التعليق على تقريب التدمرية 53

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 53، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

رد مذهب التفويض في صفات الله وبيان خطئه

يبيّن المؤلف بطلان قول المفوضة الذين يزعمون أن معاني الصفات مجهولة إلا لله، موضحاً أن السلف أثبتوا المعاني وفوضوا الكيفية فقط. وينقل عن ابن تيمية أن هذا القول يؤدي إلى تعطيل تدبر القرآن، ويناقض هداية الأنبياء، ويفتح باب الإلحاد والبدع.

بطلان مذهب التفويض ولوازمه الفاسدة على القرآن والأنبياء

يبيّن المقطع فساد قول أهل التفويض الذين يزعمون أن معاني نصوص الصفات مجهولة، مبيناً أن هذا القول يستلزم القدح في القرآن والأنبياء والرب تعالى. ويرد المؤلف على تقسيم الأشاعرة إلى مؤولة ومعطلة ومفوضة، موضحاً أن كلا الطريقين يؤدي إلى تعطيل نصوص الوحي وتحريف معانيها.

مناقشة موقف المعطلة والمفوضة وتصحيح رواية الإمام أحمد

يبيّن المقطع أن من أوهمت لهم نصوص الصفات التشبيه سلكوا إما التأويل المعطّل وإما التفويض، وزعموا أن هذا مذهب السلف. ثم يناقش رواية «لا كيف ولا معنى» المنقولة عن الإمام أحمد، موضحاً أن الثابت عنه «لا كيف ولا حد»، وأن «لا معنى» إن صحت فمرادها رد المعنى الفاسد لا نفي المعنى الصحيح.

انتفاء الدليل الشرعي للمسألة ونقل مقالة الإمام أحمد

ينفي المقطع وجود دليل شرعي للمسألة المطروحة من القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة. ويشير إلى أن مقالة الإمام أحمد رحمه الله تضمنت هذا الموقف المنفي للدليل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: تتمة. قال: بهذا التقرير الذي تبين به أنه لا يمكن أن يكون في القرآن شيء لا يعلم معناه إلا الله، يتبين بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني الصفات، عندي في النسخة: «يفضون» وهو خطأ، الصواب: «يفوضون» بزيادة الواو بعد الفاء المشددة، الذين يفوضون علم معاني الصفات، وبعض النسخ: «معاني آيات الصفات»، ويدعون أن هذا هو مذهب السلف، وقد ضلوا فيما ذهبوا إليه، وكذبوا فيما نسبوه إلى السلف، فإن السلف إنما يفوضون علم الكيفية دون علم المعنى، وقد تواترت النقول عنهم بإثبات معاني هذه النصوص إجمالا أحيانا وتفصيلا أحيانا، فمن الإجمال قولهم: «أمروها كما جاءت بلا كيف»، ومن التفصيل ما سبق عن مالك في الاستواء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله» إلى أن قال: «فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه، لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه. قالوا: معلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذا كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقا لكل شيء وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهي ووعد وتوعد، أو عما أخبر به عن اليوم الآخر، لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين. وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيه وعقله، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، ولا يعلم أحد معناه، لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سدا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحا لباب من يعارضهم، ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء، لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلا عن أن يبينوا مرادهم. فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد». انتهى كلامه رحمه الله. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل هذه التتمة بعد أن بين في الفصلين السابقين ما يتعلق بما جاء في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، مما أخبر الله جل وعلا به عن نفسه في كتاب، أو على لسان رسوله، مما أخبر فهي معلومة باعتبار، مجهولة باعتبار آخر: معلومة باعتبار المعنى، ومجهولة باعتبار الكيفية. ثم ذكر في هذه التتمة التي ألحق بها الفصلين السابقين اللوازم الباطلة التي تكون وتترتب على قول أهل التفويض، الذين ادعوا أن القرآن لا يعلم معناه، وأن النصوص الواردة في كتاب الله التي فيها الإخبار عن صفات الله جل وعلا هي غير معلومة المعنى. على هذا القول تترتب لوازم باطلة وفاسدة: القدح في القرآن، والقدح في الأنبياء، والقدح في رب العالمين جل وعلا. القول هذا يستلزم القدح في الله سبحانه وتعالى: كيف يخاطب أناسا بكلام لا يفهمون معناه؟ خاطبهم بألغاز، إذن خاطبهم بكلام لغو، إذن لا فائدة منه لأنه غير معلوم المعنى، كالذي يسمع كلاما لا يعي معناه، فما فائدة ذلك الكلام؟ لا فائدة من ذلك الكلام. فهذا يدل على عظيم وشناعة قول أهل التفويض. ولذلك ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه التتمة في هذا الفصل يبين فساد قول أهل التفويض الذين يزعمون أن هذا هو الحق، وليتهم اكتفوا بذلك، بل الأدهى من هذا أنهم نسبوا هذا إلى مذهب السلف، وقالوا: هذا هو منهج السلف، يعني: هذا منهج الصحابة ومنهج التابعين وغيرهم، أنهم يفوضون معاني نصوص الصفات، فيقولون: فلا يثبتون معنى لهذه الصفات، وإنما يقولون: الله أعلم، كما زعم هؤلاء. فقال رحمه الله تعالى: بهذا التقرير الذي تبين به أنه لا يمكن أن يكون في القرآن شيء لا يعلم معناه، أو لا يعلم معناه إلا الله، يتبين بطلان مذهب المفوضة. والمفوضة هم أهل التفويض الذين يفوضون علم الكيفية وعلم المعنى. ولماذا يفوضون؟ لأنهم زعموا أن الظاهر من نصوص الصفات يستلزم أو يقتضي التشبيه، يقتضي التشبيه: صفة الوجه، وصفة اليدين، نعم وغيرها من الصفات، أنها إذا أثبتت تستلزم التشبيه، وأن ظاهر هذه النصوص يستلزم التشبيه. فانقسم الأشاعرة على فريقين: فريق سموا أنفسهم أهل تأويل، وهم أهل تعطيل لأن تأويلهم لا دليل عليه، والتأويل الذي لا دليل عليه تحريف وتعطيل. والصف الثاني: أهل التفويض، فقعدوا قاعدة ردوا بها نصوص الصفات، قالوا: كل نص أوهم تشبيه، أوله أو فوضه رد تنزيها. كل نص أوهم تشبيه، ماذا تفعل؟ إما تؤول هذا النص، والتأويل عندهم تعطيل، تحريف للمعنى وتعطيل للمعنى الحقيقي الذي تدل عليه لغة العرب، فأثبتوا معاني بعقولهم لا بأدلة الكتاب والسنة، أو فوضوا، فوقعوا بين التعطيل والتفويض. وعندهم النصوص هذه كلها تقتضي التشبيه، إذن يبقى وجه ربك عندهم نص أوهم تشبيه، نص هذا في كتاب الله يوهم التشبيه، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام نص يوهم تشبيه. إذن ما العمل؟ العمل إما التأويل وهو التعطيل، وإما التفويض. ما هو التأويل الذي ذهبوا إليه؟ قال: المراد إرادة الثواب، إرادة الثواب، فلم يثبت لله جل وعلا وجها يليق بجلاله سبحانه وتعالى موصوفا بالجلال والإكرام، وإنما قالوا: إرادة الثواب، والمعتزلة يقولون: الثواب. وأما التفويض فقالوا: الله أعلم، هذا لا يعلم، لا يعلم معنى نصوص هذه الصفات، ولا علم لأحد بها، فإذن فوضوا، فلم يثبتوا معنى لهذه الصفات على ما دلت عليه اللغة العربية، وعلى ما فهمه النبي عليه الصلاة والسلام وعلمه أصحابه، وفهمه أصحابه وعلموه من بعدهم، وإنما وقعوا في هذين الأمرين: إما التعطيل الذي سموه تأويلا، وإما التفويض. وزعموا أن هذا هو السلامة: أن تفوض معاني نصوص الكتاب والسنة، ونسبوا ذلك إلى السلف، وقالوا: هذا هو مذهب السلف، كانوا على هذا، أي أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين يفوضون الكيفية ويفوضون المعنى. وربما استدلوا ببعض أقوال الأئمة، مثل ما نقل مثلا على إمام أحمد رحمه الله فيما نقله ابن قدامة رحمه الله في اللمعة، أنه نقل على إمام أحمد أنه قال: «لا كيف ولا معنى، لا كيف ولا معنى»، أي: نؤمن بهذه الصفات وهذه النصوص الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام: لا كيف ولا معنى، أي لا إثبات للكيف ولا إثبات للمعنى. هذا نقل على إمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية نقلها عنه حنبل بن إسحاق رحمه الله، وحنبل بن إسحاق تفرد بغرائب عن إمام أحمد رحمه الله خالفه فيها غيره ممن نقل على إمام أحمد شيئا في هذا الباب. وإلا فاللفظة المذكورة في شرح أصول الاعتقاد للالكائي رحمه الله عن الإمام أحمد، وهي الثابت الذي لا إشكال فيها، أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: «لا كيف ولا حد، لا كيف ولا حد»، ليس «لا كيف ولا معنى»، وإنما «لا كيف ولا حد». ومعنى «لا كيف ولا حد»: يعني لا تحد صفات رب العالمين جل وعلا بحد، أو تمثل بمثلية، وتكيف بكيفية. وعلى حمل صحة هذه الرواية مثلا فإنها توجه «لا كيف ولا معنى»، فكما قال أهل العلم: أراد الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن يرد على طائفتين: الطائفة الأولى هم الممثلة المكيفة الذين يمثلون صفات الخالق بصفات المخلوقين ويكيفون صفات الخالق بصفات المخلوقين، وبقوله: «ولا معنى» الرد على أهل التعطيل الذين لا يثبتون المعنى الصحيح الدال الذي دلت عليه النصوص بمقتضى لغة العرب، وإنما أثبتوا معاني أخرى لا دليل عليها، أي: «ولا معنى» ذلك المعنى الفاسد، ذلك المعنى الفاسد الذي لا دليل عليه، لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من كلام أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فتضمنت مقالة الإمام أحمد رحمه الله تعالى