الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 121، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الحديث النبوي "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" ومعناه العفو عن أهل الخير عند وقوعهم في زلل. يبين أن هذا العفو لا يسري على الحدود التي يجب إقامتها.
يشرح عدم جواز الشفاعة في حدود الله تعالى، ويبين أهمية تطبيق الحدود دون استثناء مع الرفق في التعامل. يناقش تأثير الجهل على الأمور.
يتحدث عن أهمية الحياء في التعامل مع الآخرين، ويستدل بحديث عن النبي يصف حيائه وأسلوبه في إنكار المنكر. يوضح أن الحياء من الأخلاق الطيبة.
يشرح أن الحياء نوعان: مكتسب وطبيعي، وكان النبي يجمع بينهما. ينبغي للمسلم أن يحرص على التحلي بالحياء من الله ومن خلقه.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثني أبو بكر بن نافع، واسمه أبو بكر مولى زيد بن الخطاب، قال: سمعت محمد بن أبي بكر بن عمر بن حزم، قالت عائشة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم». هذا الحديث صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، ورواه كذلك الإمام أبو داود رحمه الله في سننه، وفيه في آخره: «إلا الحدود أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود». وذوي الهيئات أي أهل المرؤة والصلاح، ومن لم يعرف منهم الشر، وعثراتهم أي ما يقع منهم من خطأ وزلل يوجب التعزير. ومعنى «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» يعني إذا وقع من كان معروفا بالخير والصلاح في شيء مما يوجب التعزير، فإنه لا بأس أن يعفى عنهم، وأن يسامحوا فيما صدر منهم، ما دام أنهم لا يعرف منهم فعل الشر والاستمرار في الشر أو التظاهر به. وهذا الخطاب هو لمن كان ذا مسؤولية، للأمراء ومن كان في منزلتهم ممن يوليهم الحاكم في إقامة الحدود ونحو ذلك. فإذا وقع من هؤلاء الصالحين زلل وأخطأ، فإنه لا بأس أن يعفى عنه وأن يسامح إذا كان ما وقع فيه مما ليس يوجب الحد، وإنما يوجب فقط التأديب والتعزير. أما إذا وقع فيما يوجب الحد، فإن الحد لا يسقط عن أحد مهما عظمت منزلته إذا بلغ الحاكم، فإنه لا يجوز حينئذ الشفاعة في حد من حدود الله. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا الحدود»، يعني إلا الحدود فلا إقالة فيها، الحدود ليس فيها إقالة إذا بلغت السلطان، فيجب إقامتها. ولهذا في الصحيحين لما سرقت تلك المرأة المخزومية وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام وأمر بقطع يدها، أرادوا أن يشفعوا لها فكلموا أسامة بن زيد حتى يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أتشفع في حد من حدود الله؟» غضب النبي عليه الصلاة والسلام ثم قام خطيبا في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ويلكم لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ومعنى ذلك أنه لا يجوز لأحد أن يشفع في حد من حدود الله، ومن اتهم بما يوجب الحد وبلغ ذلك السلطان، فيجب إقامته، يجب إقامة هذا الحد. قال رحمه الله: حدثنا الغداني قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله، قال: حدثنا كثير بن أبي كثير، قال: حدثنا ثابت والبناني عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يكون الخرق في شيء إلا شانه، وإن الله رفيق يحب الرفق». الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وهو في سنن الترمذي وابن ماجه. ومعنى الخرق يعني الجهل، لا يكون الخرق في شيء إلا شانه، يعني لا يكون الجهل والسفه في شيء في أمر من الأمور إلا شانه، يعني كان سببا في ضعف هذا الأمر وفي شينه وعيبه. وإن الله رفيق يحب الرفق، الله سبحانه وتعالى اتصف بالرفق، وهكذا أيضا سمى نفسه رفيقا، وهو جل وعلا يحب الرفق. والجهل مما ينافي الرفق، فلهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الجهل لا يكون في شيء إلا شانه. لا يكون تعامل المسلم مع غيره في شيء فيه جهالة وفيه سوء أدب وسفه وقلة حياء إلا وكان سببا في فشل هذا الأمر وفي شينه وعيبه. وهذا شيء ملموس في تعامل الإنسان مع الآخرين، أو كذلك أيضا حتى في باب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإنك إذا أنكرت على غيرك بشيء من الشدة والقسوة لربما كانت النتيجة عكسية، ربما تنكر على شخص منكر يفعله بشدة وقسوة فما تجد منه إلا العناد، ما تجد منه إلا المعاندة؛ لأنك أتيت له بشدة ولم تأت له برفق. وإذا كان مع هذه الشدة سفه وسب وشتم، هذا أولى وأولى أن يرد ما تقول، فيكون بهذا الخلق سببا في بقاء هذا المنكر، بل ربما في زيادة هذا المنكر. قال: حدثنا عمر بن مرزوق، قال: أخبرنا شعبة عن قتادة، قال: سمعت عبد الله بن أبي عتبة، وهو مولى أنس، يحدث عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. الحديث صحيح، في الصحيحين. انظروا إلى هذا الوصف الذي يصف به أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، قال: كان رسول الله أشد حياء من العذراء في خدرها. العذراء المراد بها البكر، وقيل لها عذراء لأن عذرتها باقية، يعني جلدة البكارة. وخدرها هو الستر الذي يجعل للبكر في جنب البيت، وكان هذا من عادة العرب. فكان النبي عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء التي تستحي وتخجل وهي في سترها، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أشد من ذلك حياء. ومع ذلك فكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه، إذا كره النبي عليه الصلاة والسلام شيئا عرف ذلك في وجهه من تغير ملامح وجهه، فيعرف أنه كره هذا الشيء. فكان هذا من خلق النبي عليه الصلاة والسلام أنه يستحي، وأنه عليه الصلاة والسلام ذو حياء. وهذا الحياء من الأخلاق الطيبة والصفات الحميدة ما لم ينتهي بصاحبه إلى الضعف والخور. ما لم ينتهي بصاحبه إلى الضعف والخور، فإن انتهى به إلى الضعف فإنه حينئذ لا يكون محمودا، بل يكون مذموما. والحياء منه ما هو مكتسب، ومنه ما هو غير مكتسب، يعني مما يطبع عليه الإنسان. والنبي عليه الصلاة والسلام قد جمع له الأمران، كان حياءه عليه الصلاة والسلام طبعا ومكتسبا. ولهذا فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الخلق، أن يكون حييا، عنده حياء من الله سبحانه وتعالى، وحياء من خلقه. والله تعالى أعلم.