الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 44، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
المعاصي تعمي القلب وتضعف البصيرة فيظن العاصي الهدى وهو مضل من الشيطان، ويوم القيامة يتبرأ القرينان ولا يجد العاصي تسلية بمشاركة العذاب. كما تمد المعاصي الشيطان بقوة على محاربة العبد ولا ملجأ إلا الاستعاذة بالله من شر الوسواس الخناس.
الاستعاذة هي الاحتماء بالله لدفع وساوس الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويكمن كيد الشياطين من الجن والإنس في نصب الحبائل لإيقاع الناس في الشر. وتشتد معركة الشيطان مع الإنسان عند الموت وفي القبر، مما يستوجب الثبات بالقول الثابت الذي يثبّت الله به المؤمنين في الدنيا والآخرة.
يستعيذ المسلم في آخر الصلاة من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، وتوضح الصفقة الربانية أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة. والقلب هو ميدان الجهاد ضد الشيطان، والملائكة تعقبه لتحفظه وتثبته على الخير حتى ينال الفوز العظيم.
يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يحفظ الدين وأن يتوفى المسلم على الإسلام وأن يعيذه من مكر الشياطين، مع الصلاة على النبي محمد والحمد لله. وهذا الدعاء يعكس الحرص على الخاتمة الحسنة والنجاة من مكائد الشياطين في الحياة وبعد الممات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولا نزال مع هذه العقوبات العاجلة المترتبة على الوقوع في الذنوب والمعاصي، وقد ذكر رحمه الله تعالى عددًا كبيرًا فأجاد وأفاد رحمه الله تعالى. وآخر ما تكلمنا عنه عقوبة تتعلق بأن المعاصي تعمي القلب، فإن لم تعمه فإنها تضعف بصيرته ولا بد، ولا بد. ومر معنا شيء مما يتعلق بهذه العقوبة والأثر المترتب عليها في حياة هذا الإنسان. ثم قال رحمه الله تعالى في تتمة هذا الفصل: «ثم أخبر سبحانه أن الشيطان يصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل إليه وإلى جنته، أن الشيطان يصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل إليه، أي إلى الله عز وجل، وإلى جنته. قال: ويحسب، أو يحسب هذا الضال المصدود أنه على طريق هدى، أنه على طريق هدى». وهذه المصيبة يا إخوان، أن الشخص انحرف عن الجادة وخرج عن الصراط المستقيم، وأصبح يعمل أعمال أصحاب الجحيم، وبعد هذا كله فيحسب أنه يحسن صنعًا، وأنه أهدى سبيلًا. قال الله عز وجل: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. هؤلاء توعدهم ربنا عز وجل بالنار والعذاب الأليم عنده. قال رحمه الله تعالى: «قال: ويحسب هذا الضال المصدود أنه على طريق هدى، حتى إذا جاء القرينان، وهما الإنسان والشيطان المقارن له يوم القيامة، يقول أحدهما للآخر: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، فبئس القرين كنت لي في الدنيا، أضللتني، أضللتني في الدنيا عن الهدى بعد إذ جاءني، وصددتني عن الحق وأغويتني حتى هلكت، وبئس القرين أنت لي اليوم، وبئس القرين لي أنت اليوم». فيتبرأ كل منهما من الآخر. قال: «ولما كان المصاب إذا شاركه غيره في مصيبته حصل بالتأسي نوع تخفيف وتسلية، أخبر سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين في العذاب، وأن القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرح بعذاب قرينه معه، وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمت صارت مسلاة، كما قالت الخنساء في أخيها صخر - فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي - قالت: فلولا كثرة الباكين حولي، هذه تبكي على أخيها وتلك تبكي على أخيها، وهكذا هن كثيرات. قالت: على إخوانهم لقتلت نفسي، أي من شدة الحزن. قالت: وما يبكون مثل أخي، ولكن أعز النفس عنه بالتأسي». هذا يا إخوان في الدنيا، الواحد إذا أصيب بمصيبة يحزن، لكن إذا علم أن هذه المصيبة قد أصيب بها غيره فيخف حزنه. وفي حديث كعب بن مالك في قصة تخلفهم عن غزوة تبوك، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بهجرهم، سأل كعب: هل أصاب مثل هذا أحد غيري؟ قالوا: نعم، رجلان صالحان من المسلمين. فماذا؟ تسلى بذلك، تسلى بما أصاب به غيره. هذا في الدنيا، أما في الآخرة فإذا عذب الشخص وعذب معه الملايين، فإن ذلك لا يغني عنه شيئًا، ولا يحصل بسببه له التسلي، ولا ماذا؟ التخفيف. قال رحمه الله تعالى: «فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة عن أهل النار، فقال: ﴿فَلَا يَنفَعُكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾». قال رحمه الله تعالى: «فصل: ومن عقوباتها - أي الذنوب والمعاصي - أنها مدد، أو أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه الشيطان، وعون له - أي للشيطان - عليه، أي على هذا الإنسان العاصي، وجيش يقويه به على حربه». وفي بعض النسخ: «على حزبه، على حزبه». وكل المعنيين صحيح، فهي حرب من الشيطان على الإنسان، وهكذا هو مدد استعين به الشيطان على محاربة حزبه، ونوعي هذا الإنسان. قال رحمه الله تعالى: «قال: وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين، أي يلازمه ويكون معه. قال: ينام الإنسان ولا ينام عنه، ويغفل - أي الإنسان - ولا يغفل عنه، يراه هو وقبيله من حيث لا يراه، يبدل جهده في معاداته في كل حال، ولا يدع أمرًا يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله إليه، ويستعين عليه ببني أبيه، ويستعين عليه ببني أبيه، أي إخوانه الشياطين من شياطين الجن وغيرهم من شياطين الإنس». ومن الذي يدفع عنا شر وكيد هؤلاء الشياطين؟ عندك يا أخانا يوسف الصديق، من من الذي يستطيع أن يدفع عنا شر هؤلاء الشياطين؟ من أنت الآن تطلب الحماية من شياطين الإنس والجن؟ من الذي سيحميك؟ هل ممكن نأتي بإثنين من الحراس معهم الأسلحة ويدافعون عنك من كيد الشياطين؟ الجواب: لا. إذن من الذي سيحميك؟ قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. خبيث يا إخوان، هذا الشيطان خناس، فيوسوس ويخنس. إذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم خنس، رجع وهرب، لكنه يعود، لكنه يعود. ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، أي من الجن والناس، أي من بني آدم. فما هو الجواب؟ السؤال واضح: الشيطان، من الذي يحمينا نحن منه؟ الجواب: نعم، وصلت أو فهمت السؤال. نعم، ما هو الجواب؟ الله عز وجل. ولهذا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. يا عبد الرحمن، من هو رب الناس؟ رب العالمين، الله عز وجل. ﴿فَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾، ما هو الجواب؟ ماذا تفعل يا أبا صالح؟ نعم، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، فاستعذ بالله، يعني تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو تقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو تقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. يا أبا تميم، ما معنى الاستعاذة؟ ما معنى أعوذ بالله؟ أعوذ بالله، هذه تسمى استعاذة، فما هي الاستعاذة؟ السين هذه، السين ماذا؟ الطلب. إذن أنت تطلب ماذا؟ استعاذة، أي طلب العود. أحسنت. وما هو العود؟ لما تقول أعوذ، طيب، أحسنت. نعم يا باحذيف، ما هو طلب العود؟ لما أقول أنا أو تقول أنت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما معناه؟ أي الشيطان قادم، تقول أعوذ بالله، يعني ماذا؟ تطلب أن يقرب أو يبعد؟ يبعد. إذن أعوذ معناها ماذا؟ أيوة، طيب، أحسنت يا أبا طاهر: وقاية، حماية. أعوذ أي أحتمي، أي أعتصم، أي أعتصم بالله عز وجل من الشيطان الرجيم. فهذا معنى الاستعاذة: الاحتماء والاعتصام والالتجاء إلى الله عز وجل لكي يدفع عنك أذى وشر هؤلاء الشياطين. والشيطان يا إخوان في غاية الخبث والمكر، يأتي يوسوس للعبد منا، فهو كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «يجري من ابن آدم مجرى الدم»، مجرى الدم. فيأتي يوسوس، فتستعيذ بالله عز وجل، فيدفعه الله عنك، قد يذهب يوسوس لشخص آخر، ويقول له: فلان جالس في المسجد، ايش يعمل؟ يلا، دخل، اجعله يذهب معك إلى السوق، وتأتي به كذا وكذا، أو تفعل كذا وكذا، فيدخل شخص ويهمس في أذنه بكلمات: شوف ما استطاع الشيطان أن يقيمه، أرسل له شخصًا آخر يؤزه إلى الشر أزا. ولهذا يا إخوان، شياطين الجن والإنس كلاهما يعتبران خطرًا وضررًا يهدد الإنسان، يهدد الإنسان. قال رحمه الله تعالى: «قال: قد نصب له الحبائل» - الحبائل جمع، يعني حبال أو حبل - «حبائل، يعني المقصود بها في خاخ من خلالها الشياطين تصطاد هؤلاء الناس. قد نصب له الحبائل، وبغا وبغاه الغوائل». وعندنا: «وبغاه»، وفي بعض النسخ: «وبغاة الغوائل، بغاة الغوائل»، أي ماذا؟ البغاة الذين دأبهم العدوان، وهكذا الاعتداء على بني الإنسان، يستغلون الفرص في أذية هذا الإنسان، في أذية هذا الإنسان. «قال: ومد حوله الأشراك، ومد حوله الأشراك، ونصب له الفخاخ والشباك». أذى كله يا إخوان، معركة صيد بين الإنسان وبين الشيطان وأعوانه، كل ذلك من أجل أن يصيد هذا المسلم، فيقع فريسة سهلة وصيدًا سمينًا لذيذًا في شباك الشياطين. «قال: وقال لأعوانه: دونكم عدوكم وعدو أبيكم، لا يفوتنكم، ولا يكن حظه الجنة وحظكم النار، ونصيبه الرحمة ونصيبكم اللعنة. وقد علمتم أن ما جرى علي» - الشيطان يتحدث، يقول لأعوانه وذريته - «وقد علمتم أن ما جرى علي وعليكم من الخزي واللعن والإبعاد من رحمة الله فبسببه ومن أجله، فابذلوا جهدكم في أن يكونوا شركاءنا في هذه البلية، في هذه البلية». قال ربنا عز وجل يا إخوان، ملخصًا ذلك: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، يريد أن الناس يشاركونه في عذاب السعير. «قال: إذ قد فاتنا شركه، أو شركة صالحيهم في الجنة، فاجتهدوا في صالحيهم أن يكونوا شركاءكم في العذاب والإبعاد». «قال: وقد أعلمنا الله سبحانه بذلك كله من عدو، من، من عدونا، وأمرنا أن نأخذ له أهبته ونعد له عدته. وربنا عز وجل من رحمته بنا، من رحمته بنا، بيّن لنا هذا العدو: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾». ومر معنا يا إخوان: متى يكون الشيطان أكثر محاولة في الإغواء والإضرار بهذا الإنسان؟ متى يشتد الشيطان يا أبا سوريا؟ عند الموت، آخر اللحظات. الشيطان يقول لأبنائه وأحفاده وذريته: يقول: لا يفوتنكم، إن فاتكم في هذه الحالة فإنه سيدخل الجنة وأنتم تدخلون النار. انتبهوا أن يفوتكم. وهذا دل على شيء، دل على خطورة تلك الساعة، وحاجة المسلم إلى أن يثبته الله عز وجل بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن الله عز وجل يعيده من هذه الفتنة العظيمة. قال الله عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. في الحياة الدنيا، أي في حياته كلها، ولا سيما عند الموت. معركة لهذا الإنسان مع هؤلاء الشياطين المجتمعين عنده وحوله. «قال: في الحياة الدنيا وفي الآخرة». وفي الآخرة، قال قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي البصري: «قال: أي في القبر». أي في القبر أيضًا يحتاج المسلم إلى الثبات، إذا أنزل إلى قبره، وأسد في لحده، ونصب عليه اللبن نصبا، وأهيل عليه التراب، وذهب عنه الأهل والأصحاب والأحباب، هنا يسمع ماذا؟ يسمع قرع نعالهم، أصواف النعال، وانصراف المشيعين. هنا يأتيه ملكان فيسألانه: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ أسئلة يا إخوان ظاهرها سهل، لكن ماذا؟ الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام، وعلمنا أن نستعيذ بالله عز وجل من أربع، ما هي هذه الأربع؟ يا عبد الله، ما هي هذه الأربع؟ أمرنا في آخر الصلاة أن نستعيذ بالله من أربع، ما هي؟ نقول ماذا؟ نستعيذ بالله من، من؟ ما أسمع، بلغ يا أبا عبد الله. الشيطان، أنت في آخر الصلاة بعد التشهد والصلاة الإبراهيمية تقول ماذا؟ تستعيذ بالله من أربع: واحد... لا، عمك سالم موجود، تفضل يا أبا عبد الله. نعم: من عذاب جهنم، وفتنة المحيا والممات، أيضًا المسيح الدجال، باقي واحدة. نعم: عذاب القبر. فنتعوذ بالله من هذه الأربع، ومنها نتعوذ بالله من فتنة المحيا والممات، من فتنة المحيا والممات. قال رحمه الله تعالى: «قال: ولما علم سبحانه أن آدم وذريته قد بلوا بهذا العدو، وأنه قد سلط عليهم، أمدهم بعساكر وجند يلقونه بها، وأمد عدوهم أيضًا بجند وعساكر يلقاهم بها، وأقام سوق الجهاد، وأقام سوق الجهاد في هذه الدار، في مدة العمر التي هي بالإضافة إلى الآخرة كنفس واحد، أو كنفس واحد من أنفاسها، أي من أنفاس الآخرة. الدنيا هذه كلها يا إخوان ما هي إلا كنفس واحد من أنفاس الآخرة». «قال: واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وأخبر أن ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه، وهي التوراة والإنجيل والقرآن». أين هذه الآية يا صالح؟ في سورة... هذه الآية التي يشير إليها ابن القيم رحمه الله تعالى، من أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وأن الثمن مقابل ذلك هي الجنة، وأنهم يقاتلون في سبيل الله فيقتلون عدوهم ويقتلون، أي يقتلهم العدو، وأخبر أن ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه: التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله؟ أحسنت: سورة الأحزاب، يا أبا أسحاق، كما يقول صالح. قال: سورة الأحزاب. كيف تقول؟ لا، ليست في سورة الأحزاب. أحسنت، ففي أي سورة؟ طيب، أحسنت يا أبا معاوية، العرباض، في أي سورة؟ أحسنت: في سورة التوبة. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية. قال رحمه الله تعالى: «قال: ثم أخبر أنه لا أوفى بعهده منه سبحانه، ثم أمرهم أن يستبشروا بهذه الصفقة، التي من أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى المشتري من هو، إلى المشتري من هو، من هو المشتري يا أبا عبد الرحمن؟ من هو المشتري؟ الله عز وجل. من أراد أن ينظر ويعرف قدر هذه الصفقة، قال: فلينظر إلى المشتري من هو، الجواب: الله عز وجل. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ﴾، وإلى ثمن المبذول في هذه السلعة، ما هو الثمن؟ عبد الرحمن، ما هو الثمن؟». الله أعلم. نعم، أصلت يا بأسامة، ما هو الثمن؟ عندك كتاب الداء والدواء. طيب، أحسنت، ما هو الثمن؟ ما هو الثمن؟ أبو أسامة يفكر، تحفظ الآية. طيب، هذا أبو عثمان بجانبك، أسد صامت، آت يا فاروق، ما هو الثمن؟ أه؟ أحسن، الله أعلم. من؟ من؟ شامل، حماس، يحيل عليه كثيرًا، فات يا شامل، ما هو الثمن؟ أه؟ ما هو الثمن؟ الله أعلم. أحسنت، نعم، عندك، آه؟ الثمن، هم باعوا، ما هو الثمن؟ الجنة. أحسنت: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. إذن هذه سلعة عظيمة، سلعة الله غالية، وهذه سلعة الله، آهنا هي الجنة. «قال: وإلى الثمن المبذول في هذه السلعة، وإلى من جرى على يديه هذا العقد، وإلى من جرى على يديه هذا العقد. قال: فأي فوز أعظم من هذا، وأي تجارة أربح منه؟». «قال: ثم أكد سبحانه معهم هذا الأمر بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ما هي؟ قال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ما هو الجزاء؟ قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وماذا؟ قال: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَجَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، ما هو المقصود بها؟ يا أبا جعفر، جنات عدن، هذا يتكرر كثيرًا، جنات عدن، ما معنى عدن؟ أين أبو الفضل؟ نعم، تفضل: الخل، ممكن، وبمعنى أدق: أي جنات إقامة، عدن يعني إقامة أبدية». «قال: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾». قال رحمه الله تعالى: «قال: ولم يسلط سبحانه هذا العدو على عبده المؤمن، الذي هو أحب أنواع المخلوقات إليه، إلا لأن الجهاد أحب شيء إليه، وأهله أرفع الخلق عنده درجات، وأقربهم إليه وسيلة». «قال: فعقد سبحانه لواء هذه الحرب لخلاصة مخلوقاته، وهو القلب، الذي هو محل معرفته ومحبته وعبوديته والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه، فولاه أمر هذه الحرب، وأيده بجند من الملائكة لا يفارقونه، معقبات من بين يديه ومن خلفه، كما قال تعالى: ﴿لَّهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، أي يحفظونه بأمر الله، فإذا حضر القدر خلوا بينه وبين ما قدر الله عليه». «قال: يعقب بعضهم بعضًا، كلما ذهب بدل جاء بدل آخر، يثبتونه ويأمرونه بالخير ويحضونه عليه، ويعدونه ويعدونه بكرامة الله، ويصبرونه، ويقولون له: إنما أيام قلائل، وصبر ساعة، وقد استرحت راحة الأبدي، راحة الأبدي». والحديث له تتمة حول ما يتعلق بهذا الفصل، في بيان هذه المعركة مع الشياطين، وهذا الجهاد الذي يخوضه أهل الإيمان مع أعداء الرحمن من شياطين الإنس والجن. نسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يجنبنا، وأن يعيذنا من كيد ومكر الشياطين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.