التعليق على تقريب التدمرية 69

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 69، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الاعتراض على نفي صفات الله تعالى

يتناول المقطع مناقشة حول نفي التشبيه عن الله تعالى وإثبات الصفات له، حيث يبين اختلاف الفرق الإسلامية في ذلك. يرد أهل السنة والجماعة على نفي العلو عن الله تعالى.

إثبات علو الله تعالى وتفنيد شبهة التجسيم

يناقش المقطع إثبات علو الله تعالى ويفند الشبهة التي يثيرها الأشاعرة حول إثبات العلو لله تعالى، ويبين أن العلو لا يقتضي التجسيم أو التحيز.

تناقض أهل البدع ونفي التشبيه

يتناول المؤلف تناقض أهل البدع في نفي الصفات الإلهية ويبين بطلان مذاهبهم، ويؤكد على أهمية إثبات صفات الكمال لله تعالى ونفي التشبيه عنه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قال مؤلف كتاب "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" رحمه الله تعالى: مثال آخر على شاعرة ونحوهم ممن ينفي علوه على عرشه ونحوه، دون صفة الحياة والعلم والقدرة ونحوها، فيقول: إن هذه الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، بخلاف العلو فإنه لا يقوم إلا بجسم، فلو أثبتناه لزم أن يكون جسما، والأجسام متماثلة، فيلزم التشبيه. والمثبتون يجيبونهم تارة بمنع المقدمة الأولى، وهي قولهم: إن العلو لا يقوم إلا بجسم، وتارة بمنع المقدمة الثانية، وهي قولهم: إن الأجسام متماثلة، وتارة بمنع المقدمتين، وتارة بالاستفصال، فيقولون: إن أردتم بالجسم جسما مؤلفا من لحم وعظم وأجزاء يفتقر بعضها إلى بعض، أو يحتاج إلى مقومات خارجية، فهذا ممتنع بالنسبة إلى الله الغني الحميد، وليس بلازم من إثبات الصفات. وإن أردتم بالجسم ما كان قائما بنفسه، موصوفا بالصفات اللائقة به، فهذا حق ثابت لله عز وجل، ولا يلزم عليه شيء من اللوازم الباطلة. إذا تبين اختلاف الناس في تفسير التشبيه، صار الاعتماد على مجرد نفيه باطلا؛ لأنه يلزم منه نفي صفات الكمال عن الله تعالى عند من يرى أن إثباتها يستلزم التشبيه. وعلى هذا فالضابط الصحيح فيما ينفى عن الله تعالى ما سبق في أول القاعدة: ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا المثال الآخر، وهو مع شاعرة، وبيّن رحمه الله تعالى فيه أن الاعتماد فيما ينفى عن الله جل وعلا، وجعل الضابط في هذا نفي التشبيه، فإنه لا يستقيم ولا يصح؛ لأن نفي التشبيه عند المعتزلة يقتضي إثبات الصفات، فمن أثبت لله جل وعلا صفة قديمة يقولون: قد جعل الله جل وعلا مثالا ومثلا وندا، فلابد أن ينفي الصفات؛ فإثبات الصفات عندهم تشبيه، إذن لابد من نفي التشبيه. ثم ذكر هنا مثلا مع الأشاعرة: الأشاعرة كذلك عندهم إثبات الصفات كذلك تشبيه وتجسيم وتحيز وغير ذلك، ولذلك نفوا العلو عن الله جل وعلا، مع أنهم أثبتوا صفة الحياة والعلم والقدرة والإرادة، السمع والبصر والكلام، وهي الصفات السبع، أثبتوها، لا شاعرة ونفوا العلو عن الله جل وعلا. قالوا: لأن العلو يستلزم التجسيم والتحيز، إذ لا يصح أن يوصف أحد بالعلو إلا من كان جسما، ومن كان متحيزا، بخلاف الصفات السبع التي أثبتوها، فقالوا: هذه الصفات قد لا تقوم بالجسم، لكن العلو لا يقوم إلا بالجسم، فإذا أثبتنا العلو أثبتنا الجسم وأثبتنا التحيز، فلابد ينفى ذلك عن الله جل وعلا، وهو التجسيم والتحيز. فإذن عندهم لا ينفى هذا إلا بنفي العلو، بزعم أن إثبات العلو فيه تشبيه بالأجسام، تشبيه بالأجسام إذا أثبت العلو لله جل وعلا، فقد شبهناه بالأجسام؛ لأن العلو لا يقوم إلا بجسم، ولذلك يقولون: ماذا لابد من نفي العلو عن الله جل وعلا حتى لا نشبهه بالأجسام وبالمتحيزات وغير ذلك. فعاد كلامهم إلى نفي التشبيه، إلى نفي التشبيه، فإثبات العلو يقتضي التشبيه بالأجسام، إذن ينفى، فهذا يدلنا على أن الاعتماد في ضابط ما ينفى عن الله جل وعلا على مجرد نفي التشبيه لا يصح ولا يستقيم؛ لأن نفي التشبيه اختلف فيه الناس. فعند المعتزلة إثبات الصفات تشبيه، وعند الأشاعرة إثبات بعض الصفات كذلك تشبيه كصفة العلو؛ لأنها تقتضي التجسيم والتحيز. وأهل السنة والجماعة من أثبت الصفات لله جل وعلا، ومن ذلك صفة العلو، ردوا على الأشاعرة تارة بمنع المقدمة الأولى التي ذكروها، وهي أن العلو لا يقوم إلا بجسم، فلو أثبتناه لزم أن يكون جسما، والأجسام متماثلة، فيلزم التشبيه. وتارة بمنع المقدمة الثانية، وهي قولهم: إن الأجسام متماثلة، وهذا أيضا باطل؛ الأجسام ليست متماثلة، بل هي متباينة، جسم الإنسان ليس كجسم الحيوان، وليس كالجماد، هذه أجسام متباينة. وأما قولهم: إن الأجسام متماثلة، فهذا باطل يرده الشرع، ويرده كذلك الحس، بل العقل كذلك يرد ذلك؛ لأن الأمور إذا اختلفت بين المخلوقات لزم من ذلك اختلاف في ذواتها أو في أجسامها. والمقدمة الثالثة هو التفصيل، التفصيل يستفصل ماذا يريدون بالجسم وماذا يريدون بالجهة، نقول لهم: لماذا لم تثبتوا العلو؟ يظن إذا أثبتنا العلو هذا يقتضي التجسيم والتحيز؛ لأن العلو لا يقوم إلا بجسم، فإذا قلنا: الله جل وعلا متصف بالعلو، فمثلناه وشبهناه بالجسم، وليس متماثلة. فإذا نفينا العلو فيستفصل منهم بعد أن يقال لهم كذلك أولا: أن العلو لا يقوم إلا بجسم، هذا ليس بصحيح، وهكذا كذلك أن الأجسام متماثلة، هذا ليس بصحيح، وثالثا يقال لهم: ماذا تريدون بالجسم؟ يستفصل منهم. فإذا قالوا: نريد بالجسم جسما يفتقر إلى أعضاء ويحتاج إلى مقومات خارجية، نعم لا يتصور ذلك الجسم إلا بها، وهكذا من النقائص والعيوب، فهذا ممتنع بالنسبة إلى الله الغني الحميد. فالله جل وعلا في علوه سبحانه وتعالى، وله ذات وله صفات تليق به جل وعلا، وهو غني عن مخلوقاته، بل مخلوقاته هي المفتقرة إليه، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. فالله جل وعلا في علوه، فله العلو المطلق من كل الوجوه، علو الذات وعلو القهر وعلو القدر، وهو سبحانه وتعالى مستغن عن خلقه، فهو جل وعلا القائم بنفسه، سبحانه وتعالى، فلا يحتاج لغيره؛ لأنه الغني، والغني لا يحتاج لغيره. وهو الصمد جل وعلا الذي تصمد إليه الحوائج، الذي تصمد إليه الخلائق في كل حوائجها، وهو الصمد، وهو السيد الذي كمل في سؤدده، والعظيم الذي كمل في عظمته، وهو الحليم الذي كمل في حلمه، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فإثبات العلو لله جل وعلا على ما يليق به سبحانه وتعالى، ويقال: هو في العلو سبحانه وتعالى، كما قال الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وهذا علو خاص على العرش، وله العلو العام على جميع المخلوقات. فالله جل وعلا هو العلي، هو في العلو على جميع المخلوقات، وهناك له علو جل وعلا خاص، وهو الاستواء على العرش الذي هو أعلى المخلوقات، وليس هناك مخلوق أعلى من العرش، بل أعلى المخلوقات العرش، والعرش استوى عليه الرحمن جل وعلا استواء يليق بجلاله جل وعلا. فليس فوق العرش مخلوقات، بل فوق العرش الخالق جل وعلا الذي لا يشركه غيره الذي لا يشركه غيره في هذا العلو، بل هو المتفرد بالعلو على سائر مخلوقاته جل وعلا عامة، وعلى العرش الذي هو أعلاها خاصة. فيقال لهم: إذا أردتم بالجسم ما كان قائما بنفسه وصفا بالصفات اللائقة به، فهذا حق ثابت لله جل وعلا، ولا يلزم عليه شيء من اللوازم الباطلة. فالله جل وعلا بائن من خلقه سبحانه وتعالى، لا يختلط بمخلوقاته، وكما أنه لا تحل منه مخلوقاته، فيه شيء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وكما سئل السلف: كيف نعرف ربنا؟ لما سئل ابن المبارك رحمه الله تعالى: كيف نعرف ربنا؟ قال: فوق سماواته، فوق سماواته بائن من خلقه، بائن من خلقه، يعني أنه منفصل جل وعلا عن خلقه، بل هو المحيط جل وعلا بمخلوقاته، ومخلوقاته لا تحيط به. بل الخالق هو الذي قد أحاط بكل شيء علما، والله من ورائهم محيط، فله الأولية الزمانية والأولية المكانية، وهكذا هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء. فهو جل وعلا محيط بجميع مخلوقاته كلها، وأما إذا أرادوا بزعمهم أن العلو يستلزم التجسيم والتحيز، ووصف الرب جل وعلا بأنه جسم، فيقال: ماذا أردتم بالجسم؟ فكما سمعتم: إذا أرادوا به الجسم الذي يحتاج إلى غيره، والجسم الذي هو يتكون من أعضاء، والجسم الذي لا تقوم له قائمة إلا بغيره، فهذا منفى عن الله جل وعلا، وهذا إنما هو في شأن المخلوقات، فهي لا تقوم إلا بغيرها، وهي كذلك مفتقرة إلى خالقها جل وعلا. وأما الخالق فهو في العلو، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الكمال المطلق جل وعلا، وهذا العلو لا ينافي قربه جل وعلا من عباده، ولا ينافي إحاطته جل وعلا بمخلوقاته كلها. وبهذا تندفع هذه الشبهة، بهذا تندفع هذه الشبهة التي يضعها هؤلاء الأشاعرة حين لا يثبتون العلو لله جل وعلا، بزعم أن ذلك يقتضي التجسيم والتحيز، فلابد من نفي ذلك عن الله جل وعلا. وأما أهل السنة والجماعة فيثبتون علو الله جل وعلا، كما دلت عليه آلاف الأدلة، كما دلت عليه آلاف الأدلة، أدلة كثيرة دلت على علو الله جل وعلا. وقد بسط شيئا منها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في مختصره "مختصر الصواعق"، وذكر منها في نونيته رحمه الله تعالى، وهكذا في "اجتماع الجيوش الإسلامية"، والذهبي في كتابه "العلو للعلي الغفار"، وزاده حسنا العلامة الألباني رحمه الله تعالى عليه بالاقتصار على ما صح وثبت في العلو. فأدلة العلو كثيرة، دلت عليها الأدلة الكثيرة، بدلالة الشرع، ودلالة العقل، ودلالة الفطرة، حتى الأشاعرة الذين أنكروا علو الله جل وعلا ما استطاعوا أن يجيبوا بجواب سديد حين سئلوا. ومن هؤلاء أبو المعالي الجويني رحمه الله تعالى، عندما كان ينفي ولا يقر بعلو الله جل وعلا، فكان يخطب ويقرر عدم علو الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا ليس في العلو ولا يوصف بالعلو. فقال له الهمداني رحمه الله تعالى: دعنا من كلامك هذا، فقل لي: ماذا تصف هذا الشعور الذي ينتهب الشخص حال الدعاء؟ فإن كل داع إذا أراد أن يدعو وجد في نفسه تطلعا إلى العلو، هذا شيء ما ينكر أحد، الإنسان إذا أراد أن يدعو يدعو في نفسه تطلعا إلى العلو، وأن يرفع يديه إلى العلو، بماذا تفسر هذا؟ فما استطاع الجويني أن يجيب عن هذا، بل قال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، ونزل من المنبر، ولعل ذلك كان من أسباب رجوعه رحمه الله تعالى إلى مذهب السلف الصالح في آخر حياته. قال رحمه الله تعالى: وإذا تبين اختلاف الناس في تفسير التشبيه، صار الاعتماد على مجرد نفيه باطلا؛ لأنه يلزم منه نفي صفات الكمال عن الله تعالى عند من يرى أن إثباته يستلزم التشبيه. يعني يؤكد ويقرر المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا تبين اختلاف الناس في جملة من الصفات، فالتشبيه عند المعتزلة إثبات الصفات تشبيه، وعند الأشاعرة إثبات العلو تشبيه، وإثبات كذلك الصفات الذاتية لله جل وعلا تشبيه، وعندهم إثبات الصفات الفعلية تشبيه. ليس عندهم إلا الصفات العقلية على زعم قولهم، نعم إن الصفات العقلية هذه لا تستلزم التجسيم والتشبيه والتحيز، مع أن أهل السنة يلزمونهم بإثبات هذه الصفات التي يثبتونها، ونفوا غيرها، أن الذي فروا منه موجود حتى هذه الصفات العقلية التي يثبتونها على قولهم تستلزم التشبيه الذي فروا منه حين لم يثبتوا الصفات الفعلية لله جل وعلا والصفات الذاتية. ولكن التناقض، ولكن أهل البدع هكذا يتناقضون، ومن أعظم دلالة على بطلان مذاهب أهل البدع هو التناقض الذي يقعون فيه. وإلا يلزمهم بإثباتهم الصفات العقلية التي زعموا أن العقل يثبتها، أن يثبتوا الصفات الأخرى، أثبتوا الإرادة ونفوا الرحمة، أثبتوا الإرادة ونفوا الرحمة. قالوا: نظرنا في ملكوت الله جل وعلا ورأينا هكذا، ورأينا البشر ورأينا الحيوانات ورأينا النباتات ورأينا ورأينا ورأينا ورأينا كل شيء قد خص بأمور يختلف فيها عن الآخر، فالإنسان خص بأمور والحيوان خص بأمور والنبات خص بأمور إلى آخر ذلك. وهذا التخصيص يدل على إرادة، أي أن الله جل وعلا أراد ذلك، لما جعل كل مخلوق نعم على شيء يخصه، لم يجعل الآخر عليه، هذا يدل على إرادة، وأن الله أراد ذلك، وعطلوا الرحمة ولم يثبتوا صفة الرحمة. نقول: سبحان الله، وهذه الأمطار النازلة من رب العالمين جل وعلا، وهذه الرحمة التي يتراحم بها الخلق، وهكذا الأمور، ألا تدل على رحمة الله؟ هذا أظهر وأبين، هذا أظهر وأبين من إثبات صفة الإرادة بالعقل، أعظم أولى إثبات صفة الرحمة والحكمة بالعقل أظهر وأبين من إثبات صفة الإرادة. لكنهم كما سمعتم يتناقضون، يثبتون صفة الإرادة التي ربما لا يثبتها بالعقل إلا من كان مثلهم، والرحمة ربما حتى العامي إذا قلت له: أليست هذه الرحمة في ملكوت الله جل وعلا تدل على اتصاف الرب جل وعلا بالرحمة؟ يقول: بلى، نعم، لكن ربما يتقول له: هذه المخلوقات تختلف فيما يتعلق فيما بينها، وكذا وكذا، وهذا يستلزم إرادة، هذا ربما لا يظهر له إلا بشيء من التكلف والتدقيق. وخلاصة هذا الفصل أن المؤلف يقرر ويكرر فيه أن الاعتماد فيما ينفى عن الله جل وعلا، وجعل الضابط في هذا نفي مجرد التشبيه، فإنه لا يصح؛ لاختلاف الناس في نفي التشبيه. فعند المعتزلة نفي الصفات، وعند الأشاعرة كذلك نفي صفة العلو، ونفي الصفات الذاتية والصفات كذلك الفعلية، ولذلك الضابط كما تقدم في أول الفصل الذي كره المؤلف قبل هذا. لذلك قال: وعلى هذا فالضابط الصحيح فيما ينفى عن الله تعالى ما سبق في أول القاعدة، والذي سبق في أول القاعدة: أن الضابط فيما ينفى عن الله جل وعلا أن ينفى كل نقص وعيب عن الله جل وعلا، الثاني أن ينفى كل نقص في كماله جل وعلا، والثالث أن تنفى مماثلته عن المخلوقين فيما هو من خصائصه جل وعلا. أما أن نقول: الضابط ما ينفى عن الله جل وعلا نفي التشبيه، فهذا لا يصح، وليس أيضا قد دلت عليه الأدلة، بل ما من شيء لو بينهما وجه شبه كما تقدم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبركاته على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.