التعليق على كتاب الداء والدواء 23

التعليق على كتاب الداء والدواء 23

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 23، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أضرار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع

تحرم المعاصي العلم والرزق وتورث الوحشة والظلمة في القلب، كما تضعف القلب والبدن وتمنع الطاعة وتقصر العمر وتمحق بركته. يستدل ابن القيم على ذلك بقصص الأنبياء وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء في تفاوت العمر بالبر والمعصية.

توالد المعاصي وترسخها في القلب مقابل حلاوة الطاعات

تزرع الذنوب في القلب أمثالها وتولد بعضها بعضاً حتى تعتاد النفس عليها وتستلذ بها، بينما الطاعات تبدأ مشقة ثم تصير لذة وسجية. يشير السلف وابن القيم إلى أن الله يرسل الملائكة لتحريض المطيع والشياطين لتحريض العاصي.

ضعف إرادة التوبة وانسلاخ القلب من الاستقباح

تضعف المعاصي إرادة التوبة حتى تنسلخ من القلب كلياً، وتذهب استقباح المعصية فتصير عادة ومفخرة يجاهر بها العبد. كل معصية ميراث عن أمة أهلكها الله، والمجاهرة تسد أبواب التوبة وتهلك صاحبها.

تشبه العاصي بالأمم الهالكة وذله وسقوطه من عين الله

تلبس المعصية العاصي ثياب الأمم المعذبة كفرعون وقوم هود، فتجعله عدواً لله بمشابهتهم في العلو والتكبر. المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، فيذله الله وإن عظمه الناس ظاهرياً.

تأثير المعاصي والظلم على البهائم والناس

ذنوب الأفراد وظلمهم يتسببان في ضرر عام يشمل البهائم والبشر كحرمان المطر وشدة المؤونة وجور السلطان. ورد حديث عن موت الحبارى في وكرها بسبب ظلم الظالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله ابن القيم رحمه الله تعالى، ونحن نتحدث حول أحد الأدوية النافعة التي ذكرها رحمه الله تعالى لهذا الداء الذي طلب منه أن يصف له الدواء. وهذا الدواء الذي ذكره رحمه الله تعالى هو ما يتعلق بالبعد عن الذنوب والمعاصي، فإن الذنوب والمعاصي بالنسبة للقلوب كالسموم التي تضر بالأبدان. وقد أجاد وأفاد رحمه الله تعالى في سرده وبيانه لخطورة الذنوب على العباد، على القلوب، وهكذا على الأبدان. فقد ذكر رحمه الله تعالى سردًا لآثار الذنوب والمعاصي على الأفراد والمجتمعات، وذكر أمثلة لذلك، فذكر قصة الأبوين آدم وحواء، وكيف أن خروجهما من الجنة كان بسبب ذلكم الذنب، ألا وهو الأكل من الشجرة. وهكذا ما وقع لإبليس عليه من الله ما يستحق، إذ طرد من رحمة الله عز وجل حين عصى واستكبر وكان من الكافرين. وهكذا ذكر الطوفان الذي أصاب قوم نوح، وهكذا الريح التي أهلكت عادًا، والصيحة التي دمرت ثمودًا، وهكذا ما وقع لفرعون وهامان وقارون، وهكذا ما وقع لغيرهم من تلكم العقوبات. ثم ذكر رحمه الله تعالى أحاديث، وهكذا ذكر آثارًا تدل على عواقب الذنوب والمعاصي على أهلها، وأن هذه العقوبات قد تكون عاجلة أي في الحال، وقد تكون آجلة أي في المآل، وقد تدرك العقوبة صاحبها ولو بعد حين، كما وقع في قصة التابعي الجليل محمد بن سيرين رحمه الله تعالى، إذ أنه أصابه الإفلاس وتحمل الديون بعد أن كان غنيًا وكثير المال، فذكر رحمه الله تعالى أن سبب ذلك هو ذنب أصابه قبل أربعين سنة، أن قال لرجل: يا مفلس، يا مفلس، فأصابه ما أصابه. ثم ذكر رحمه الله تعالى جملة كثيرة من أضرار المعاصي على العبد، سواء في دينه أو في دنياه أو في آخرته. ومن هذه الأضرار التي ذكرها رحمه الله تعالى وهي كثيرة وعظيمة، لعله لم يسبق أو لم يسبقه إلى مثلها أحد من العلماء. وقد سبق معنا ما ذكره العلامة محمد بن إبراهيم ابن الوزير اليماني رحمه الله تعالى في كتابه "العواصم والقواصم"، قال رحمه الله تعالى -أي ابن الوزير-: "ومن أحسن من جمع في ذلك -أي من جمع في آثار الذنوب وعواقبها-؟ قال: ابن قيم الجوزية، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: ومنه استمد، وذلك في كتاب له سماه "الجواب الكافي". قال: فرحمه الله، لقد جود في الزجر عن المعاصي وأجاد وأبدع وأفاد وأمتع، وجاء بما لم يسبق إلى مثله". سبق معنا أيها الأحبة في الله بعض هذه الأضرار التي ذكرها الإمام أبو عبد الله شمس الدين محمد ابن أبي بكر الزرعي ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، فبدأ بحرمان العلم النافع، حرمان العلم النافع. وهكذا ذكر حرمان الرزق، والرزق قد يكون مالًا وقد يكون غير مال. وهكذا أيضًا ذكر منها وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله، وهكذا أيضًا ذكر منها الوحشة التي تحصل للعاصي بينه وبين الناس. وهذا من الأمور كما سبق الملاحظة، تجد أرباب المعاصي وهكذا المتمادون في الذنوب يستوحشون الجلوس مع أهل الخير، لا يحب أن يجالس الصالحين، يجدون نفرة ويشعرون بوحشة من مجالستهم، فالطيور على أشكالها تقع كما قيل قديمًا. وهكذا من هذه الأضرار ذكر ظلمة يجدها العاصي في قلبه حقيقة، فيحس بها كما يحس الإنسان الذي يمشي في ظلمة الليل البهيم، أي شديد السواد، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾. الطاعة يا إخوان سبب من أسباب النور، والمعصية سبب من أسباب الظلمة. وهكذا ذكر رحمه الله تعالى ذكر من أضرار الذنوب والمعاصي أنها توهن، أي تضعف القلب والبدن، تضعف القلب والبدن. وأما ضعف القلب فظاهر، إذ أن حياة القلوب هي في طاعة الله عز وجل، طاعة والذكر والعلم وغيرها هي الغذاء الذي تتغذى به القلوب، فإذا فقد هذا الغذاء ضعفت ثم مرضت، وإذا مرضت ولم تعالج فإنها قد تموت، وإذا مات قلب العبد فكبر على صاحبه أربعًا. والمعاصي توهن وتضعف القلوب بل وتميتها: ﴿رُبَّ ذَنبٍ أَمَاتَ قَلْبًا﴾، وقد يورث الذل إدمانها، أي إدمان الذنوب يورث ويجعل في أمزجة القلوب الذل والضعف والوهن. وهكذا بالنسبة للأبدان، فالذنوب تضعف الأبدان، تضعفها حسًا، وهكذا تضعفها معنى. وكم رأينا ممن أضعفتهم الذنوب بعد الأجسام القوية والعضلات المفتولة والقوية، أصبح أحدهم هزيلًا ضعيفًا، لربما يتمايل إذا مشى من الضعف والهزل. وهكذا ذكر منها حرمان الطاعة، حرمان الطاعة، فليس من أضرار الذنوب فقط ما يترتب من العقوبات على فعل هذه الذنوب والمعاصي، بل يزداد الأمر صعوبة وسوءًا، إذ أن هذه الذنوب تحرم صاحبها الطاعة ولذيذ العبادة والقرب من الله تبارك وتعالى. وهكذا آخر ما ذكرنا في الدرس الماضي أن من أضرار الذنوب والمعاصي هو قصر العمر ومحق بركته. فالطاعة سبب لطول العمر والبركة، والعكس بالعكس، فإن المعصية سبب لقصر العمر ومحق بركته. وقد مر معنا في حديث ثوبان قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ». وجاء في حديث أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ -وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ سَرَّهُ- أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». قال: من أحب أن يبسط له في رزقه، يعني يبارك الله له في الرزق، وينسأ له في أثره أن يطيل الله عز وجل له في العمر، ماذا يفعل؟ قال: فليصل رحمه. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي هريرة: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مُنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن العلماء اختلفوا في معنى العمر الذي يزيد بسبب الطاعة أو ينقص بسبب المعصية، فذهب بعضهم إلى أن المقصود بزيادة العمر هو البركة التي يجعلها ربنا عز وجل في عمر هذا العبد، وبالنسبة للعصاة محق البركة، تمر السنون ولا يشعر بها ولا ينتفع فيها انتفاعًا، فتمر عليه سريعًا وتضيع عليه كذلك أيضًا سريعًا. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الزيادة والنقصان هما على الحقيقة، فربنا عز وجل يخلق ما يشاء ويختار، يقدر في ما قدره لعباده أن من فعل كذا وكذا من الطاعات يزاد في عمره، وأن من فعل كذا وكذا من المعاصي فينقص في أعمارهم. قال رحمه الله تعالى: "فصل، ومنها -أي من أضرار الذنوب والمعاصي على أصحابها- أن المعاصي تزرع في القلوب أمثالها، ويولد بعضها بعضًا حتى يعسر على العبد مفارقتها والخروج منها، ويسهل عليه مفارقتها والوقوع فيها". كما قال بعض السلف: «إِنَّ مِنْ عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا، وَإِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا». وهذا الذي عزاه إلى بعض السلف، أخرجه غير واحد من أهل العلم كالبخاري في "شعب الإيمان" وغيره عن أبي الحسن المزين. وهكذا أيضًا ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الفتاوى الكبرى"، وهكذا أيضًا عزاه في "التحفة العراقية" للتابعي الجليل سعيد بن جبير. وهكذا ذكره الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في عدة مواضع من تفسيره، وهكذا أيضًا ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه كـ "مفتاح دار السعادة" و"طريق الهجرتين" وغيرها. وأشاهد من هذا أن من أضرار المعاصي أنها تولد أمثالها، فإذا فعل المعصية ولم يتب إلى الله عز وجل منها سهل عليه ارتكاب أختها ومثيلاتها، وعندها يصبح لا يتأثر بوقوعه في هذه الذنوب وهذه المعاصي. قال رحمه الله تعالى: "قال: فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جانبها: ها أنا حسنة، فاعملني أيضًا، فاعملني أيضًا. قال: فإذا عملها قالت أخرى: اعملني، وثالثة ورابعة كذلك وهلما جرى. قال: فتضاعف الربح، الربح، الربح، وتزايدت الخيرات والحسنات. وكذلك جانب السيئات أيضًا، إذا السيئة لها أخوات، والحسنة والحسنة والحسنة كذلك أيضًا لها أخوات، فإذا وقع في الحسنة نادت أخواتها: هلم. وهكذا إذا ارتكب السيئة فإن مثيلاتها وأخواتها تنادي هذا الفاعل. قال: وكذلك جانب السيئات أيضًا، قال: حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راصخة وصفات لازمة وملكات ثابتة، إذا يعتاد على فعلها ويستمر على ذلك إلا أن يتداركه الله عز وجل بتوبة تمحو أثر هذه الذنوب والسيئات. قال رحمه الله تعالى: قال: فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه. فلو عطل -يعني لم يعمل المحسن هذه الطاعة- ماذا يشعر؟ يشعر بضيق في نفسه، قال: وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوتي إذا فارق الماء حتى يعاودها. قال: فتسكن نفسه وتقر عينه. هذا المطيع يا إخوان، المطيع إذا لم يفعل الطاعة يشعر بهذا الضيق في نفسه حتى يعود إلى الطاعة. قال: ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة، قال: لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتى يعاودها، حتى يعاودها أن يعود إلى المعصية. قال: حتى إن كثيرًا من الفساق ليوقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية إليها إلا لما يجده من الألم بمفارقتها ومعتاده من مواقعتها، كما صرح بذلك شيخ القوم -شيخ القوم يعني العصاة- الحسن بن هان، حيث يقول: وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ ** وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا من هو الحسن بن هان؟ مرة معنا قريبًا، الحسن بن هان، نعم يا أبا محمد، نعم الشاعر المعروف بذي النون، بذي النون، وماذا كان موصوفًا به؟ بالشرب، أي شرب الخمر. يقول: وكأس شربت على لذة، أي تلذذ بها بشربها، وأخرى -أي كأس أخرى- قال: تداويت منها بها، ليس هناك لذة ولكن لما يجد من الداعي الذي يدعوه إليها في قلبه. وقال آخر: فَكَانَتْ دَوَائِي وَهِيَ دَائِي بِعَيْنِهَا ** كَمَا يَتَدَاوَى شَارِبُ الْخَمْرِ بِالْخَمْرِ وهذا البيت عزاه بعضهم إلى ديوان ابن نباتة المصري. وهكذا أيضًا يعني بعضه يشبه ما قاله قيس بن الملوح. من هو قيس بن الملوح؟ شاعر معروف، ما لقبه؟ لقبه مجنون، مجنون ليلى. قيس بن الملوح العامري، شاعر عربي من أهل نجد، اشتهر بالغزل في شعره ولا سيما في الكلام على من يعشقها وهي ليلى العامرية، فماذا سمي بمجنون ليلى؟ فهذا البيت قريبًا من بيتي قيس بن الملوح، وهو كما سبق من الشعراء المشهورين، قال: فكانت دوائي وهي دائي بعينه، يعني مرض بسبب عشقه لها وحبه وغرامه فيها، طيب هي سبب الداء، ما هو الدواء أيضًا؟ الدواء هي، فكانت دوائي وهي دائي بعينه، كما يتداوى شارب الخمر بالخمر. وقيس بن الملوح يقول: تَدَاوَيْتُ مِنْ لَيْلَى بِلَيْلَى عَنِ الْهَوَى ** كَمَا يَتَدَاوَى شَارِبُ الْخَمْرِ بِالْخَمْرِ قال رحمه الله تعالى: "قال: ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكة تأزه إليها أزا، أي تدفعه إليها، قال: وتحرضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها". هذا يا إخوان من درر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، يقول: ولا يزال العبد يعاني، يعني في البداية قد تكون بعض العبادات ثقيلة، مثل ماذا؟ مثل قيام الليل، يجد الواحد في البداية ثقلًا، حتى يألف: أول يوم فيها صعوبة، ثاني يوم الصعوبة تقل والمعاناة تخف، وهكذا بعد أسبوع، عشرة أيام، شهر، وإذا به يجد لذة، ما يحتاج منبه، ما يحتاج يقوم من نفسه، لماذا؟ لأن قلبه قد تعلق بذلك. أرأيتم من كان مشتاقًا إلى سفر، يقول: غدًا السفر، متى؟ قبل الفجر بساعة، وهو يحب ذلك السفر، فتجده قد تعلق قلبه به، يقوم في الليل عدة مرات، يرى ساعة، بقي وقت، يعود ينام، فما هي إلا برهة من الزمن إذا يقوم يستيقظ، ما زال الوقت باقيًا، وهكذا حتى يأتي عليه الوقت. وهكذا أيضًا قل في الصيام، يصوم أول أسبوع، الاثنين والخميس، يجد شيئًا من المشقة ويجد كذلك شيئًا من التعب، يريد أن ينام، يريد أن يسترخي ويستلقي إلى غير ذلك، لكن ما هي إلا فترات وإذا به يعتاد ويشعر لهذه العبادات لذة، لكن بعد المعالجة، بعد المعالجة، وفي فترة المعالجة هنا ينجح أو يفشل الشخص، هنا قد يواصل أو قد يتراجع. وهكذا قل في طريق العلم، يسلك اثنان أو أكثر طريق العلم، ففي بداية الطلب يشعر بتعب، يشعر بثقل، يشعر بجهد وإرهاق، ولربما يعتريه بعض المرض، فإذا صبر وعالج نفسه نجح وتفوق، وإذا كسل، إذا آثر الراحة، إذا أمال ركن إلى الفتور، فهنا يرجع القهقرى ولا يصل إلى الهدف المنشود أو ذلك الأمر المقصود. قال: "قال: ولا يزال يألف المعاصي" -هذا في الجانب الآخر- "ولا يزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله عليه الشياطين فتأزه إليها أزا". ألم ترى أن أرسلنا الشياطين على الكافرين تأزهم أزا، تدفع بهم إلى الشهوات وإلى المعاصي. ولاحظوا كيف أن الشخص إذا وقع في المعصية أول مرة كيف يكون حاله؟ أول مرة يعصي، تجده يخاف ويقلق ويجد شدة وشيئًا في نفسه من هذه المعصية. طيب إذا فعلها ثاني يوم يخف ذلك وتستشرف نفسه إلى المعصية مرة أخرى، فعلها ثالثة ورابعة وخامسة، إذا به يشتهيها ويجد لها لذة وحلاوة إلى غير ذلك، حتى أنه إذا لم يعمل بأسبابها من يأتيه الشياطين: قم، ما لك اليوم؟ ما لك اليوم؟ المعصية والأمر الفلاني فيه راحة. وإذا فشل شيطان الجن قد يرسل إليه من شيطان الإنس: قم على حسابي اليوم، قم، ما لك؟ إيش الذي يغيرك؟ ويحاول به، يحاول به حتى يوقعه في الذنب والمعصية. فنسأل الله تعالى العافية والسلامة. قال: "فالأول قوى جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه". من الأول هذا الذي عالج الطاعة وهكذا أيضًا ألف العبادة، هذا قوي ومن أسباب قوته المدد الذي أرسله الله إليه وهم الملائكة الذين يؤزونه إلى الطاعة أزا، أزا، قال: فصاروا من أكبر أعوانه. قال: والعاصي قوى جند المعصية بالمدد، فكانوا أعوانًا عليه، وهم الشياطين الذين يؤزونه إلى المعصية أزا. قال رحمه الله تعالى: "فصل، ومنها -أي من أضرار الذنوب والمعاصي- من أضرار الذنوب والمعاصي، ولاحظوا يا إخوان فقه وعلم ابن القيم رحمه الله تعالى، هو من فرسان هذا الميدان ما يتعلق بالقلوب وعلاج القلوب وأدوية القلوب وغير ذلك، هو يعتبر من فرسان هذا الميدان، ولهذا أطنب هنا وتفنن أيما تفنن ونوع أيما تنويع، فسود صفحات كثيرة جدًا في بيان أضرار هذه الذنوب وهذه المعاصي، فهو ممن لا غبار عليه في هذا الميدان. قال: ومنها، قال: وهو من أخوفها على العبد، وإتيانه بهذه العبارة لكي ينتبه لها أكثر، قال: وهو من أخوفها على العبد، قال: أنها تضعف القلب عن إرادته، عن إرادته، قال: فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو خير بين التوبة وبين السيف الذي تقطع به الرقاب سيقول: اقطع رقبتي، ما سأتوب، ما سأتوب. لماذا؟ لهذا الأمر، أن إرادة الخير والتوبة والطاعة تضعف، وإرادة المعصية والشر تعظم وتقوى، وحتى تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية. قال: فلو مات نصفه لما تاب إلى الله. قال: فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، قال: وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها عازم على مواقعتها متى أمكنته، متى أمكنته. قال: وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك. ولهذا تعجب ممن قد بلغ من العمر عتيًا ولازال على المعصية، أو ممن بلغ به المرض مبلغًا، يقال: يا فلان عندك سرطان وقد انتشر ونحن قد أيسنا من علاجك. طيب مثله ماذا يفعل؟ مثله يتوب ويستغفر ويسأل الله عز وجل العافية والتوبة، لكن إذا قويت إرادة المعصية وضعفت إرادة التوبة تجده على هذا الحال، لا زال مصرًا على المعصية وملازما للفاحشة والمعصية، بعيدًا عن التوبة، بعيدًا عن التوبة. قال: وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك. قال: فصل، ومنها، قال: أنه ينسلخ من القلب استقباح المعصية، فتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه ولا من غيره، ولا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه. وهذا ظاهر يا إخوان، وهذا ظاهر، إذا تمادى، إذا أصر، أدمن المعصية، فتجده يذهب من قلبه استقباح هذه المعصية، يرى أنها أمر عادي، ويرى من يفعلها أنه ليس على جريمة أو على معصية وجناية. تجده في أول الأمر يخاف ويتباعد عن أعين الناس، ما يريد أحدًا أن يراه، لكن شيئًا فشيئًا ويومًا بعد يوم، وإذا به يخرج أمام الناس وهو على هذه الحالة وعلى هذا المنظر. طيب سيتكلمون عليه، يقول: إيش فيه؟ أمر عادي، فلا يتأثر بكلامهم ولا برؤيتهم له. وهذا يا إخوان من أضرار الذنوب والمعاصي أنها تذهب من القلب استقباحها، بل على العكس قد يتفاخر بذلك، قد يتفاخر بذلك كما سيذكر المصنف رحمه الله تعالى. قال: وهذا الحال عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم في المجالس بالمعصية ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا، ويقول لغيره ممن لم ينل ما نال هو من أجناس المعاصي: يا معثر -يعني معثر، أي وقع وسقط ولم يصل إلى تلك المعصية- يفتخر، يفتخر عليه: أنا زنيت، أنا فعلت فاحشة اللواط، أنا البارحة شربت نوعًا من أنواع الخمر، أنا البارحة أكلت قاتًا، أنا فعلت وفعلت، أنت كسلان، أنت ما تعرف، أنت فاشل، وهكذا. يقول له: يا معثر، وأي شيء نلت أنت وبأي شيء حضيت وأنا حضيت بفلانة فلانة وبفلان وفلان من المردان الحسان، وأنفقت على ذلك من الأموال كيتا وكيتا. قال: ويتبجح بذلك بين جلسائه، ومنهم من يذكر ذلك بعد أربعين سنة أو أكثر أو أقل من إفلاسه وكبر سنه وضعفه. وهذا يا إخوان يعتبر دليلًا على شدة الابتلاء وهكذا ذهاب العافية عن هذا الإنسان. قال: وهذا الضرب من الناس -أي النوع من الناس- لا يعافون منه، لا يعافون منه، وتسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها غالبًا، فيموت أحدهم بلا توبة، فيموت أحدهم بلا توبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ» -يعني المجاهرين الذين يجاهرون بما فعلوا من الذنوب والمعاصي. قال: وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد ثم يصبح يفضح نفسه، فيقول: يا فلان عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيهتك نفسه، وقد بات يستره ربه، وقد بات يستره ربه. وهذا الحديث في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فهذه المجاهرة التي قد يقع فيها بعض العصاة هي ذنب إلى ذنب ومعصية على معصية، فيأثم على المعصية ويأثم على مجاهرته بها. الله عز وجل قد يستر هذا العبد، يفعل المعصية ولا يعلم بها أحد، ولا يعلم بها أحد، فلو ظل في ستر الله عز وجل ولم يحدث بها فقد يعافى، قد يتوب، يتوب الله عليه ويهديه إلى التوبة النصوح. لكن يستره الله عز وجل فيصبح وقد كشف ستر الله عنه، يجلس ويتحدث بما فعل من الذنوب، يقول: البارحة أنا زنيت بفلانة، أو فعلت الفاحشة بفلان، بدلت كذا وكذا من المال في شراء الخمر أو غيره من المحرمات والمخدرات. ومما يدخل في المجاهرة ما يقع اليوم في وسائل التواصل مثلاً، في الفضائيات، بممارسة بعض الجرائم والفواحش وغير ذلك، في بعض المجموعات على مواقع التواصل يأتي أحدهم ويقول: البارحة فعلت وفعلت، فيكشف ستر الله عز وجل الذي بات يسره به. فنسأل الله العافية والسلامة. قال رحمه الله تعالى: "قال: ومنها أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله عز وجل". لاحظ هذه المعاصي، كل واحدة منها قد سبقنا إليها أمة من الأمم الذين عذبهم الله بسببها، بسببها. قال: فاللوطية ميراث، أو ميراث عن قوم لوط، اللوطية أي فعل فاحشة اللواط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم﴾، هذه جريمة فعلها قوم لوط فأهلكهم الله عز وجل وعذبهم، رفعت قرى قوم لوط عاليًا ثم جعل عاليها سافلها وهوت إلى الأرض، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾. فماذا؟ فهذه عقوبة، فالذي يقع في اللواط اليوم هذا إرث أولئك القوم الكافرين، هم سلفه فيها. قال: وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص، وهذا يسمى التطفيف في الكيل والوزن وغيرها، قال: ميراث، أو ميراث عن قوم شعيب، عن قوم شعيب. قال: والعلو في الأرض والفساد ميراث عن قوم فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال: والتكبر والتجبر ميراث عن قوم هود، ولهذا قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، عندهم كبر وعندهم تجبر، ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، فمن تكبر وتجبر فسلفه هم قوم هود وهم قبيلة عاد. قال: فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم، وهم أعداء الله، وهم أعداء الله. قال: وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن مالك بن دينار، قال: أوحى، قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن: «قُلْ لِقَوْمِكَ لَا تَدْخُلُوا مَدَاخِلَ أَعْدَائِي، وَلَا تَلْبَسُوا مَلَابِسَ أَعْدَائِي، وَلَا تَرْكَبُوا مَرَاكِبَ أَعْدَائِي، وَلَا تَطْعَمُوا مَطَاعِمَ أَعْدَائِي، وَلَا تَسْكُنُوا مَسَاكِنَ أَعْدَائِي، فَتَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي، كَمَا هُمْ أَعْدَائِي». وهذا يكون بماذا؟ بفعل ما فعل أولئك الأعداء، فكانوا أعداء لله، فمن شابههم وماثلهم بفعل هذه الأعمال صار مثلهم عدوًا لله عز وجل. وهذا الأثر إلى مالك بن دينار، سنده حسنه جماعة من أهل العلم، وهو كما هو ظاهر من الآثار الإسرائيلية، آثار بني إسرائيل. ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ «وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»، وهكذا أخبر أنها لا تصدق ولا تكذب. قال: هذا قد قيل في من يتشبه بهم في المباحات أنه عدو لله، فما الظن بمن يتشبه بهم في معاصي الله ومساخطه؟ قال: وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» -يعني في الجهاد في الغزوات فيما يغنم من أموال الكفار، هذا رزق النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف العلماء في أحسن المكاسب، أحسن الأعمال التي يتحصل منها على مكسب، فقيل الزراعة، وقيل التجارة، وكل بيع مبرور، وقيل الجهاد الذي هو كسب النبي صلى الله عليه وسلم. وتكلم العلماء في هذه المسألة كما ذكر الحافظ ابن حجر والنووي وغيرهما، وأن أفضل المكاسب ما كان بعمل اليد، ما كان بعمل اليد، سواء كان تجارة أو كان زراعة أو كان حرفة أو مهنة أو جهادًا، ولا سيما إذا كان جهاد الكفار وفتح البلدان ورفع راية الحق وإضعاف الباطل وإضعاف الباطل وأهله، فهذا أفضل وهذا أعظم. قال: «وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، فَهُوَ مِنْهُمْ». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهكذا أبو داود، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في "إرواء الغليل" وغيره. ولاحظوا يا إخوان كيف أن من فعل المعاصي فإن سلفه هم تلك الأمم المعذبة، والعكس بالعكس، فسلف أهل الطاعات هم الأنبياء والرسل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، بِحَظٍّ أَيْ بِنَصِيبٍ وَافِرٍ أَيْ كَامِلٍ وَعَظِيمٍ». قال رحمه الله تعالى: "قال: ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه". قال الحسن البصري: «هَانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، وَلَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ لَعَصَمَهُمْ». ومر معنا أثر أبي الدرداء يوم أن فتحت قبرص، الناس فرحوا بالفتح، وأبو الدرداء ذهب يبكي، فاستغربوا من ذلك، في يوم نصر الله فيه أهل الإسلام وأنت تبكي؟ فذكر نحو ذلك: بينما هي أمة ظاهرة عزيزة، فماذا؟ فبسبب عصيانهم أذلهم الله عز وجل وأصبحوا، آه ماذا؟ وأصبحوا في الأسر وغيره. قال: وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾. قال: وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر، أو أحقر شيء وأهونه، أحقر شيء وأهونه. ولهذا يا إخوان العزة من الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فالمعصية سبب لهوان وذل وضعف صاحبها، لأنه يكون هيّنًا عند الله، فيهون عند عباد الله عز وجل. ولا يغررك تقلبهم في البلاد، يتظاهر أهل الباطل وأهل المعاصي بالراحة والسعادة، تجد بعض المغنين والممثلين واللاعبين والمصارعين والملاكمين وغيرهم من أهل المعاصي يتظاهرون بالسعادة أمام العدسات وفي الشاشات، يتظاهرون بالسعادة وهم يعيشون حياة ضنكًا، ما تشعر إلا بعد أيام، يقولون: فلان انتحر، وفلان أصابه جنون، وفلان وفلان. والذي يشاهدهم يظن أنهم هم السعداء، ويقول: يا ليتني، أو يا ليت لي مثل ما أوتي قارون، ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فينبغي أن يتذكر أن ما عليه أولئك ما هي إلا سعادة مؤقتة ولذة قصيرة فانية، سرعانا ما تزول، وأما السعادة الحقيقية والراحة التامة فإنها تكون في طاعة الله عز وجل: ﴿وَلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ﴾، كما جاء في موعظة هؤلاء المؤمنين لمن اغتر بقارون وما عليه من زينة ومال. قال رحمه الله تعالى: "ومنها أن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه، أي الذنب، ويصغر في عينه، ويشربه قلبه محبة وإرادة، يعني يتخلل لذلكم الذنب أعماق قلبه، وهنا يحب تلكم الذنوب ويريد الاستمرار عليها. قال: وهذا من علامات الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله. وهذا مر معنا قريبًا: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من تعصي. وهكذا أن الذنب كلما صغر في عين صاحبه واحتقره كلما عظم عند الله عز وجل: ﴿وَتُحْسِبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. وهكذا كلما عظم الذنب في عين فاعله، يفعل المعصية فيخاف عقوبتها، وهكذا يشعر بألمها وجربها، إذا عظم الذنب في عين صاحبه فإنه يصغر عند الله عز وجل. قال أنس رضي الله عنه: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا -أَيْ نَحْنُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُوبِقَاتِ، أَيْ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ». قال: وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس أو عن ابن مسعود قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، يَخَافُ، يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ، وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا فَطَارَ». وهذا يدل على أن المؤمن إذا وقع في المعصية فإنه يشعر بعظمها وخطورتها، بخلاف المنافق والفاجر فإنه يستحقرها ويستهين بها. قال رحمه الله تعالى: "فصل، ومنها أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنوبه ومعاصيه، ومعاصيه. قال: فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم. وهذا يا إخوان فيه أن البهائم بل والناس يتضررون من هذه المعصية التي يرتكبها ذلك العبد، ذلك العبد، فقد يحرم الناس القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، سبب أعمال المجرمين، وهكذا قد يبتلوا بشدة المؤونة وجور السلطان عليهم بسبب أفعال بعض المجرمين والمذنبين إلى غير ذلك. قال أبو هريرة رضي الله عنه: «إِنَّ الْحَبَارَى لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا، لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا مِنْ ظُلْمِ الظَّالِمِ». انظر إلى هذه الحيوانات التي تتأذى بسبب المعاصي والمظالم التي تقع من قبل بعض الناس، بعض