقة صحيحة إلا بإقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وشكره وإيثاره على ما سواه وإيثار مرضاته". وهذا يا إخوان هو خلاصة هذا أو هذا الأمر، وهذه التي ذكرها رحمه الله تعالى من آثار وأضرار الذنوب والمعاصي: الحياة الحقيقية هي حياة القلوب مع الله عز وجل، وأما موت القلوب وهكذا بعدها عن الأنس بالله عز وجل فهذا موت وليس بحياة. وتعجب من حال بعض أرباب المعاصي والغفلة حين أن ينظر إلى