الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 85، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول المقطع مسألة معرفة حسن الأمور وقبحها، ويشرح أن العقل يمكن أن يدرك بعض الأمور النافعة والضارة. التجارب والفطرة تلعب دورًا في ذلك، بينما هناك أمور تعبدية لا يمكن إدراكها إلا بالشرع.
يشرح المقطع أهمية الشرع في معرفة الأمور التعبدية والغيبية، ويبين أن العقل لا يمكنه إدراك تفاصيل هذه الأمور. الشرع يؤيد ما جاءت به الفطرة والعقل والتجارب، والأمور التي لا تدرك إلا عن طريق الشرع يجب أن تدرك عن طريقه.
يتناول المقطع دور العقل في فهم الأمور وتقييمها، ويوضح أن العقل له دور في إدراك الحسن والقبيح والنافع والضار ضمن الحدود التي رسمها الشرع. أهل السنة والجماعة يثبتون دور العقل بينما غلا الجبرية في تعطيل العقل وبالغت المعتزلة في جعله المعول عليه.
العقل لا يحيل ما جاء به الشرع وإن احتار فيه، وأهل السنة والجماعة جعلوا العقل والشرع متوافقين ولا يعارض أحدهما الآخر. الشرع هو المعول عليه في الأمور التفصيلية والغايات، والعقل له دور في الإيمان الإجمالي بقبول الحق.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فكان آخر الكلام في الدرس الماضي عند ذكر المؤلف رحمه الله تعالى لي مسألة الأمور، هل يعرف حسنها وقبحها بالشرع أو بالعقل؟ أشار إلى ذلك فيما ذكر في ذلك الفصل، بعد أن بين أولًا وجوب الإيمان بالقدر ووجوب الإيمان بالشرع، وضرورة الإيمان بذلك. وتقدم معنا أن العبد في هذه الدنيا يريد، فهو بحاجة إلى ضابط يسير عليه لتحصيل ما يريد مما ينفعه، أو ما لا يريد مما يضره. وبيّن رحمه الله أن الشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل هو الذي يضبط ذلك، لأن الله جل وعلا هو الذي خلق العباد، وهو الذي يعلم ما يصلحهم وما يضرهم. فالواجب أن يجعل الضابط ذلك الشرع لتحصيل ما ينفع الإنسان ودفع ما يضره. وبين رحمه الله تعالى أن العقول قد تدرك النافع والضار في الجملة، وذلك لأن الذي خلق العقل وهو الله جل وعلا جعل فيه إدراكًا، لم يجعل العقل معطلًا، وإنما أمر الله جل وعلا بالانتفاع بهذا العقل، وذلك من شرف الله جل وعلا وتكريمه للعباد بأن ميزهم بهذه العقول التي يدركون بها ما ينفعهم وما يضرهم. فيأتون ويأخذون بأسباب ما ينفعهم، ويبتعدون عن أسباب ما يضرهم. والعقول كذلك تدرك ما جاءت به الشرائع، لأن الشرع لم يأتِ بما تحيله العقول. الشرع لم يأتِ بما تحيله تحيله العقول، وإن كانت العقول تحار فيما يتعلق بتفاصيل الشرع، لكن ليس معنى ذلك أن الشرع قد جاء بما تحيله العقول، لا، فالعقول السليمة لا يحيلها ما جاءت به الشرائع. ولذلك للعقل إدراك ما جاءت به الشرائع على وجه الإجمال، وهو الإيمان لكل ما جاء به الخبر في هذه الشرائع، وأنه لا ينكرها، ويدرك حسنها لأنها منزلة من عند حكيم خبير جل وعلا. وإن كانت لا تدرك الأمور على وجه التفصيل والغايات وغير ذلك إلا من جهة الشرع الذي فصل فيما فصل فيها. وكان للعقل فهم ذلك. وتقدم أيضًا أن النفع أو الضرر قد يكون معلومًا بالفطرة، وقد يكون معلومًا بالعقل، كما تقدم. فالعقل يستقبح أمورًا مثل الظلم، مثلًا الظلم بالعقل مستقبح، والاعتداء على الناس كذلك مستقبح، وهكذا الأمور التي يدركها العقل وأنها مستقبحة. ولذلك حتى أهل الجاهلية كانوا لا يأتون هذه الأمور، ويبتعدون عنها، ويتفاخرون بها إذا تركوها، لأنهم قد علموا أن هذا مما يستقبح فعله ويستحسن تركه، فهذا لما فطروا عليه، ولما هو يعلم أصلًا بالعقل السليم، أن الاعتداء على الناس وظلم الناس وانتهاك المحارم وزنا الحرة وغير ذلك، والكذب والخيانة والغدر، هذه العقول تستقبحها. نعم، معنا الشرع قد جاء بتقبيح ذلك وبالنهي عنه، ومع هذا العقول تدرك هذا. فإذا العقول قد تدرك هذه الأشياء، يعني النافع من الضار والحسن من القبيح. وقد يكون معلومًا بالتجارب كذلك، النافع بالضار قد يعلم بالتجارب. الإنسان مثلًا يعلم من التجارب أنه إذا جلس في الهواء الطلق فإنه يمرض، يصاب مثلًا بالزكام، يصاب مثلًا بالحمة، إذا جلس مثلًا في الشمس مثلًا يتضرر، يصاب بالحمة أو غير ذلك. وهكذا كذلك إذا تعاطى بعض الأدوية أو تعاطى بعض العقاقير، نعم، علم بالتجربة نفعها أو ضررها. وهكذا مثلًا شرب الدخان وتعاطي القات وغير ذلك من هذه الأمور، فعلم بالتجربة عند تعاطيه لها أنها تضره، قد أضرت بصدره، قد أضرت بأسنانه، قد أضرت كذلك بشرايينه وغير ذلك. وهكذا كذلك إذا تعاطى بعض الأشياء، فبالتجارب عليم نفع هذه الأشياء أو ضرر هذه الأشياء. فهذه الأمور تعلم بالتجارب، فيعلم أن منها نافع ومنها ضار، وهذا من خلال التجارب. يعني أراد المولى فرحة أن الأمور قد تدرك بالعقل، وقد تدرك كذلك بالتجارب، يعني بالتجارب، يعني الأمور النافعة والأمور الضارة والأمور الحسنة والأمور القبيحة، للعقل مجال. ليس العقل معطلًا عن إدراك هذه الأشياء كما يزعم الجبرية الذين عطلوا العقل وجعلوا العقل لا مجال له في إدراك ما ينفعه أو يضره. لا، الله جل وعلا خلق هذه العقول لتستخدم، وليستخدم منها صاحبها، وجعل لها مجالًا، وجعلها مجالًا في إدراك أمور نافعة، فيأتي بها العبد، وإدراك أمور ضارة، فيبتعد عنها العبد. فهذا العقل له مجال، وهكذا التجارب التي يمر بها الإنسان في حياته، فإنها تعلمه ويستفيد منها ما الأمور التي تنفعه، وما الأمور التي تضره، بأن هذه الأمور التي يمر بها، وهذه التجارب نعم، ليست عبثًا، وليست لا أثر لها، لا، بل أنت علمت من خلال ما عشت في هذه الدنيا ما الذي يلائمك من الأمور. ما هو الجو الذي ترتاح به؟ بعض الناس يلائمهم الجو البارد، من الناس ما لا، يلائمهم هذا الجو، وإنما يلائمهم الجو الحار. وهكذا حتى في أنواع الأطعمة والمشروبات، التجارب تعلمك ما الذي تنتفع به، وما الذي تتضرر به. فأنت تأتي وتعمل بما ينفعك، وتبتعد عن ما يضرك، وهذا من رحمة الله جل وعلا بعباده، أنه قد خلق كل شيء، وجعل في ذلك الخلق الحكمة والمنفعة للناس. ليس هو خلق هكذا يمر على الناس، وأشياء خلقت من غير ما يستفاد منها، لا. فالله جل وعلا منزه عن العبث، ما خلق شيئًا إلا وفيه نفع للناس، ومن هذه المنافع أنهم ينتفعون منها للاستدلال على ما ينفعهم وما يضرهم، وهكذا. وما يحصل من التقلبات حتى في ملكوت الله جل وعلا، ليست عبثًا، تقلبات الجو، وهذه الفصول الأربعة وغير ذلك. ما يحصل في ملكوت الله جل وعلا أن لا تستدلون من خلالها على أمور عظيمة، فيتهيئون لهذه الفصول بما يكون سببًا لهدايتهم، وما يكون سببًا كذلك لحصول ما ينفعهم، والابتعاد عما يضرهم. وهكذا قال رحمه الله تعالى: وهذه تأتي، وهذه تأتي شاهدة لما جاء به الشرع. يعني أن الذي يعلم بالعقل، ويعلم بالفطرة، ويعلم بالتجارب، طيب، قال: وقد يكون معلومًا بالشرع، نعم، وقد يكون معلومًا بالشرع، يعني الأشياء، ومن الأمور لا تعلم إلا بالشرع، يعني لا يمكن أن يدركها العقل، ولا يمكن أن تدرك بالفطرة، ولا يمكن أن تدرك بالتجارب، وإنما تدرك بالشرع، وتعلم بالشرع فقط. وهذا مثلًا مثل الأمور التعبدية، الأمور التعبدية مثلًا، لماذا صلاة الفجر ركعتان؟ لماذا صلاة الظهر أربع؟ لماذا المغرب ثلاث؟ لماذا العشاء أربع؟ لماذا الطواف سبع أشواط؟ نعم، لماذا الوضوء من لحم الإبل، ولا وضوء من لحم الغنم؟ على من يقول بأن الأمر في هذا تعبدي، نعم. فهذه أمور تعبدية، لماذا المسح في الأعلى أعلى الخف، وليس المسح على الأسفل؟ هذه أمور تعبدية، بذلك قال علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي، لكان مسح أسفل الخف أولى من المسح على أعلى، لكن الدين ليس بالرأي. هناك أمور لا يستطيع العقل أن يعرف، ماذا ويدرك لماذا هذا ولماذا يعني كان كذا ولماذا لم يكن كذا؟ هذه أمور تعبدية، نعم، جاء الشرع بها، فلا تعلم إلا عن طريق الشرع. فإذا أعلمك الشرع لماذا صلاة الفجر ركعتان، علمت، وإذا أعلمك لماذا أربع، علمت، ولماذا الطواف سبع، علمت، ولماذا الوضوء من لحم الإبل وليس من لحم الغنم، علمت، لكن لم تعلم، لا يمكن أن تصل، لا يمكن أن تصل من خلال عقلك إلى معرفة هذه الأمور، ولماذا هي هكذا؟ ولذلك لا يجز أن يقدم الإنسان العقل، ويدخل في هذه الأمور لمعرفتها بعقله، نعم، لأنها جاءت من جهة الشرع المحض، ولا إدراك للعقل فيها. فإذا أردت أن تعلمها، وأن تدركها، لا يمكن لك أن تدركها إلا عن طريق الشرع. فإذا لم تجد في الشرع ما يبين لك ذلك، فعليك أن تعلم أن هذا يعني يجب أن يؤمن به، كتفاصيل الإيمان بالملائكة مثلًا، وأعمالهم وغير ذلك، نعم، والجن وما يتعلق بهم. هذه الأمور الغيبية، هل يمكن الإنسان يدرك تفاصيلها بعقله؟ لا، إنما تدرك من الشرع. فلذلك نحن نعلم بعض تفاصيل الملائكة من الشرع، ونعلم بعض ما يتعلق بالجن من جهة الشرع، لا من جهة العقل. ولكن هناك أمور ما علمناها، وهي من التفاصيل كذلك ما يتعلق مثلًا بالملائكة، نعم، أو بالجن أو غير ذلك. لماذا نستطيع أن نعلمها؟ لأنها لم تأت، لم يأت العلم بها عن طريق الشرع. فلذلك ما علمنا إلا الذي علمناه من الشرع. ومعنى هذا أن الأمور التي لا تدرك إلا عن طريق الشرع، فيجب أن تدرك عن طريق الشرع. فإذا جاء العلم بشيء منها، اعتقد ذلك، وآمن العبد به. وإذا لم يأتِ شيء، توقف الإنسان، ولا يدخل بعقله، كمن دخل بعقله وأراد أن يعلم حقائق هذه الأشياء، فظل ضلالًا بعيدًا، وخرج عن الجادة. ومثلًا ما يتعلق بالنافع والضار من اللحوم، من الطيبات التي حلها الشرع، ومن الخبائث التي حرمها الشرع، قد لا يدرك العقل لماذا مثلًا هذا طيب، ولماذا هذا يعني خبيث؟ ولماذا هذا حلال، ولماذا هذا حرام؟ قد لا يدرك، لا يدرك ذلك بعقله، لكن الشرع بيّن أن هذا حلال وطيب، وهذا حرام وخبيث، وأمرك أن تترك ذلك الخبيث والضار، وأن تنتفع بهذا الحلال الطيب. فما حل الله فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، والطيب ما جاء في الشرع، والخبيث ما جاء في الشرع. ومع هذا العقل لا يستنكر ذلك، العقل لا يستنكر ذلك. فأن العقل لا يستقبح ما قبحه الشرع، العقل السليم، ويستحسن ما حسنه الشرع. فمثلًا الآن لو نظرنا في الطيبات التي يحلها الله جل وعلا، والخبائث التي حرمها الله جل وعلا، العقل السليم يستقبح ذلك، يستقبح هذه الخبائث إذا كان سليمًا. فهذه الطيبات التي يحلها الشرع، فإن العقل لا يعارض ذلك، بل يستحسن هذه الطيبات إذا كان العقل سليمًا. ومع هذا نقول: لا يتوصل إلى الحلال والحرام والطيب والخبيث إلا عن طريق الشرع، لأنه لا مجال للعقل أن يحرم شيئًا، ولا يجلس الإنسان يحرم شيئًا بعقله، ولا يجلس أن يحل شيئًا بعقله، وإنما الحلال والحرام إنما من جهة الشرع. ومع هذا فالعقل لا يعارض ما جاء في الشرع إذا كان سليمًا. فالعقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح، العقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح، نعم، النقل الصريح. قال رحمه وتعالى: فالشرع يأتي مؤيدًا بما شهدت به الفطرة، هو العقل والتجارب، وهذا واضح. يعني الشرع يؤيد ما استقبح بالفطرة، والحسن بالفطرة، والقبيح بالعقل، أو الحسن بالعقل، وهكذا ما دلت عليه التجارب. فالشرع يؤيد هذه، يؤيد هذه، لماذا؟ لأن الشرع من عند الله جل وعلا الذي فطر الناس، والذي جعلهم هذه العقول التي تدرك النافع من الضار، والقبيحة من الحسن إذا كانت سليمة. وهكذا الفطر إذا لم تفسدها الشياطين، وهكذا التجارب. فكم من التجارب اليوم التي اكتشفت، فوجدوا أن الشرع قد أيدها؟ ألا مثلًا بعض الكفار يصلون إلى أمور من خلال التجارب، يصلون إلى أمور من خلال ماذا؟ التجارب، وهي قد ذكرت في كتاب الله جل وعلا، قد أيدت هذه الأمور التي اكتشفت بالتجارب. بل بعض هؤلاء ربما يؤمن ويدخل في هذا الدين، لما يعلم أنه قد وصل إلى أمر من خلال التجربة، وخلال البحث، ويعلم بعد ذلك أن هذا قد ذكر مثلًا في كتاب الله، في القرآن، ربما آمن بعد ذلك. وهل يدلنا على أن الشرع يؤيد ما جاءت به الفطرة؟ وفطر الله جل وعلا الناس عليها؟ لأن الشرع مصدق لهذه الأشياء، ومؤيد لها، وتلك الأشياء التي علمت بالفطرة من النافع والضار، والقبيح والحسن، وهكذا ما علم بالعقل، وبالتجارب، شاهدة للشرع. فالشرع مؤيد لها، وهي شاهدة للشرع، هذه الأمور أيدها الشرع، وتلك الأمور أيضًا شاهدة للشرع. تلك الأمور شاهدة، لماذا؟ الشرع يعني تشهد لما جاء به الشرع. وكما قال جل وعلا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ﴾. فما يحصل في ملكوت الله جل وعلا من آيات، نعم، هذا مما يؤكد ما جاءت به الشرائع، وما جاء به كتاب الله جل وعلا. فكامل أمور تحدث من آيات الله جل وعلا الكونية في ملكوته سبحانه وتعالى تشهد لهذا الشرع العظيم الذي من عظمته أنه جل وعلا جعل ما يحصل في ملكوته جل وعلا شاهدًا له. ولذلك كم من الآيات والبراهين التي حصلت لأنبياء الله جل وعلا تشهد لصحة ما جاء به من هذه الشرائع من عند الله جل وعلا. وكم الأمور التي أخبروا بها عن طريق الشرع، فحصلت في ملكوت الله جل وعلا، وشاهدها الناس بأعيانهم. ومن ذلك من حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام من أعظم هذه الآيات والبراهين، كشق القمر، وهكذا من حصل لعيسى من إبراء الأكمة، وإحياء الموتى بإذن الله جل وعلا. وهكذا الأنبياء، كل هذا من الآيات الشرعية التي أيد الله جل وعلا بها أنبياءه، بأن جعل في ملكوته جل وعلا من الآيات الكونية التي تدل على صدق ما جاء به. وهذا يدلنا على أن الشرع قد جاء لتأييد القدر، وأن الشرع كذلك جاء مؤيدًا للفطرة والعقل والتجارب. وأن الفطرة والعقل والتجارب شاهدة لشرع رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وفي هذا المقام اختلف الناس في الأعمال هل يعرف حسنها وقبحها بالشرع أو بالعقل؟ قال: والتحقيق أن ذلك يعرف تارة بالشرع، وتارة بالعقل، وتارة بهما. لكن علم ذلك على وجه الشمول والتفصيل، وعلم غايات الأعمال في الآخرة من سعادة وشقاء ونحو ذلك، لا يعلم إلا بالشرع. ذكر هنا رحمه الله تعالى هذه المسألة، وهي أن الناس اختلفوا في الأعمال هل تعرف بالشرع أو تعرف بالعقل؟ فحصل خلاف في هذا، في هذا الأمر، هل الأمور يعرف حسنها وقبحها بالشرع وبالعقل؟ وهذه المسألة هي التي تسمى بالتقبيح والتحسين العقليين، مثل القبح والحسن العقليين. وهذه المسألة الناس فيها على ثلاثة أنحاء، فمنهم مفرط، ومنهم مفرط، ومنهم وسط، وهم أهل الحق. فذكر رحمه الله تعالى التحقيق في ذلك، أن ذلك يعرف تارة بالشرع، وتارة بالعقل، وتارة بهما. وهذا هو الحق كما تقدم بيانه. فهناك من الأمور ما يدركها العقل، هناك من الأمور ما يدركها العقل. فالعقل يدرك ما يلائمه، ويدرك ما لا يلائمه، ويدرك القبيح من الحسن، لأن الله جل وعلا كما تقدم من على عباده بهذا العقل، لماذا؟ من به عليهم؟ هل يبقى هكذا معطلًا من غير انتفاع به؟ تعال الله جل وعلا عن ذلك. فإذا لهذا العقل فائدة الذي خلقه في الإنسان. فإذا جعل الله جل وعلا لهذا العقل مجالًا، جعل لهذا العقل مجالًا في إدراك النافع من الضار، والقبيح من الحسن. لكن هذا الإدراك لا يستقل به العقل، هذا الإدراك لا يستقل به العقل، وإنما يستفاد لهذا الإدراك في منزلته. لا يتعدى الإنسان المنزلة في هذا العقل، فيعطيه أكثر من منزلته. فالعقل له منزلة، وله قدر، يستفاد منه في إدراك النافع من الضار، لكن ليس يجعل إنسان ذلك يجعل إنسان ذلك كله للعقل، فصار ما استحسنه عقله أخذ به واعتقده، وما استقبح عقله تركه واستقبحه، نعم، وتعد عنه بعقله، لا. وإنما العقل منزله، وبأن يكون تابعًا للشرع، أن يكون تابعًا للشرع. فالشرع هو المتبوع، وهو الأصل، الأصل الشرع. ولذلك نتقدم في كلام المؤلف قال: والشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل هو الذي يضبط ذلك، بيّنه الأصل في هذا الأمر، وأن الأمر للشرع. لكن بيّن أن للعقل إدراكًا، وللعقل إدراكًا ومجالًا في فهم الأمور، وفهم النافع من الضار، ومعرفة الحسن من القبيح، لكن يكون تابعًا تابعًا للشرع، لأن العقل لا يستطيع أن يدرك القبيح والحسن، والنافع والضار استقلالًا، لا له مجال. لكن ليس استقلالًا، ليس استقلالًا، وإنما الأمر للشرع في هذا، الأمر للشرع في هذا. وقد غلا الجبرية أو فرط الجبرية في هذا الباب، فالجبرية عطلوا العقل تمامًا، الجبرية عطلوا العقل تمامًا، وقالوا: لا إدراك له أصلًا أبدًا، لا إدراك للعقل أبدًا في تحسين أمر أو تقبيحه، نعم، أو يعني معرفة النافع أو الضار. فعطلوا العقل عن المنزلة التي جعلها الشرع له. فما فائدة وجود عقل لا ينتفع به؟ ولذلك ضلوا ضلالًا بعيدًا. ولذلك وقع في هذا أهل التفويض، المفوضة الذين عطلوا معاني نصوص الصفات، قالوا: الله أعلم، لماذا؟ لأنه بزعمهم أن هذا لا يتوصل إليه من خلال إعمال العقل. كيف والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟ إذًا جعل منزلة للعقل في إدراك هذه المعاني، في التدبر، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، تتدبر بماذا؟ تتدبر بعقلك. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾؟ فما فائدة العقل إذا كان لا يتدبر به، ويفهم به معاني نصوص الصفات؟ نعم، فالجبرية عطلوا العقل تمامًا، ولذلك ضلوا. فصار منهم المفوضة الذين يفوضون معاني نصوص صفات، بحجة أن العقل لا يمكن أن يتدبر هذه النصوص. فذلك يقولون: لا نعلم المعنى، لماذا؟ كيف نعلم ذلك؟ ما نعلم ذلك، هذا يعني من الأمور التي لا تعلم، ولا يمكن أن توصل إليها. سبحان الله. وهكذا منهم السكوتية، طائفة الذين سكتوا، قالوا: نسكت، لا نقول كذا ولا كذا، نسكت. ومنهم كذلك الشاكة، طائفة كذلك شاكة، متحيرة، تحيرت. فهذه كلها طوائف ضلت في هذا الباب بسبب تعطيل العقل. فصاروا لا يتدبرون بعقولهم. فمنهم من وقع في التفويض، ومنهم من وقع في الوقف، وهي طائفة الواقفة الذين توقفوا. ومنهم الشاكة، ومنهم السكوتية، كل ذلك بسبب تعطيل العقل. وهذا من آثار الضلال في هذا الباب. وقد تأثر بهؤلاء الجبرية بعض من ضلت به القدم ممن أيد مذهب الجبرية في هذا، في جعل العقل معطلًا لا يتدبر به، ولا مجال له في معرفة الحسن من القبيح، ولا النافع من الضار، وغير ذلك. وإنما الأمر للشرع فقط، يقولون الأشاعرة، وهم الجبرية، ومنهم الفوضة، وهؤلاء الأمر للشرع فقط، لا دخل للعقل في ذلك. وطائفة غلاة، وهم القدرية، القدرية المعتزلة، هؤلاء غلاة، جعلوا العقل هو المعول عليه، جعل العقل هو المعول عليه، وإليه يرجع الأمر. ولذلك ما استقبحته العقول ردوه وعطلوه، وما استحسنته العقول قبلوه. ولذلك وقعوا في الأصول الخمسة التي هي من أصولهم: العدل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمنزل بين المنزلتين، وغير ذلك. وسبب هذا الضلال هو ضلالهم في هذه المسألة أيضًا. فالمعتزلة مثلًا عطلوا كثيرًا من الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعاد، عذاب القبر، مثلًا لا يؤمنون بعذاب القبر، وإنما يقولون: عذاب في الآخرة، طيب لماذا؟ لأن عندهم عذاب القبر مستقبح، يستقبحه العقل، يستقبح العقل أن يكون عذابًا في القبر. لم يؤمنوا بالموازين يوم القيامة، موازين حسية فيها الحسنات والسيئات، لماذا؟ لأنهم يقولون: ايش فائدة الموازين يوم القيامة؟ الله جل وعلا قد علم ما عمل العباد، ايش فائدة الموازين؟ فصاروا ايش فائدة كذا؟ ايش فائدة كذا؟ لماذا؟ لأنهم بالعقل يعرضون الأمر على عقلهم. إذا رأوا حسنًا قبل العقل، قالوا: أقر به، إذا رأوا العقل قد استقبحه، أردوه. ولذلك عطلوا نصوصًا كثيرة. كذلك خلق العبد فعل نفسه، لماذا؟ قال: لأن إذا قلنا العبد الآن إذا كان فعل العبد مخلوقًا لله جل وعلا، فهذا فيه نسبة الظلم إلى الله، كيف؟ قالوا: إذا كان الله جل وعلا خلق فعل العبد، فإذا عاقبه كان ظلمًا. إذا عاقبه كان ماذا؟ كان ظلمًا، إذا لابد من العدل، ما هو العدل عندهم؟ العدل أن يقول: العبد يخلق فعل نفسه، لماذا؟ استقبحوا استقبحوا أن يكون فعل العبد مخلوقًا لله جل وعلا، لأنه بزعمهم يؤدي إلى الظلم. وهكذا، فإذا انظر القدرية المعتزلة في مسألة القبح والتحسين، حيث جعلوا العقل هو المعول عليه. ولذلك إذا تعارض عندهم العقل والشرع، قدموا العقل، قدموا ماذا؟ العقل. والجبرية كما سمعتم عطلوا العقل تمامًا. أهل السنة والجماعة أثبتوا المجال للعقل الذي جعله الشرع، ولم يتعدوا تلك المنزلة، ولم يجعلوا العقل مستقلًا بإدراك القبيح من الحسن، والنافع من الضار. وإنما جعلوا العقل تابعًا لا متبوعًا، جعلوا العقل تابعًا لا متبوعًا. فجعلوا العقل مع الشرع بمثابة العامي المقلد مع العالم الجهد. جعلوا العقل مع الشرع كحال العامي المقلد مع العالم الجهد، وهذا هو الصواب. فلا ينكر أهل السنة أن للعقل مجالًا في معرفة الضار من النافع، والحسن من القبيح. لأن الشرع قد جعله ذلك، لكن ليس مع ذلك أن يكون هو المعول عليه، وإنما المعول على الشرع، والشرع يؤيد العقل، العقل الصحيح لا يعارض النقل، العقل الصريح لا ينافي أو لا يعارض العقل ماذا؟ العقل الصحيح يعارض النقل الصريح. وهكذا تعرف الأمور هذه النافعة والضارة، والقبيحة والحسنة بالعقل والشرع، بالعقل والشرع. لأن العقل كما تقدم لا يحيل ما جاء به الشرع، وإن كان يحتار فيه. ونفرق بين مسألة يحيل ويحار، ففرق بين أن نقول: الشرع لم يأتِ بما تحيله العقول. فالعقول قد تحتار في أمر الشرع، كما تقدم من الأمور التعبدية، لكن هل تحيله؟ لا، لماذا؟ لأن الشرع لا يعارض العقل. ولذلك كان للعقل مجال في إدراك هذه الأمور التي جاءت بها الشرع، يعني من باب الإيمان الإجمالي، لأن العقل الصحيح مفطور على قبول الحق. والشرع قد جاء بالحق الذي لا يخالف العقل والفطرة، لكن ما يتعلق بالأمور التفصيلية والغايات التي ترتب عليها هذه الأمور الشرعية، فهذا إنما يدرك من جهة الشرع. والخلاصة في هذه المسألة أن العمدة والمعول عليه الشرع، والشرع لا يعارض ما جاءت به الفطرة والعقل. وهكذا ما دلت عليه التجارب. ونعلم ضلال فرقتين في هذا، وهم الجبرية، وكذلك القدرية المعتزلة الذين هم بين طرفين نقيض. وأهل السنة والجماعة وسط في هذا، جعلوا العقل منزلته، ولم يتجاوزوه، وهكذا جعلوا الشرع هو المعول عليه، وأن هذا لا يعارض هذا. فالشرع لا يعارض ماذا؟ العقل، ولا الفطرة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.