التعليقات على كتاب الأدب المفرد 89

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 89، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية أدب الصغير مع الكبير

يتناول شرح حديث عن أدب الصغير مع الكبير في الكلام، ويبرز أهمية تأدب الصغير وعدم سبقه للكبار في الكلام خاصة في المسائل العظيمة. يُظهر المقطع كيف سأل النبي أصحابه عن شجرة مثلها مثل المسلم.

تشبيه المسلم بالنخلة وفضلها

يشرح حديثا نبويا يشبه فيه الرسول المسلم بالنخلة لكثرة خيرها، ويبين فوائد طرح الأسئلة في التعليم وتأثيرها على تنشيط عقل السامع. كما يذكر استخدام النبي لأسلوب ضرب الأمثال.

توقير الكبار وفرح الآباء بخير أبنائهم

يُناقش أهمية توقير الكبار واحترامهم، وضرورة فرح الآباء عندما يوفق أبناؤهم في أمور الخير. يحذر من تثبيط همم الأبناء عن طلب العلم والخير.

وصية قيس بن عاصم عند وفاته وتاريخها

يروي قصة وصية قيس بن عاصم عند وفاته بأن يدفن في أرض بعيدة عن قبيلته بسبب الخلافات في الجاهلية. كان قيس بن عاصم صحابي جليل.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، قال باب: إذا لم يتكلم الكبير هل للأصغر أن يتكلم؟ قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن السعيد، عن عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، لا تحت ورقها»، قال: فوقع في نفسي النخلة، فكرهت أن أتكلم، وثم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما -يعني أبو بكر وعمر ممن هو موجود في القوم-، قال: فلما لم يتكلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة»، فلما خرجت مع أبي، قلت: يا أبتي، وقع في نفسي أنها النخلة، قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها، كان أحب إلي من كذا وكذا، قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، فكرهت. والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري رحمه الله، وهكذا أيضا في صحيح مسلم. وأبوّب عليه الإمام البخاري رحمه الله باب: إذا لم يتكلم الكبير هل للأصغر أن يتكلم؟ يعني: إذا كان في المجلس من هو كبير السن، ومن كان كذلك صغيرا، فهل للصغير هذا أن يتكلم إذا لم يتكلم الكبير؟ وهذا في حالة عدم كلام الكبير، وإلا في الأصل أن الذي يبدأ بالكلام هو الكبير، الذي يبدأ بالكلام هو الكبير، كما مر معنا في حديث رافع بن خديج، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كبر الكبرى»، يعني: يتكلم الأكبر فالأكبر هو الذي يبدأ بالكلام في المجلس، فإذا لم يتكلم أو أذن الكبير للصغير أن يتكلم، فإنه يتكلم، فإنه يتكلم. وهكذا أيضا في الأمور العظيمة، إذا كان في مجلس ينبغي للصغير أن يتأدب وأن يسكت، ولا يسبق الكبار، فكيف بالمسائل العظيمة والأمور التي تحدث من فتن وغيرها؟ فكذلك ينبغي للصغير أن لا يتقدم الكبار، وأن لا يسبق الكبار، وخاصة أنهم قد تكلموا، وأنهم كذلك يتكلمون، فينبغي لمن دونهم أن يسكت، وأن يعرف قدر نفسه. والشاهد من الحديث هو أن النبي عليه الصلاة والسلام سألهم، فقال: «أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم»، قال: فوقع في نفسي النخلة. وجاء في بعض الروايات، قال ابن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي -يعني كل واحد يقول الشجرة الفلانية-، قال: وقع في نفسي أنها النخلة، ثم لم يتكلم؛ لأن أبا بكر وعمر لم يتكلما، وهما من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهما. ولهذا قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، فكرهت أن أتكلم وأنتما لم تتكلما. وهذا هو الشاهد من هذا الحديث، أنه لا ينبغي للصغير أن يسبق الكبار، فإذا لم يتكلم فهل لهذا الصغير أن يتكلم؟ يعني: في هذا المجلس في الكلام على مسائل أو نحو ذلك؟ وظاهر هذه الترجمة وجوابها في هذا الحديث أنه يتكلم، لهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: ما منعك أن تقولها؟ يعني: ما منعك أن تتكلم وتقول: هي النخلة؟ فدل ذلك على أنه إن لم يتكلم الكبار، فلا بأس إذا كان عند هذا الصغير الجواب وعنده علم ومعرفة، فإنه يتكلم. قال: لو كنت قلتها، كان أحب إلي من كذا وكذا. وهذا الحديث فيه أن من التعليم أو من التعليم طرح المعلم السؤال، طرح المعلم السؤال على تلاميذه؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا سأل: «أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، لا تحت ورقها»، يعني: لا تسقط أوراقها. فهذا طرح للسؤال، ومن فوائده أن السامع يحرك عقله وفكره، وينشط عقله في البحث عن هذا الجواب، في البحث عن هذا الجواب. وكذلك أيضا يجعل المسؤول منتبه السامع، إذا سمع مثل هذا السؤال إذا طرح، فإنه ينتبه ويكون قابلا للجواب، ويكون ماذا؟ منتظر للجواب، فيكون أنفع له أو وقع له في نفسه. وكان النبي عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يستعمل هذا الأسلوب في التعليم بطرح السؤال. وهكذا أيضا فيه كذلك فضيلة المسلم، وأن مثله مثل النخلة، وذلك في كثرة خيرها، في كثرة خيرها؛ فالنخلة كثيرة الخير. قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر في صحيح الجامع، قال: «مثل المؤمن مثل النخلة، إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا». وفي حديث ابن عمر، قال: «مثل المؤمن مثل النخلة، ما أخذت منها فإنه ينفعك». وهذا حال المؤمن شبه بالنخلة؛ لأنها كثيرة الخير، يستفاد من ثمرها منذ أن يطيب، أو هكذا أيضا أن يزهر، فيؤكل بسرا، ثم رطبا، ثم تمرا. وهكذا ينتفع من شجرها، فتوأخذ منه الأغصان والعصي، وهكذا أيضا الحطب، ويستفاد من أوراقها الحصر وغير ذلك. وهكذا أيضا من نواتها على الدواب، فكلها خير ومنفعة. وهكذا المؤمن والمسلم، فإنه كثير الخير، ولهذا شبه بالنخلة. وقيل: إن المسلم شبه بالنخلة؛ لأن النخلة إذا قطع رأسها ماتت. صح عند أصحاب النخل من عندك خبرة بالنخل، إذا قطع رأسها فإنها تموت، وهذا ليس في شجر غيرها، سائر الأشجار إذا قطعت من أعلى فإنها تنمو. وأما النخلة إذا قطع رأسها فإنها تموت، فكان حالها كحال المسلم إذا قطع رأسه فإنه يموت. وهذا قول ضعيف، وهذا قول ضعيف. وقيل كذلك: شبهت النخلة بالمؤمن؛ لأنها لا تحمل حتى تلقح. وهذا أيضا قول مرجوح. والصحيح هو ما ذكر: أن تشبيه المسلم بالنخلة لكثرة خيرها. وهكذا أيضا المسلم لكثرة خيره، فكله منفعة وخير، فلهذا شبه بالنخلة. وهكذا أيضا في هذا الحديث ضرب الأمثال والأشباه، ضرب الأمثال والأشباه. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يضرب الأمثال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجناذب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها»، «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث»، إلى آخر ذلك من الأحاديث الكثيرة يضرب الأمثال؛ لأنها تقرب الفهم للسامع، تقرب الفهم للسامع. وهكذا في القرآن تجد كثيرا من الأمثال الذي ضربها الله سبحانه وتعالى في كتابه، كقوله جل وعلا: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾، وقوله: ﴿إن مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء﴾، ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت﴾، وهكذا آيات كثيرة يضرب الله سبحانه وتعالى فيها الأمثال؛ لأنها تقرب الفهم، ويعقلها أولوا العقول السليمة. وهذا قال الله جل وعلا: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾. فضرب الأمثال والأشباه فيه تقريب للمعنى وتفهيم للسامع. وهكذا أيضا كذلك فيه التوقير الكبار، توقير الكبار؛ حكما سمعنا ابن عمر لم يتكلم توقيرا لأبي بكر وعمر. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم عنده احترام وتوقير الكبار، سواء كانوا كبار السن، وهكذا أيضا كبار العلم، كبار العلم. فإذا كان في مجلس، فإنه لا يتقدم الكبار، لا يتقدم الكبار في الكلام. وهكذا أيضا فيه كذلك سرور الإنسان بما أوتي ولده من الفهم، بما أوتي ولده من الفهم والذكاء؛ فعمر رضي الله عنه لما أخبره ابن عمر أنه وقع في نفسي أنها النخلة، وكان هذا هو الجواب الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام، فرح بذلك، وقال: لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا -يعني لو تكلمت وذكرت هذا الجواب لكان هذا أحب إلي من كذا وكذا من أمور أخرى من أمور الدنيا-. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم أن يفرح إذا وفق الله جل وعلا ولده للخير، لحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى أو لحفظ أحاديث من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، يفرح لذلك ويشجعه، ويكون عنده كذلك محبة لهذا الخير الذي وفق له، ولا يكون كحال بعض الآباء، ربما إذا وفق الابن والولد لهذا الخير من حفظ كتاب الله أو حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما ثبطه عن ذلك، وقال: إيش تريد بهؤلاء المطاوعة؟ هؤلاء سيضيعون مستقبلك، روح اشتغل وعمل ودخل المال، إيش بنفعك وأنت جالس في المسجد تحفظ؟ وهكذا يثبط ولده، ولا يفرح بما أوتي من خير، وربما إذا كان في لعب ولهو فرح بذلك، لو أن ولده يلعب الكرة، قالوا: فلان ما شاء الله ولدك جاء هدف، ما شاء الله يفرح ابنه هداف بداخل قواعد اللعب، لكن في أمر الدين لا يفرح، وفي اللعب واللهو يفرح بذلك. وهذا من الحرمان والخذلان أن يكون هذا حال الأب مع ولده، ومن الضياع والله المستعان. قال رحمه الله: قال باب: تسويد الأكابر، قال: حدثنا عمر بن مرزوق، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت مطرفا، عن حكيم بن قيس بن عاصم، أن أباه أوصى عند موته بنيه، فقال: اتقوا الله، وسودوا أكبركم؛ فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سودوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم. وعليكم بالمال واصطناعه؛ فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم. وإياكم ومسألة الناس؛ فإنها من آخر كسب الرجل. وإذا مت فلا تنوح؛ فإنه لم ينح على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا مت فادفنوني بأرض لا يشعر بدفني بكر بن وائل، ووحي من الأحياء؛ فإني كنت أغافلهم في الجاهلية، وأراد أن لا يخبروا؛ لأنه كان بينه وبينهم في الجاهلية جراحات وجنايات، فخاف إن علموا أن يصيبوا أولاده بسوء. وقيس بن عاصم صحابي جليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الأثر حسنه إعلام الألباني رحمه الله. ولعل الكلام يطول، نتركه إن شاء الله في درس قادم. الله تعالى أعلم.