الدرس في التعليق على الجواب الكافي 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل مفهوم اليقين وأثره على سلوك الإنسان، حيث يطرح تساؤلا حول التعارض بين اليقين بالآخرة والتخلف عن العمل، ويبين أن اليقين الحقيقي يدفع الإنسان للعمل.
يشرح هذا الفصل تفاوت اليقين والعلم بين الناس وأثر ذلك على عملهم، مستدلا بقصة إبراهيم عليه السلام وحديث "ليس المخبر كالمعاين".
يتناول هذا الفصل أسباب تفاوت الناس في الإيمان، ويبرز أهمية اليقين والصبر في تحقيق المكانة الدينية الرفيعة، مستندا إلى أقوال السلف وتوجيهات شيخ الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. من بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: بعدما ذكر الاختيار بالدنيا والشبه التي يلقيها الشيطان على بعض أصحاب الدنيا، يمكن أن الدنيا نقد والآخرة نسيئة، أو يقول بعضهم: درة موقوذة ولا درة موعودة، بعضهم يقول: لذات الدنيا مؤكدة ولذات الآخرة مشكوك فيها، ولا أدعو اليقين للشك. كل هذا باطل، قد رد المؤلف رحمه الله تعالى على هذه الشبه، ثم قال رحمه الله: فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار، ويتخلف العمل؟ أنا الآن أضع سؤالًا، أنا يقول: كيف يجتمع أن الإنسان يكون على يقين أو تصديق عنده وعلم جازم أنه لا شك في وجود الجنة والنار، وأن الله عز وجل أعد هذه الجنة للمتقين وأعد هذه النار للعاصين والمخالفين، ثم يتخلف عن العمل؟ أنا لا أسارع في العمل، بل يأتي بالمعاصي وغيرها. فقال رحمه الله: وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه ويشد عقوبته، أو يكرمه ويتم كرامته، ويبيت ساهيًا غافلًا، لا يتذكر موقفه بين يدي الملك ولا يستعد له ولا يأخذ له أهبته؟ أن الإنسان موعود على إما ثواب وإما عقاب عند ملك من ملوك الدنيا، فهل سيهتدي له؟ ولهذا لما كان السلف عندهم يقين في القلب والعمل كذلك، كان أحدهم بهذا الأمر، ما قال أبو حازم رحمه الله: كان يقول: ذكر النار ذهب بالنوم عني. وهكذا كان يقول سليمان بن يسار، وسفيان الثوري وغيرهم. كان سفيان يتقلب طول الليل في فراشه لا ينام، وهذا لأجل أنهم قد دخل اليقين في قلوبهم، رحمهم الله، وصاروا يرون ذلك كأنه عيانًا، يرون ثواب الله وعقابه كأنه عيانًا معاينة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنا نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار، فكأنما نراها رأي عين، كأنها عندنا نراها». وهذا لشدة اليقين. قال قيل هنا: يقول المؤلف رحمه الله: كيف يجتمع التصديق الجازم بالمعاد ثم يتخلف العمل؟ ثم قال: وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه ويشد عقوبته أو يكرمه ويتم كرامته ويبيت ساهيًا غافلًا؟ هذا لا يكون، هذا غالبًا في الطباع البشرية أن الإنسان إذا كان سيقابل ملكًا من ملوك الدنيا فإنه يتهيأ لذلك، بل لا يأتيه النوم، يحضر الكلام ويحضر كذا. فقال قيل: هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر الخلق، فاجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء. وهذا التخلف له عدة أسباب على التخلف عن العمل بعد هذا اليقين. غالب أهل الإيمان عندهم يقين جازم أو عندهم تصديق جازم وعلم بوجود الجنة والنار، وأن الله أعدهما لأعد الجنة للمتقين وأعد النار للكافرين، فلهذا لكن تجد العمل ليس بذاك، ليس بذاك العمل الذي يدلك مثلًا يدلك هذا العمل على رجل عنده موعد لشيء عظيم. فقال: هذا من أعجب الأشياء، لكن هذا التخلف له عدة أسباب، أحدها ضعف العلم وانقاص اليقين. ومن ظن أن العلم لا يتفاوت فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها، أن العلم نفسه يتفاوت، ليس الناس كلهم سواء في العلم، وكلما تقرب العبد بالعلم إلى الله جل وعلا وعلم صفات الله سبحانه وتعالى وما عده الله عز وجل كان أكثر علمًا من غيره، كان أكثر خشية من غيره، فالعلم ثمرته الخشية. قالوا: انقاص اليقين أيضًا اليقين يختلف عند الناس، فليس اليقين عند الناس سواء، ليس كلهم سواء في اليقين، فيختلفون فيما بينهم، فمنهم من يكون عنده اليقين أقل من غيره، فلهذا تجد أن يقين الأنبياء غير يقين غيرهم. قال رحمه الله تعالى: وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عيانًا بعد علمه بقدرة الرب على ذلك ليزداد طمأنينة ويصير المعلوم غيبًا شهادة. من إبراهيم عليه الصلاة والسلام نبي الله إبراهيم لم يكن عنده شك، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، يعني لو كان إبراهيم شك فنحن أحق به، ولكن ليس هذا شكًا من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإنما أراد أن يزيد المعلوم غيبًا شهادة، على كأنه معنى يجعله شهادة لا غيب حتى يكون اليقين أعظم. فقال: قد سأل إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه إحياء الموتى عيانًا بعد علمه بقدرة الرب على ذلك ليزداد طمأنينة، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: وقد روى أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس المخبر كالمعاين»، ليس المخبر كالمعاين، المخبر الذي أخبر بشيء ليس هو كالذي يعاينه، معنى لا يستوي من يعلم الشيء بطريق الرؤية ومن يعرفه بإخبار الناس، وهذا الحديث حديث صحيح رَجَوَ أحمد، وكذلك أبو داود والنسائي من طريق هشيم عن حصين عن عكرمة عن ابن عباس، وهذا إسناد صحيح، هشيم عن أبي جعفر الرازي عن عكرمة عن ابن عباس، وإسناد صحيح على شرط الشيخين. وجاء في لفظ أبي داود: «ليس الخبر كالمعاين»، ولما أخبر الله عز وجل موسى، لما قال الله عز وجل لموسى أخبره بقومه لما اتخذوا العجل لم يلق الألواح، فلما رآهم ألقى الألواح، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا مثالًا. بعضهم يقول: إن هذا بقية الحديث من كلام ابن عباس، لكن قد جاء بالسند الصحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ليس الخبر كالمعاين»، ثم ذكر قصة موسى لما أمره الله عز وجل أو لما أخبره الله وخبر الله عز وجل يقين وصدق، ومن أصدق من الله حديثًا؟ فلما أخبره الله عز وجل بما حصل لبني إسرائيل بعده لم يلق الألواح، معنى لما اتخذوا العجل، لكن لما رآهم غضب وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه. فهل معنى كان في شك من كلام لا؟ لا، وإنما الخبر ليس كالمعاينة، فالمعاينة أعظم يقينًا من الخبر، وتفاعل الإنسان عندما يرى شيئًا يقينًا ليس كالذي يخبر به. قال: فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضادهم، أن يغفل عن هذه الأمور، وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوى. ولهذا كما قلنا: السلف رحمهم الله لما كان عندهم شدة يقين وعندهم يقين عظيم، فكان أكثر وقتهم في ذكر الله جل وعلا، وكذلك فيما ينفع الإنسان في آخرته، إما علم وإما عبادة، فأنا تجد أنه إما في علم في حديث في كذا، وإما في عبادة لا غير. قال ابن المبارك: كنا نجلس إلى سفيان الثوري، قال: وكأن النار عندنا كأن النار موجودة الآن عندنا عنده، أي من كثرة بكائه وكثرة خوفه. وما كانوا يعرفون كما قال خالد بن معدان: ما كنا نعرف من سفيان إلا «حدثنا وحدثنا»، معنى ما نسمعه يتكلم بشيء إلا «حدثنا»، أي أنه كان أكثر كلامه في الحديث. ثم يأتيه معنى الأشياء العوارض التي تجعله يغفل، وهي غلبات الهوى واستيلاء الشهوة وتسويل النفس وغرور الشيطان واستبطاء الوعد وطول الأمل ورقدة الغفلة وحب العاجلة ورخص التأويل وإلف العادة، معنى الذي اعتاده من الأمور التي مثلًا مثل ملاعبة الزوجة، ملاعبة الأطفال، وغيرها من هذه الأشياء، وقد تكون مباحة، وقد تكون أيضًا محرمة أحيانًا في بعض الأشياء التي ألفها واعتادها، فتجد هذه الأمور تجعله يغفل عن الدار الآخرة. قال: فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا. وبهذا السبب اتفاوت الناس في الإيمان والأعمال حتى ينتهي إلى أدنى متقال ذرة في القلب. قال رحمه الله: وجماع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر، ضعف البصيرة والصبر، وضعف البصيرة التي تكون في القلب عن ضعف الإيمان، قالوا: لهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين وجعلهم أئمة الدين، فقال جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. كما قال شيخ الإسلام: فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. فهذا ما ذكره المؤلف هنا، فنكتفي به، والله تعالى أعلم.