الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشمل حفظ الله العام تيسير الأرزاق من طعام وشراب وهواء، وهداية الخلق إلى مصالحهم ودفع المكاره عنهم. وهذا الحفظ يعم البر والفاجر والحيوانات على حد سواء.
يوجد حفظ عام لكل إنسان بتوكيل ملائكة تحميه بأمر الله، وحفظ خاص للمؤمنين يصون إيمانهم من الشبهات والشهوات. كما ينصرهم الله على أعدائهم من الجن والإنس ويدفع كيدهم.
الإيمان القوي والمداومة على الأذكار تحصن المسلم من تسلط الجن والوساوس، فيوكل الله ملائكة لحفظه. وكلما قوي إيمان العبد قوي حفظ الله له في نفسه ودينه وماله وولده.
يختم الدرس بتأكيد دلالة اسمي الله الحفيظ والحافظ على الحفظ العام والخاص لأهل الإيمان والتقوى. ويختتم بالصلاة على النبي والشكر للمشاهدة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: اسم الله الحفيظ والحافظ. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. قال: وهذان الاسمان العظيمان دالان على أن الله سبحانه موصوف بالحفظ، وحفظه تعالى لعباده نوعان: عام وخاص. فالعام: حفظه لهم بتيسيره لهم الطعام والشراب. تيسير الطعام هذا من حفظ الله لهذا الإنسان، لأنه إذا لم يجد ما يأكله هلك ومات. وأكد الشراب: لو لم يجد الماء الذي يشربه لمات عطشاً. فتيسير الطعام والشراب من حفظ الله سبحانه وتعالى للإنسان. قال: والهواء أيضاً، وجود هذا الهواء الذي يتنفس به الإنسان، لولا حفظ الله عز وجل لهذا الإنسان بوجود هذا الهواء وحفظ هذا الهواء له، وإلا قد يموت خنقاً. لو تلوث هذا الهواء وأصبح غير صالح للاستنشاق سيموت، أو إذا اختنق وامتنع، منع من استنشاق هذا الهواء، أصبح عنده انسداد مثلاً في مجرى التنفس، يموت، ماذا؟ مخنوقاً، أو منع من استنشاق هذا الهواء أيضاً. فحفظ هذا الهواء للإنسان هذا من حفظ الله سبحانه وتعالى. قال: وهدايتهم إلى مصالحهم، وإلى ما قدر لهم وقضى لهم من ضرورات وحاجات. وهذه أيضاً من الحفظ العام، أن الله عز وجل حفظ الإنسان وهداه إلى مصالحه التي يحتاج لها في هذه الدنيا في حياته وفي معاشه وفي سائر أموره. قال: وهي الهداية العامة التي قال عنها سبحانه: ﴿ الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾. قال: وحفظهم بدفع أصناف المكاره والمضار والشرور عنهم. هذا أيضاً من حفظ الله جل وعلا للإنسان، أن يدفع عنه ما يضره، وكذلك المكاره والأشياء التي يكرهها ويبغضها، ودفع الشرور عنه والمصائب، يعني من أسباب الموت وأسباب الهلاك. هذا كله من حفظ الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان. قد ينجو من حادث، ينجو من مصيبة، ينجو من كارثة، هذا من حفظ الله جل وعلا العام. قالوا: هذا الحفظ يشترك فيه البر والفاجر، يعني ليس خاصاً بأهل الإيمان وأهل البر، بل هو لأهل البر، لأهل الفجور، لأهل الإيمان، لأهل الكفر. هذا حفظ الله سبحانه وتعالى العام لسائر الخلق. قال: بل الحيوانات وغيرها، أي كذلك لها نصيب من هذا الحفظ. يحفظ الله عز وجل هذا الحيوان، يسل له طعامه، يسل له شرابه، يدفع عنه أسباب الشر وأسباب الضرر. كل هذا من حفظ الله سبحانه وتعالى. قال: وقد وكل، وقد وكل ببني آدم ملائكة يحفظونهم بأمر الله، كما قال سبحانه: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾. أي يدفعون عنه بأمر الله كل ما يضره مما هو بصدد أن يضره، لولا حفظ الله. أي لولا حفظ الله لهذا الإنسان وما وكل به من ملائكة يحفظونه، لأصابه كثير من الضرر وكثير من الشر والسوء. هذا الحفظ العام. قال: والخاص: حفظه لأوليائه، إضافة إلى ما تقدم، يعني إضافة إلى الحفظ العام، قال: بحفظ إيمانهم من الشبه المضلة والفتن الجارفة والشهوات المهلكة. وهذا أعظم ما يضر المؤمن ويفتنه عن دينه، إما شبهة وإما شهوة، إما فتنة الشبهات وإما فتنة الشهوات. فتنة الشبهات التي تضر بالعقائد وتضر باليقين والعبادات والطاعات، وفتنة الشهوات التي تضر باستقامة الإنسان وميله إلى ما حرم الله سبحانه وتعالى. فإذا عرضت هذه الفتن على الإنسان، فمن حفظ الله عز وجل للمؤمن أن يدفع عنه هذه الشبهات، فلا يتأثر بها ولا ينقاد إليها، ولا أيضاً يعني تضره في عقيدته وفي ما يعتقده من الحق والصواب. هذا من حفظ الله جل وعلا. كم من الشبه التي يبثها أعداء هذا الدين، أهل البدع والضلال، أهل الكفر والإلحاد. وهكذا أيضاً يعني دعاة الفتن، كم يبثون من شبه يضللون بها الناس ويفتنونهم في دينهم ويشككونهم في ثوابت هذا الدين، في أمر يعني البعث والنشور، وفي أمر عذاب القبر ونعيمه، في الجزاء والحساب، في أشياء كثيرة، في أشياء كثيرة. فالمسلم إذا فتح آذانه لمثل هذه الشبه قد تضر، قد تضر بعقيدته وتضر بإيمانه. فبحفظ الله عز وجل لهذا الإنسان يدفع عنه مثل هذه الشبه، فلا يتأثر بها ولا يلتفت إليها، ويصم آذانه عنها، ولا يفتح آذانه لها. وهكذا أيضاً فتن الشهوات. فتن الشهوات أيضاً، هناك من دعاة الباطل ودعاة الضلال من يزين للناس الشهوات: الزنا والفجور، شرب الخمور والمسكرات، إلى آخر ذلك من الفواحش والمنكرات. ربما قالوا للإنسان: يعني له الحرية، وله أن يمتع نفسه بما يعني من الله عليه، إلى آخر ذلك من هذا الكلام الذي يريدون من أن يفتن الإنسان في دينه وأن يقع فيما حرم الله سبحانه وتعالى. قال: ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس، فينصرهم عليهم، ويدفع عنهم كيد الأعداء ومكرهم، كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. ربما أيضاً الجن قد يريد أن يصيب الإنسان بسوء ويصيبه بشر، يريد أن يتلبس به، يريد أن يوسوس له. فبإيمانه وبحفظ الله سبحانه وتعالى له يدفع هذه الوساوس، ويكون الإنسان في حفظ الله إذا حافظ على الأذكار: أذكار الصباح وأذكار المساء، أذكار النوم، أذكار الاستيقاظ، فيكون في حصن حصين من شياطين الجن أن تصيبه بشيء من السوء. هذا من حفظ الله سبحانه وتعالى. يوكل الله عز وجل به ملائكة يحفظونه، ويدفعون عنه شر هؤلاء الأشرار. قال: وعلى حسب ما عند العبد من الإيمان تكون مدافعة الله عنه. يعني كلما قوي إيمان العبد كلما قوي حفظ الله له، وكلما ضعف إيمان العبد ضعف حفظ الله له. وبقدر ما عند العبد من الإيمان يكون حفظ الله سبحانه وتعالى له. قال: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في وصيته لابن عباس رضي الله عنهما: «احفظ الله يحفظك». رواه أحمد والترمذي. أي: احفظ أوامره بالامتثال. كيف تحفظ الله؟ تحفظ أوامره، الأوامر التي أمرك الله سبحانه وتعالى بها، احفظها، حافظ عليها، واضب على فعلها، ألزم فعلها، بهذا تحفظ أوامر الله. قال: ونواهيه بالاجتناب. تجتنب ما نهاك الله عنه، وتبتعد عنه، ولا ترتكبه. بهذا تكون قد حفظت الله سبحانه وتعالى. قال: وحدوده بعدم تعديها. ما أحله الله لك فعلته، وما حرمه الله عليك اجتنبته، وما سكت الله عنه فهو مباح لك أن تفعله. قال: يحفظك في نفسك ودينك ومالك وولدك، وفي جميع ما آتاك الله سبحانه. احفظ الله. طيب، إذا حفظت الله في أوامره، في نواهيه، في حدوده، لم تتعدَ حدود الله سبحانه وتعالى، ما هو؟ ما هو الجزاء وما هو الثواب؟ يحفظك الله عز وجل، يحفظك، يحفظك في نفسك من الأمراض، من الأسقام، من الشرور، من المصائب، من البلايا. يحفظك في دينك أن تفتن في دينك، سواء كان من فتنة الشبهات أو فتنة الشهوات. يحفظك في مالك، يحفظ الله عز وجل لك مالك من التلف، من السرقة، من ذهاب البركة، إلى آخر ذلك من معاني حفظ المال. ويحفظك في ولدك، يحفظك في ولدك أن يمنى الله عز وجل عليهم بالهداية والصلاح والاستقامة، وكذلك أيضاً من دفع أسباب يعني الهلاك وكذلك الشرور. فكل هذا من حفظ الله سبحانه وتعالى إذا حفظت الله. قال: وفي جميع ما آتاك الله سبحانه وتعالى من النعم يحفظها الله جل وعلا لك. فاسم الله الحفيظ والحافظ يدل على عظيم حفظ الله سبحانه وتعالى للإنسان: الحفظ العام، وكذلك الحفظ الخاص لأهل الإيمان والتقى والصلاة. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة.