الدرس في التعليق على الجواب الكافي 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول تحذير إمام القيم من الغرور بالدنيا وآثارها السلبية على الآخرة، ويرد على مزاعم الذين يفضلون الدنيا على الآخرة. يبين أن الدنيا قليلة ولا تقارن بالآخرة.
يشرح ضآلة الدنيا مقارنة بالآخرة، ويحث على تفضيل الآخرة والعمل لها بدلاً من الانغماس في الدنيا الفانية. يبين أن من يعمل للدنيا فقط يختار شيئاً حقيراً زائلاً.
يشرح كيف أن خلق الإنسان دليل على ربوبية الله وتوحيده، وأن الإيمان بالله يتطلب الإيمان بقدرته وعلمه وإرادته. يبين أن إهمال عبادة الله دليل على اغترار الإنسان بالدنيا أو الشيطان.
يختتم الشيخ الدرس ويشير إلى أنه سيكمل الموضوع في الدرس اللاحق بإذن الله تعالى. يكتفي بما تم شرحه حتى الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله تعالى في صدد كلامه في كتاب الجواب الكافي في الرد على بعض الشبه التي يثيرها أهل المعاصي ويتحججون بها، من ذلك اقترارهم بالدنيا، فقال رحمه الله: فصل، وأعظم الخلق غرورا من اغتر بالدنيا وعاجلها فآثرها على الآخرة، ورضي بها من الآخرة، حتى يقول بعض هؤلاء: الدنيا نقد والآخرة نسيئة، والنقد أحسن من النسيئة، أن الدنيا نحن نراها ونعيش فيها، أما الآخرة فهي شيء مؤخر. هكذا يقولون، ويقول بعضهم: درة منقودة ولا درة موعودة، ويقول آخر منهم: لدات الدنيا متيقنة، ولدات الآخرة مشكوك فيها، ولا أدع اليقين بالشك. هذا كله باطل، سيرد المؤلف رحمه الله على هذه المزاعم. قالوا: هذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله، والبهائم العجم أعقل من هؤلاء. ولهذا ربنا جل وعلا شبه الكفار الذين اغتروا بالدنيا، شبههم بالبهائم: ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾، غفلوا في هذه الحياة، ظنوا أنهم مخلدون في هذه الحياة. قال: فإن البهيمة إذا قافت مضرة شيء لم تقدم عليه ولو ضربت، أنا لو البهيمة أي بهيمة كانت إذا قافت مضرة شيء خافت منه لم تقدم عليه ولو ضربت لأجل أن تقدم، فهي تتأخر. وأولئك يقدم أحدهم على عطبه، وهو بين مصدق ومكذب، أنا على عطبه على ما يفسده وما يهلكه. قال: فهذا الضرب إن آمن حددهم بالله ورسوله ولقائه والجزاء، فهو من أعظم الناس حسرة؛ لأنه أقدم على علم. أنا إذا كان مؤمنا بالله ورسوله ثم أقدم على هذه الأشياء، وهو يعلم أن هذه مهلكة له، فهذا قال: أعظم الناس حسرة؛ لأنه أقدم على علم. رأيت من اتخذ إلهه وهواه وأضله الله على علم، أنا الذي يكون على علم أعظم ممن يكون جاهل، الذي يضل على علم يكون أعظم إثما وأعظم جرما ممن هو جاهل. قال: وإن لم يؤمن بالله ورسوله فأبعد له. قال: وقول هذا القائل: «النقد خير من النسيئة»، جوابه: إذا تساوى النقد والنسيئة فالنقد خير، وإن تفاوت وكانت النسيئة أكثر وأفضل فهي خير. فكيف والدنيا كلها من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة؟ أنا لا تقارن الدنيا بالآخرة أبدا؛ لأن الدنيا شيء قليل جدا بالنسبة للآخرة. قال: كما في مسند الإمام أحمد والترمذي من حديث مستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع». إذا أدخل شخص إصبعه في البحر فماذا يأخذ من البحر؟ فالدنيا في الآخرة مثل هذا: مثل الذي يدخل إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع. وهذا الحديث كما ذكر المؤلف رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهم إسناد صحيح من طريق قيس بن أبي حازم عن المستورد بن شداد رضي الله عنه. قال: فإثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل. وإذا كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة؟ أن هذا إذا كانت الدنيا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم، أن هذه القطرة التي يأخذها من البحر هي مثل الدنيا بالنسبة للآخرة، فكيف بالنسبة لعمر الإنسان في هذه الحياة؟ أن في هذه القطرة أيضا عمره قليل. قال: فأيما أولى بالعاقل إثار العاجل في هذه المدة اليسيرة وحرمان الخير الدائم في الآخرة، أم ترك شيء صغير حقير منقطع عن قرب؟ أن هذا الدنيا حقيرة وشيء زائل ومنقطع، فكيف يستأثر الإنسان بالمنقطع على الدائم؟ قال: ليأخذ ما لا قيمة له ولا خطر له، ولا نهاية لعدده ولا غاية لأمده. فالدار الآخرة هي الحيوان وهي دار القرار، وهي الدار الحقيقية للناس. قال: فأما قول الآخر: «لا أترك متيقنا لمشكوك فيه»، فيقال له: إما أن تكون على شك من وعد الله ووعيده وصدق رسله، أو تكون على يقين من ذلك. فإن كنت على يقين من ذلك، فما تركت إلا ذرة عاجلة منقطعة ثانية عن قرب لأمر متيقن لا شك فيه ولا قطاع له. وإن كنت على شك، فراجع آيات الرب تعالى الدالة على وجوده وقدرته ومشيئته ووحدانيته وصدق رسله فيما أخبروه به عن الله، وتجرد وقم لله ناظرا أو مناظرا. قال: ومن هذا الباب أنهم ابتدأوا بالمعاصي وقالوا: إننا نتمتع في هذه الحياة؛ لأنها أمر متيقن وشهوتها متيقنة ولذتها متيقنة. ثم إنهم بعد ذلك اعتقدوا أنه لا يعتقد إلا بما كان يراه الإنسان أو يسمعه، حتى جاء بعض أهل الحجج وقالوا: «لا إله والحياة مادة». أنا ما يؤمنون بأحد أو بشيء إلا ما يرونه أمامه، أما الغيبيات لا يؤمنون بها. وهذا من تسويل الشيطان ومكر اليهود بالناس. قال: وإن كنت على شك فراجع آيات ربك تعالى الدالة على وجوده وقدرته ومشيئته ووحدانيته وصدق رسله فيما أخبر به عن الله، وتجرد وقم لله ناظرا أو مناظرا، حتى يتبين لك أن ما جاءت به الرسل عن الله فهو الحق الذي لا شك فيه، وأن خالق هذا العالم ورب السماوات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزه عن خلاف ما أخبرت به رسله عنه. ومن نسبه إلى غير ذلك فقد شتبه وكذبه وأنكر ربوبيته وملكه. قال: إذ من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليمة أن يكون الملك الحق عاجزا أو جاهلا لا يعلم شيئا ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعز من يشاء ولا يذل من يشاء. معنى ذلك: إذا كان يؤمن بالله عز وجل فلابد أن يؤمن بهذه الأشياء، وإلا كيف يكون إله وملك وهو عاجز عن هذه الأشياء؟ وهو يؤمن بأن بيده الأمر، مثل ما كان يؤمن الكفار يؤمنون أن الله عز وجل بيده الأمر، ومن بيده الأمر فسيقولون: الله، لكنهم يصرفون العبادة لغيره؛ لأنه ما أدركوا ما أدركوا معنى هذه الأربوبية التي جعلها الله عز وجل في عباده. قال: ومن أدرك ربوبية الله جل وعلا أدرك هذه الأمور، وأن الله عز وجل يأمر وينهى سبحانه وتعالى، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، وجعل ربنا سبحانه وتعالى ثوابا وعقابا. قال: ولا يرسل رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها، ولا يعتني بأحوال رعيته، بل يتركهم سدى ويخليهم هملا. وهذا يقدح في ملك أحقر ملوك البشر، ولا يليق به، فكيف يجوز نسبة الملك الحق المبين إليه؟ قالوا: إذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه مطفى إلى كماله واستواءه، تبين له أن المنعم به هذه العناية ونقله في هذه الأحوال وصرفه في هذه الأطوار لا يليق به أن يهمله ويتركه سدى. أن الله عز وجل خلق الإنسان من نطفة، ثم جعله مراحل، وجعله أيضا كذلك مراتب حتى صار رجلا مستويا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿خلقه من نطفة فإذا هو خصيم مبين﴾. ثم قال مجاهد: يخاصم ربه ويجادل ربه. أنا جعله الله عز وجل شابا قويا مخاصما مجادلا، فخاصم الله عز وجل واعترض على الله بعدما خلقه وسواه: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك﴾. قال رحمه الله: لو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لا يبصره دليلا له على التوحيد والنبوة والمعاد، وأن القرآن كلامه. قد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب إعجاز القرآن، عند قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم﴾. وذكرنا طرفا من ذلك عند قوله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾. لكل هذه دلالة تدل على وحدانية الله جل وعلا ويقين ما وعد الله عز وجل به. قال: وأن الإنسان دليل على وجود خالقه وتوحيده وصدق رسله وإثبات صفات كماله. قال: فقد بان أن المضيع مغرور، على التقدير تقدير تصديقي ويقينه، وتقدير تكذيبي وشكه. معناه: أنه على الأمرين فهو مغرور، أنه اغتر بالشيطان أو اغتر بالدنيا أو اغتر بشيء جعله يفعل مثل هذا الكلام. بقي في الموضوع بقية، إن شاء الله تعالى، نتركه في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا.