الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 46، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح ابن القيم أن المعاصي تمد الشيطان بقوة على الإنسان، وأن جهاده يتطلب الصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله. ويبين كيف يستهدف الشيطان ثغر العين تحديدًا، فيحول النظر من اعتبار إلى تفرج وشهوة، ليزرع في القلب بذور الفتنة ويقوده للانخلاع من العصمة.
يشرح المقطع كيف يستغل الشيطان قلة العلم وفساد العقل ليدخل على الإنسان بدعوى أن الصور مظهر للحق، فيدعوه إلى عقيدتي الحلول والاتحاد الكفرتين، مبينًا معناهما وفسادهما كما يعتقدها غلاة الصوفية وابن عربي وأتباعه، وأنهما خروج عن الإسلام، وقد رد عليهما أئمة التوحيد كابن تيمية وابن القيم.
يشرح المقطع كيف يزيّن الشيطان الباطل في صورة الحق فيُقنع الناس بعقيدة الحلول والاتحاد، ثم يجعل مظهرهم مظهر الزهاد العابدين ليصطادوا الجهال، ويسقط عنهم التكاليف. ثم يفصل استراتيجية الشيطان عند ثغر الأذن: منع كلام الله والنصح من دخول القلب، وتزيين الباطل بأعذب الألفاظ والأنغام، وتصوير الحق ثقيلاً رخيصاً أو مستوجباً للعداوة، مع أمثلة كالتنفير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأويل إثبات الصفات تشبيهاً، مستشهداً برسالة الأصول الستة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله، والتأكيد على علم الله، مع شكر المشاهدين على المتابعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فمواصلةً أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولا نزال مع هذه المباحث الماتعة التي تطرق من خلالها إلى مجموعة كبيرة من آثار وعقوبات الذنوب والمعاصي. ومن آخر ما تكلمنا عنه: أن من عقوبات هذه الذنوب والمعاصي أنها تعتبر مددًا من الإنسان يمد به عدوه، هذه مساعدة من الإنسان يساعد بها عدوه على نفسه، وأكذلك هي زاد يتزود به العدو على حربه. وذكر رحمه الله تعالى جوانب تتعلق بهذه المعركة الكبيرة التي عدونا فيها هو الشيطان الرجيم وأعوانه من شياطين الإنس والجن، وهذا يعتبر من أعظم الجهاد الذي يجب علينا أن نقوم به: جهاد الشياطين، لكي لا يتسلل إلى قلوبنا، فعندها يكون الهلاك والفساد والإفساد. وكما سبق معنا، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، مجرى الدم. وهذا إن دل على شيء دل على خطورته، وعلى قربه، وعلى أنه إذا وجد الأبواب مفتحة فإنه سيدخل، وعندها سيفسد، وهكذا سيحاول أن يتبر ما على تتبيرًا. و سبق معنا ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى أنه لا يتم أمر هذا الجهاد إلا بأربعة أمور، فمن يأتي بها سهلا جدًا. نعم يا بزبير: الصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله. ما الدليل على هذا؟ أحسنت: آخر آية من سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. آكذا؟ آه. ماذا ذكر رحمه الله تعالى؟ آكذا ذكر رحمه الله تعالى أولًا: الصبر، ثانيًا: المصابرة. والمصابرة أبلغ من مجرد الصبر؛ مصابرة: هناك عدو، هناك شيء أنت تصابره. ثم بعد ذلك المرابطة، يعني البقاء للحراسة وهكذا للحماية على تلكم الثغور لألا يدخل منها العدو. وذكر رحمه الله تعالى عدة ثغرات موجودة في الإنسان: ذكر ثغر العين، وهكذا ثغر الأذن، وهكذا ذكر من هذه الثغور: اللسان، والبطن، واليد، والرجل. وذكر رحمه الله تعالى قائلًا: «فهذه الثغور منها يدخل العدو فيجوس خلال الديار، ويتبر ما قدر عليه تتبيرًا، تتبيرًا». وذكر رحمه الله تعالى أن المرابطة لزوم هذه الثغور ولا يخلي مكانها، فعندها يصادف العدو الثغر خاليًا فيدخل منه، فيدخل منه. فهذه يا إخوان معارك شديدة وعظيمة تدور في أجسامنا بيننا وبين أعدائنا من الشياطين. وذكر رحمه الله تعالى: ذكر ماذا؟ طريقة الشيطان في غزو القلب، كيف يستطيع أن يصل إلى القلب وأن يدخل إلى مركز إصدار الأوامر وانبعاث التعليمات إلى بقية أعضاء الجسد. إذا وصل العدو إلى الملك هنا يسيطر على المملكة. إذا وصل العدو إلى الملك، ومن الملك هنا؟ نعم: القلب. إذا وصل الشيطان إلى القلب فعندها تكاد المملكة أن تسقط في يده، عندها الأوامر التي تخرج من القلب هي أوامر الشيطان، هي أوامر الشيطان؛ لأنه قد سيطر، وهكذا تحكم في هذا الملك، في هذا الملك. وهكذا ذكر رحمه الله تعالى ذكر أول مداخل الشيطان على هذا الإنسان من خلال السيطرة كذلك أيضًا على هذه النفس، على هذه النفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. وإذا سيطر الشيطان على هذه النفس فعندها سيفسدها وسيتغلب عليها. ثم تطرق رحمه الله تعالى إلى كيفية إفساد الشيطان لثغر آخر، ألا وهو ثغر العين: كيف يستطيع الشيطان أن يستولي وأن يسيطر على هذا المدخل الخطير؟ قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم يصف لنا هذه المعركة الكبيرة، ويصف لنا حال الشياطين: كيف الشيطان يدخل، وبماذا يأمر جنوده وأتباعه؟ صور ومثل هذه المعركة بهذا التصوير الدقيق، بهذا التصوير الدقيق. قال رحمه الله تعالى: قال: «فإذا استوليتم على هذه الثغور» - يحكي عن الشيطان - «فامنعوا ثغر العين أن يكون نظره اعتبارًا، بل اجعلوا نظره تفرجًا واستحسانًا وتلهيًا وتلهيًا». لماذا يا إخوان؟ لأنه لو كان النظر نظر اعتبار فهنا سيستفيد القلب، ويمد القلب بهذه الأسلحة القوية التي يستطيع القلب أن يدافع بها. لكن اجعلوا النظر ليس للاعتبار، وإنما تفرجًا وفصحة وهكذا لهوًا. قال: «فإن استرق نظرة عبرة فأفسدوها عليه بنظر الغفلة والاستحسان والشهوة، قال: فإنه أقرب إليه وأعلق بنفسه وأخف عليه. قال: ودونكم ثغر العين» - أي انتبه له - «قال: ودونكم ثغر العين، فإن منه تنالون بغيتكم» - أي مقصودكم والهدف الذي تطلبونه - «قال: فإن منه تنالون بغيتكم، فإني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر». الشيطان يقول لأتباعه: يقول: «فإني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر، النظر. فإني أبذر به في القلب بذر الشهوة». من خلال النظر يا إخوان أستطيع أن أصل إلى القلب، فأبذر فيه هذه البذور الفاسدة: بذر الشهوة. «ثم أسقيه بماء الأمنية، يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا». قال: «ثم لا أزال أعده أو أعده وأمنيه حتى أقوي عزيمته، وأقوده بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة، إلى الانخلاع من العصمة. قال: فلا تهملوا أمر هذا الثغر، وأفسدوه بحسب استطاعتكم، وهونوا عليه أمره، وهونوا عليه أمره، وقولوا له: ما مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق والتأمل لبديع صنعته، وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر عليه؟ وما خلق الله لك العينين سدى؟ ومعنى سدى: أي هملا بلا فائدة ولا مقصد. سدى. وما خلق هذه الصورة إلا لتنظر إليها، ما خلقها ليحجبها عنك». وهكذا يا إخوان يملي عليه ويعده، وما يعدهم الشيطان إلا إلا غرورًا. وتذكروا دائمًا وأبدًا: كيف استطاع الشيطان أن يصل إلى أبينا آدم بهذه الحيل؟ ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. تذكروا أول المعارك التي خاضها الشيطان مع هذا الإنسان، بدءًا بأبينا آدم عليه الصلاة والسلام، وكيف استطاع الشيطان أن يجعل أبانا آدم يأكل وزوجه من هذه الشجرة، فكان من عقوبة ذلك ما مر معنا من الخروج من الجنة والنزول إلى الأرض، إلى غير ذلك مما سبق. فهي معارك متواصلة ومستمرة، ومستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال رحمه الله تعالى: قال: «وإن ظفرتم» - أي فزتم وتحصلتم - «قال: وإن ظفرتم به قليل العلم، فاسد العقل». وهذه المصيبة يا إخوان: لا علم ولا عقل. إذا كان حال الإنسان كذلك تلاعبت به الشياطين. قال: «وإن ظفرتم به» - أي بذلكم الإنسان - «قليل العلم». ومن أصعب ما يكون على الإنسان إذا كان متسلحًا بسلاح العلم، فسرعان ما يصرع به الشياطين. وإذا فقد العلم كان ذلك من أسهل ما يكون على الشيطان فيصرعه سريعًا. لهذا يا إخوان من أعظم الأبواب التي يحاول الشيطان أن يغلقها على الإنسان هو باب العلم، هو باب العلم؛ فيزهده عن العلم والتعليم، ويجعله ثقيلًا عليه شاقًا عليه. وهذا كله لكي يبقى ضعيفًا هزيلًا. قال: «وإن ظفرتم به قليل العلم فاسد العقل، فقولوا: هذه الصورة مظهر من مظاهر الحق، ومجلا من مجاليه، من مجاليه. فادعوه إلى الحلول والاتحاد، فإن لم يقبل فالقول بالحلول العام والخاص، ولا تقنع منه بدون ذلك، فإنه يصير به من إخواني النصارى، من إخواني النصارى. فمروه حينئذ بالعفة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا، واستعدوا عليه الجهال. فهذا من أقرب خلفائي وأكبر جندي، بل أنا من جنده وأعوانه». ودققوا النظر في هذا الكلام العظيم: كيف الشيطان يوجه أعوانه إلى غزو هذا الإنسان؟ يقول: ماذا إذا كان قليل العلم فاسد العقل؟ فكيف يكون الدخول عليه؟ قل له: هذه الصورة مظهر من مظاهر الحق، ومجلا من مجاله، أي: مجالًا من مجاله. قال: «فادعوه إلى الحلول والاتحاد». والحلول والاتحاد: هاتان عقيدتان كفريتان، ويظهر لنا جليًا أنهما كفر صريح، وذلك من خلال معرفة معناهما. فعندنا أولًا: الحلول. ما معنى عقيدة الحلول؟ عقيدة الحلول يا إخوان معناها: أن الله يحل في بعض مخلوقاته، يحل ربنا عز وجل في بعض مخلوقاته، ويتحد معها. وهذا كاعتقاد النصارى أن المسيح عيسى بن مريم هو الله. لاحظوا كيف عبد المسيح: أن الله عز وجل ماذا؟ حال فيه، وأن الروح التي في عيسى هي روح الله، فعبد المسيح. وهكذا كاعتقاد غلاتي الصوفية أن الله تبارك وتعالى يحل في بعض مشايخهم، في بعض مشايخهم. فهذه عقيدة كفرية، عبارة عن زندقة وخروج من دين الإسلام من أوسع الأبواب. وهكذا قل في عقيدة الاتحاد. عقيدة الاتحاد وعقيدة الاتحاد قالوا: معناها أن عين المخلوقات هي عين الخالق تبارك وتعالى. وهذا يسمونه بيئة الاتحاد العام. وهذا الذي كان ولا زال يدندن حوله كبار الملاحدة كابن عربي النكرة في كتابه المعروف «فصوص» أو «نصوص الحكم»، وهكذا أمثاله كابن سبعين، والحلاج، وابن الفارض، وأتباعهم الذين هم على مذهبهم، الذي هم عليه يعتقدون أن الوجود واحد، الخالق والمخلوق عبارة عن شيء واحد، ويسمونه بأهل وحدة الوجود، بأهل وحدة الوجود، ويدعون التحقيق والعرفان. فهم يجعلون وجود الخالق هو عين وجود المخلوقات، ويسمونه... فكل... كل ما يتصف به المخلوقات من مدح وذم، وحسن وقبح، إنما المتصف به عندهم هو الخالق تبارك وتعالى. فالخالق والمخلوق عندهم شيء واحد، عندهم عبارة عن شيء واحد، وليس للخالق عندهم وجود مباين ومخالف لوجود هذه المخلوقات أو منفصل عنها أصلًا. فعندهم... عندهم من عباراتهم يقولون: «ليس إلا الله»، ليس إلا الله. وعبارة أخرى بعضهم يقول: «ليس في الوجود إلا الله»، ليس في الوجود إلا إلا الله. فعندهم: عباد الأصنام، عباد الأصنام هؤلاء لم يعبدوا غير الله عز وجل، لم يعبدوا غير الله عز وجل. فعندهم على عقيدتهم الفاسدة أن عابد الصنم إنما هو عابد لله تبارك وتعالى. ولهذا جعلوا قوله عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ بمعنى: قدر ربك ألا تعبدوا إلا إياه. فليس عندهم غير لله عز وجل تتصور عبادته. الذين عبدوا العجل عندهم مصيبون، وأنهم محقون في ذلك؛ لأنهم عبدوا... عبدوا الله عز وجل عندهم. فرعون لما دعا الناس إلى ربوبيته قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. فعندهم فرعون من كبار العارفين والمحققين، وأنه كان مصيبًا في هذه الدعوة؛ لأنه حين أن دعاهم لعبادته فقد دعاهم إلى عبادة الله عز وجل. ولهذا يقولون: فرعون مات مؤمنًا، وليس مذنبًا، وليس مذنبًا... إلى آخر ما يذكر عن هذه العقيدة الفاسدة الضالة الكفرية التي هي عقيدة الحلول والاتحاد. الحلول: أن الله يحل في بعض المخلوقات. والاتحاد: أن عين الخالق هي عين المخلوق. ولهذا الحلاج وغيره إذا سمع أحدهم نباح الكلاب أو نهيق الحمير قال: «لبيك يا أرحم الراحمين، لبيك يا أرحم الراحمين». انظروا أي عقيدة وصل إليها هؤلاء الملاحدة، وهكذا من تبعهم على ذلك. وقد حقق القول في بيان فساد هذه المعتقدات الباطلة أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهكذا تلميذه المصنف شيخ الإسلام ابن القيم، وهكذا غيرهما من أئمة الإسلام وعلماء التوحيد والسنة، علماء التوحيد والسنة. فإذا استطاع الشياطين أن يقنعوا هؤلاء الناس بعقيدة الحلول والاتحاد، فعندها يصير به من إخوان النصارى، النصارى الذين عبدوا عيسى واعتقدوا فيه أنه... أنه الله، أنه... أنه الله. ركز: إذا اعتقد هذه العقيدة، انظروا الشيطان يأمرهم أن يأمروه بماذا؟ قال: «فمروه حينئذ بالعفة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا». هذا الذي يعتقد هذه العقيدة الفاسدة، اجعلوا مظهره مظهر رجل صالح وشيخ عابد زاهد. لماذا؟ قال: «واصطادوا عليه الجهال». هذا الذي سيأتي لكم بالناس، ونستطيع أن نصطاد الناس به، الناس به. قال: «فهذا من أقرب خلفائي وأكبر جندي، بل أنا...» انظروا إلى تواضع الشيطان معه: «بل أنا من جنده وأعوانه». لأنه سيصبح شيطانًا كبيرًا من شياطيني الإنس، يستخدم السحر والشعوذة، ويدعو الناس إلى هذه العقائد الباطلة، إلى هذه العقائد الباطلة. عندها سيعتقد هو، ويعتقد الناس فيه أنه وصل إلى مرتبة اليقين، وعندها ماذا؟ تسقط عنه التكاليف، ويفعل من المحرمات ما يفعل، ما يفعل. قال رحمه الله تعالى: «فصل: ثم قوموا على ثغر الأذن». انتهى من العين، سينتقل إلى الأذن. قال: «ثم قوموا على ثغر الأذن، فامنعوا أن يدخل منه إلى القلب ما يفسد عليكم الأمر. فاجتهدوا أن لا تدخلوا منه إلى القلب إلا الباطل، إلا الباطل. قال: فإنه خفيف على النفس، تستحليه وتستملحه. وخيروا له أعذب الألفاظ، وأعذب الأصوات، وأطيب النغمات، وأسحرها للأسماع والألباب. وامزجوه - أي أخلطوه - بما تهوى النفوس مزجًا، وألقوا الكلمة. فإن رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه بأخواتها، فزجوه بأخواتها. إذا قبل الأولى فإنها ستتبعها أخواتها. قال: وكلما صادفتم منه استحسانًا شيئًا إليها فالهجوا له بذكره». فالهجوا: ومعنى فالهجوا أي: من ماذا؟ من لهجا بالشيء إذا أولع به وثابر عليه وداوم، وداوم، فيكون لهجا: أي مكثرًا من ذكره. قال: «وحببوا إليه الأنغام والأصوات، فإنها حظ الآذان، لا يختلط بالقلوب منها شيء، منها شيء». قال رحمه الله تعالى: قال: «وإياكم أن يدخل من هذا الثغر ما يفسده عليكم من كلام الله، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، أو كلام نصحًا. فإن غلبتم على ذلك... إن غلبتم على ذلك» - يعني: دخل إلى قلبه شيء من كلام الله، أو كلام رسوله، أو من كلام الناصحين - «قال: ودخل من ذلك شيء، قال: فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكر فيه والعظة به. قال: إما بإدخال ضده عليه، وإما بتهويل ذلك وتعظيمه، وأن هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه، فلا سبيل لها إليه، وهو حمل ثقيل عليها لا تستقل به، ونحو ذلك» - أي من الأمور التي من خلالها يجعلون هذا الحق وحمله والوصول إليه والعمل به هو من أصعب ما يكون على النفوس. «قال: وإما بإرخاصه على النفوس» - أي يجعلون الدين والعلم والسنة والتوحيد هذا شيء رخيص جدًا - «قال: وإما بإرخاصه على النفوس، أو الاشتغال... أو أن الانشغال ينبغي أن يكون... ينبغي أن يكون أهم بما هو أعلى عند الناس وأعز عليهم وأغرب عندهم. وزبونه القابلون له أكثر». زبونه: هذه كلمة نستخدمها كثيرًا، يقول: هذا زبون عندي. والزبون يا إخوان يطلق على المتردد باستمرار على تاجر من التجار لكي يشتري منه، لكي يشتري منه ما يحتاجه من مواد. يقال: فلان زبون عند فلان، أي: كثيرًا ما يتردد عليه لكي يشتري منه. فتجد أن هذا التاجر يحافظ على زبائنه بماذا؟ بإنقاص الأسعار لهم، وهكذا بالمعاملة الحسنة معهم. قال رحمه الله تعالى: قال: «وأما الحق فهو مهجور، وقابله... وقابله معرض نفسه للعداوة، والرائج بين الناس أولى بالإيثار، الذي الناس ترتاحوا إليه وهو الباطل. هذا أولى بالإيثار» - أي أن يقدم على غيره - «قال: ونحو ذلك. قال: فيدخلون الباطل عليه في كل قالب يقبله ويخف عليه، ويخرجون له الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه، ويثقل عليه». قال: «وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالبي كثرة الفضول، وتتبع عثرات الناس، والتعرض من البلاء لما لا يطيق، وإلقاء الفتن بين الناس، ونحو ذلك. كما يقول بعضهم لبعض: من يأمر وينهى؟ أي شيء عليك منه؟ أو أنت تدخل قبره؟». إذا جاء شخص ينصح أو يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، يقال له: «وما دخلك أنت؟ قل حالك، حال نفسك أنت، ما ستدخل معه قبره، وذنبه على على جنبه». إلى غير ذلك من العبارات التي يزهدون من خلالها في النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. «وأيما أعلم أنت أو فلان؟ أنت أو فلان؟ شوف فلان ساكت، لماذا تتكلم أنت؟». ويخرجون أتباع السنة، ويخرجون أتباع السنة، ووصف الرب تعالى بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، في قالب التشبيه، التشبيه والتجسيم والتكيف. وسبق وأن أشرنا إلى رسالة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «الأصول الستة»، التي هي فيها بيان لمداخل الشيطان وقلبه للحقائق، فيجعل الباطل في صورة الحق، ويجعل الحق في صورة الباطل، في صورة الباطل. فهي رسالة نافعة في هذا الباب، عظيمة في بابها. طيب، الحديث له تتمة حول هذا الفصل وما بعده من الفصول في هذه المعارك التي لا تزال مستمرة بين الإنسان وبين أعدائه من شياطين الإنس والجان، التي تجعلنا يقظين وحذرين ومتنبهين لمداخل هؤلاء الشياطين، كي لا يصلوا إلى قلوبنا، ويدخلوا من ثغورنا، فيصيبنا ما يصيبنا من الضرر والهلاك، إلى غير ذلك. يأتي معنا الكلام عنه إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. ووفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة، للمشاهدة.