شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 15

شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 15

الدرس في شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف التيمم وأسبابه وأدلة مشروعيته

يُعرّف التيمم لغةً واصطلاحاً كنوع ثانٍ من الطهارة وبديل للماء عند تعذره لفقده أو خوف ضرر، مستنداً إلى آية التيمم وأحاديث عائشة وعمرو بن العاص. تُذكر شروطه الأساسية من النية والتسمية وضرب التراب مرة واحدة مرتبة.

صفة التيمم الصحيحة وكيفية أدائه

يُبيّن كيفية التيمم المستندة لحديث عمار بن ياسر: ضربة واحدة باليدين على تراب طاهر ثم مسح الوجه واليدين إلى الكوعين مع تقديم الوجه والبدء باليمين. يُشترط عدم الماء أو الخوف من ضرره وطهارة التراب، مع ذكر خلاف في التيمم بغير التراب.

أقوال العلماء في مادة التيمم والترجيح

يُستعرض قولان: الأول يقصر التيمم على التراب فقط (الشافعية والحنابلة)، والثاني يجيز بكل ما صعد على وجه الأرض (الحنفية والمالكية وابن باز والألباني وابن عثيمين). يُرجح الأخذ بالقول الأول احتياطاً عند وجود التراب، والثاني عند الضرورة.

اختلاف الروايات في كيفيتي النفخ والضرب

تذكر الروايات طريقتين مأثورتين: النفخ في اليدين والضرب بهما، فقد ورد النفخ في حديث عمار بينما جاءت روايات أخرى تذكر الضرب. يدل ذلك على جواز الأخذ بأي الكيفيتين.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم. السلام عليكم وعلى آله وصحبه، رمه رمه رمه رمه رمه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب التيمم. والتيمم في اللغة: القصد. يممت الشيء أي قصدته. واصطلاحا: هو التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين به. التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين به. ويذكر التيمم في باب الطهارة لأنه بدل من الوضوء أو الغسل كما سيأتي معنا. قال: وهو النوع الثاني من الطهارة. النوع الأول: الوضوء أو الغسل. والنوع الثاني من الطهارة: التيمم، وهو بدل. قال: وهو بدل عن الماء إذا تعذر استعمال الماء لأعضاء الطهارة أو بعضها. وقوله: "أو بعضها" يعني: غالب العضو. تعذر استعمال الماء لغالب العضو. مثاله: إنسان عنده يبس في يده، يد هذا كلها فيها يبس، والماء يضره، يضره الماء، ما يستطيع يمس الماء. وهنا ينتقل إلى التيمم. هذا يمم لأن بعض أعضاء الوضوء، بعض أعضاء الوضوء لا يمكن أن يمسها الماء. واضح؟ وأما استعمال الماء لأعضاء الطهارة كلها، هذا يكون مثلا في حال البرد الشديد وما عنده ما يسخن به الماء، فهنا يتعذر له أن يستعمل الماء في جميع أعضاء الطهارة، في جميع أعضاء الطهارة. إذن ما مثال تعذر استعمال الماء لأعضاء الطهارة؟ عند البرد الشديد. أو بعضها؟ عند يعني وجود جرح أو نحوه في عضو من الأعضاء، أعضاء الطهارة. فهنا ينتقل إلى التيمم، ينتقل إلى التيمم. كما مر معنا لو تذكرون في الدرس الماضي فيما يتعلق بالجبيرة في الدروس الماضية: قال: "لعدمه أو خوف ضرر باستعماله". يعني: لماذا يتعذر استعمال الماء؟ لأمرين اثنين. طيب، يتعذر استعمال الماء لأمرين اثنين: لعدمه. تريد أن تغتسل أو تريد أن تتوضأ، ما يوجد عندك ماء. فهنا تنتقل إلى التيمم. ودليل ذلك الآية، وسيدكرها المؤلف من أدلة هذا الباب، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. فقولوا: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعني: معدوم الماء. فلا تصلي بغير طهارة، تنتقل إلى البدل، بدل الماء وهو التراب. التراب تتيمم بالتراب. هذا دليله. ودليله كذلك حديث عائشة في سبب نزول آية التيمم: كانوا في سفر، كانوا في سفر، فضاء عقد لها، فحبست الناس لأنهم يبحثون عن عقدها ولا يوجد ماء. فنزلت آية التيمم. الحديث يفسر الآية، الحديث يفسر الآية. فتيمم الصحابة لعدم وجود ماذا؟ الماء. ﴿فَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. نزلت هذه الآية حتى قال الصحابة: "ما هي أول بركتكم يا آل محمد، يا آل محمد؟" أي أن هذه الرخصة يسرت على المسلمين، وإلا كانوا يعني يشق عليهم البحث على الماء وكذلك استعمال الماء. فهذا دليله الآية والحديث. وأما قوله: "أو خوف"، أو خوف ضرر، ضرر باستعماله. المراد بالضرر: كالمرض أو البرد أو الخوف. كل هذا يكون فيه ضرر. فالمرض، فالمرض مثلا: عندك حمى أو عندك مرض في يدك، جرح، جرح عميق أو نحو ذلك، أو حريق. الحريق لا لا لا يمكن أن يمس صاحبه الماء، يزيد، يزيد المرض، يتضرر. فهنا له أن يتيمم. والبرد الشديد: لأن لو استخدم الماء البارد لربما مرض، بل لربما مات، لربما مات. وهذا يشترط فيه أن لا يجد ما يسخم به الماء. برد شديد والماء بارد وما عنده ما يسخم به الماء. أما إذا عنده ما يسخم به الماء، وجب عليه التسخين، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهو واجب. هذا هو مثال البرد. الخوف: بينك وبين الماء عدو. عندك الماء لكن هناك عدو، أو امرأة تخشى على نفسها من الرجال أن تقع في الفتنة أو نحو ذلك. فالخوف هذا يجيز لها أن تتيمم، ولا تعرض نفسها للضرر، لا تعرض نفسها للضرر. ودليل ذلك آيات عامة، منها قول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فمن الحرج أن تتوضأ وعندك مرض فيزيد مرضك. ومن الضرر أن تتوضأ والبرد شديد والماء قارس لا تستطيع أن تتحمل برودته. فهذا من الحرج. ومن الحرج كذلك أن تعرض نفسك للقتل من قبل عدو نحو ذلك. وأيضا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. هذه كلها الآيات فيها التيسير، ومن التيسير الانتقال من الغسل أو الوضوء إلى التيمم عند خوف مرض أو برد أو عدو. وهناك أيضا دليل خاص في السنة، رواه أبو داود من حديث عمر بن العاص رضي الله عنهما، أنه كان في غزوة ذات السلاسل، وكان أميرا على الجيش، فأجنب، يعني صابته جنابة، وكان البرد شديد، فتيمم وصلى بالناس. فكأنه أنكر عليه ذلك، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أصليت بالناس وأنت جنب؟" فقال له: "يا رسول الله، تذكرت قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾". فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وسكوته إقرار، إقرار منه عليه الصلاة والسلام. إذن: أي سبب عدم اغتسال عمر بن العاص؟ البرد، البرد، شدة البرد. فمن كانت حاله كذلك فله أن يتيمم، فله أن يتيمم. هذا معنى قوله: "أو خوف ضرر باستعماله". قال: "فيقوم التراب مقام الماء". يعني: في هاتين الحالتين. بأن ينوي رفع ما عليه من الأحداث. من شروط التيمم: النية. لا بد أن تصحب النية عند التيمم، ينوي رفع ما عليه من حدث، سواء كان حدث أصغر أو حدث أكبر. هذا الشرط الأول. قال: ثم يقول: بسم الله. وهذا قلنا: الصحيح أنها سنة، مثل ما مر معنا في الوضوء. وما هو دليلها؟ دليلها الحديث الذي جاء في الوضوء، لأنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". والتيمم بدل من الوضوء، فيأخذ حكمه في هذا الأمر. قال: ثم يضرب التراب بيده مرة واحدة. لماذا قال: "يضرب"؟ أين أهل، أهل النحو عندك يا عوض؟ أنت من أهل النحو إن شاء الله. لماذا قال: "يضرب"؟ مفع المضارع الأصل أن يكون مرفوع. لماذا هنا عطف بيش؟ نعم، لأنه قال: "بأن ينوي"، ثم يقول، ثم يضرب. هذه كلها معطوفة، وأتى بثم لأن هذه الأمور على الترتيب، وثم تفيد ماذا؟ التعقيب والترتيب. تمام، تفيد التعقيب والترتيب. فهنا على الترتيب: ينوي، ثم يقول بسم الله، ثم يضرب التراب بيده مرة واحدة. ودليل ذلك حديث عمار رضي الله تعالى عنه، قال: أجنبت، فتمرغت في التراب كما تتمرغ الدابة. يظن أن يعني، وهذا فهمه، وهذا فهمه: يظن أن التيمم مثل الغسل فيه التعميم. فتمرغ فيه التراب، يعني: جعل التراب في كل جسده. تمرغ، يعني: يعني الطجع في التراب، وتقلب في التراب، يتقلب في التراب مثل ما تتمرغ الدابة. يعني: الحمار الوحشي، الحمار الأهلي. قال: ثم أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفض فيهما، ثم تمسح وجهك ويديك". متفق عليه. طيب، فإذا: يضرب التراب بيده مرة واحدة. لم يأت في الحديث، حديث عمار، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: افعل ذلك ثلاثا. قال له: "تضرب بيديك الأرض، ثم تنفض فيهما، ثم تمسح بهما وجهك ويديك"، وجهك ويديك. هذا هو المشروع، وهذا هو مذهب الجمهور: أن يكون التيمم ضربة واحدة. بخلاف من قال: أنها ثلاث ضربات مثل الوضوء. لم يرد الدليل على ذلك، بل الدليل ظاهره أنه ضربة واحدة، ضربة واحدة. وقوله: "بيده"، يعني: بيديه. يضرب التراب بيديه، هكذا تمام. يضع يديه في التراب. قال: يمسح بهما جميع وجهه وجميع كفيه. جميع وجهه وجميع كفيه. ودليل ذلك كذلك حديث عمار، والآية. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. أيديكم هنا: الآية عامة، الآية ماذا؟ عامة. لكن فسرتها ماذا؟ السنة. فسرتها السنة. لأن النبي صلى الله عليه قال لعمار: "إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تمسح بهما وجهك ويديك". وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أن تفعل هكذا"، أي: النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن تفعل هكذا، ثم مسح وجهه وكفيه، هكذا يكون صفة التيمم. وقوله هنا: "جميع وجهه وجميع كفيه"، أي: أنه يعمم المسح. ودليل التعميم: دليل التعميم الآية: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. قالوا: الباء هنا تفيد الإلصاق، الباء تفيد الإلصاق. وما يدل على الإلصاق يدل على العموم، يدل على العموم. هذا حجتهم من الآية، هذه حجتهم من الآية. وأيضا لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح جميع وجهه وكفيه، جميع وجهه وكفيه. فإذا: كيف يعني كيفية؟ كيفية التيمم: أن تضرب بيديك، طيب. وقبل ذلك: تنوي، تقول بسم الله، عند الضرب: بسم الله، مرة واحدة، تضرب، ثم تمسح وجهك. الوجه مثل الغسل في الوضوء. طيب: من منبت الشعر إلى شحمة الأذنين إلى الذقن. هذا كل الوجه. تمسح وجهك وتعمم، تحاول أنك تعمم الوجه بالمسح. ثم ذكر العلماء كذلك: أن تبدأ بمسح اليمين بالشمال، هكذا. تمسح الكف من أعلى، تمام. تمسح الكف من أعلى لأنه ورد من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. والثانية بعدها من أعلى. وهذا الترتيب في التيمم: مذهب الشافعية والحنابلة والمالكية. واستدلوا بالآية: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، فقدم ماذا؟ قدم الوجه على اليدين. قدم الوجه على اليدين. واضح؟ أيضا للحديث: حديث عمار، صلى الله عليه وسلم قال: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تمسح بهما وجهك ويديك"، وجهك ويديك. وهل يأخذ للوجه ضربة ولليدين ضربة؟ لا، لأن الحديث جاء بضربة واحدة، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "اضرب بيديك الأرض ثم امسح بها وجهك، ثم اضرب بيديك الأرض ثم امسح بها يديك". لا، فهي ضربة واحدة للوجه وكذلك لليدين. وأما دليل الابتداء باليمين: فلعموم الأدلة، منها حديث عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله". وكذلك قياسا على الوضوء، قياسا على الوضوء. فهذا السنة. يعني: لو مسح اليسرى ثم اليمنى، قلنا له: تيممك صحيح، ولكن خلاف الأولى، خلاف السنة. واضح؟ هذه هي كيفية التيمم، هذه هي كيفية التيمم. ثم ذكر: "فإن ضرب مرتين فلا بأس". وهذا قلنا: ليس عليه دليل. حتى الشارح انتقد هذا، قال: "تنبيه: الصحيح أنه لا يجوز تعمد الضربتين، لأن ذلك لم يشرعنا النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل أن يؤتى بالعبادة على وجهها من غير زيادة ولا نقصان". الله تعالى أعلم. فقول المؤلف: "فإن ضرب مرتين فلا بأس"، هذا الكلام ليس بصحيح، لأنه لم يرد عليه الدليل. ثم ذكر أدلة ما تقدم من كون الطهارة تكون عند تعذر استعمال الماء بعدمه أو بخوف ضرر. استدل بالآية في عدمه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعني: عدم الماء. وذكر حديث جابر: "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا". "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا". استدلوا بهذا الحديث على مشروعية التيمم عند عدمه، وهو حديث عام. وعند خوف الضرر: ولو ذكر حديث عمر بن العاص فهو أصرح في مسألة التيمم عند خوف ضرر باستعماله، عند خوف ضرر باستعماله، كما تقدم. والحديث عند أبي داود، ويصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. ومن العلماء من اشترط كذلك شرطا آخر في مسألة التيمم، وهو: أن يكون التراب طاهرا. يشترط طهارة ما يتيمم به، لا يكون فيه نجاسة، لا يكون فيه نجاسة. واستدل على هذا الاشتراط بقول الله عز وجل: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، صعيدا طيبا. وحديث جابر المتقدم: "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا". فكما أن المراد بـ "مسجدا" يعني: مكان للصلاة. وهل يصلى في المكان النجس؟ لا يصلى في المكان النجس. فكذلك عند التيمم: لا يتيمم من التراب النجس، لا يتيمم من التراب النجس. وهناك مسائل كثيرة ذكرها العلماء، وبعضها موضع خلاف بينهم في مسألة التيمم. من باب الفائدة لا بأس أن نذكر بعضها. فمن هذه المسائل: أولا: ما يتيمم به. الأصل أن يكون بالتراب، الأصل أن يكون بالتراب. لأن أولى ما يطلق عليه الصعيد هو التراب. في قول تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾، أول ما يتيمم به أو يطلق به عليه الصعيد هو التراب. لكن اختلف العلماء في التيمم بغير التراب، كالحجر أو الجدار. هل يجوز التيمم بالحجر أو بالجدار؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين قويين، وكل له أدلته واجتهاده. فنذكر القولين، ثم نذكر ما ظهر لنا، والله تعالى أعلم. فالقول الأول: أنه لا يجوز التيمم بغير التراب، لا يجوز إلا أن تتيمم بالتراب. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول للمالكية. وقال بهذا القول: داود الظاهري، وابن حجر العسقلاني. ودليلهم على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. فقالوا: إن صيغة "منه" تقتضي التبعيض، تقتضي ماذا؟ التبعيض. يعني: أن الأرض إذا ضربت بها يديك لا بد أن يلصق بها شيء، حتى يكون بعض هذه الأرض، حتى يكون ماذا؟ بعض هذه الأرض. فقالوا: "منه" هنا تبعيضية، تقتضي التبعيض. والتبعيض إنما يتصور في التراب، لا في الحجر ولا في الجدار. فهمتم هذا الآن؟ هذا دليل الشافعية والحنابلة. أيضا قالوا: لفظ المسح لا يتصور إلا مع التراب. كيف تمسح بشيء غير موجود في يدك؟ إنما المسح يكون بشيء، إما بماء، إما بتراب، شيء يمسح به. هذا أيضا من تعليلهم. ومن تعليلهم أيضا: قالوا: إن الصعيد لا يقع إلا على تراب ذي غبار. في قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾، تيمموا صعيدا. قالوا: الصعيد لا يقع إلا على تراب ذي غبار. وقالوا أيضا: أن الطيب لا يقع إلا في مكان النبات، لا يقع إلا في مكان النبات. يعني: في قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فـ "طيبا" هنا لا يقع إلا في مكان النبات. كما قال الله عز وجل: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، يخرج نباته بإذن ربه. فقالوا: إذن الطيب ما يقع إلا في مكان النبات. والنبات هل يطلع في الحجر؟ ها، هل يطلع في الجدار؟ لا. إذن المراد قالوا به التراب. هذا كله دليلهم من الآية، ومن الحديث، ومن الآية، ومن التعليل. هذا القول الأول. القول الثاني: وهو القول بجواز التيمم بجميع ما صعد على الأرض من أجزائها، سواء كان من تراب أو من رمل أو من حصى أو من جدار. كل ما صعد على وجه الأرض، كل ما صعد على وجه الأرض. وهو مذهب الحنفية والمالكية. وهذا القول اختاره كثير من العلماء المعاصرين: الشيخ ابن باز، والألباني، وابن عثيمين. كل هؤلاء يذهبون إلى هذا المذهب، يقولون: يجوز أن تتيمم ولو بآسارية لأنها تصعد، كل ما صعد على وجه الأرض. وما هو دليلهم؟ معهم أدلة قوية. ما هو دليلهم؟ دليلهم، وهو من أقوى أدلتهم: حديث أبي ذر الغفاري، الحارث بن الصمة الأنصاري رضي الله عنه، قال: "أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، مكان بئر يقال له جمل. قال: فلقيه رجل، فسلم عليه. جاء رجل وسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم. قال: فلم يرد عليه السلام، صلى الله عليه وسلم، ما رد على هذا الرجل السلام، حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه". يعني: تيمم. تمام. "حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام". متفق عليه. فقالوا: قوله: "حتى أقبل على الجدار"، دليل على أنه يجوز التيمم من الجدار. لكن الجمهور ردوا وقالوا: لعل الجدار من التراب. فقالوا: الحديث ليس بصريح، الحديث ليس بصريح، لا سيما وفي ذاك الزمان كانوا يبنون بأيش؟ بالتراب. طيب. واستدلوا أيضا بالآية، وقالوا: "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا". فقالوا: كل موضع جازت فيه الصلاة جاز فيه التيمم. فالصلاة تجوز في التراب وفي غير التراب، لأن التيمم قرن بموضع الصلاة. "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا"، فالأرض التي تصلى فيها هي الأرض التي يتيمم منها. هذا أيضا من أدلتهم. وكذلك جاء حديث: "إنما" في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض". ما قال: "تضرب بيديك التراب". الأرض، والأرض فيها تراب، وفيها حصى، وفيها جدران، وفيها غير ذلك. وضع هذا الآن. والأقرب والله أعلم، والأحوط: أن المتيمم في حال السعة يحرص على أن يتيمم بالتراب. ما معنى "في حال السعة"؟ يعني: عنده تراب، وعنده حجر. لا يروع عند الحجر ويترك التراب. لأن لو تيمم بالحجر، فهو قد عرض نفسه لأن ينكر عليه جمهور أهل العلم. صح، يقول له: وضوءك غير صحيح. طيب، قال: أنا يترجح لي هذا. قل: ترجح لك هذا، إيش يضرك أنك تتيمم بالتراب؟ التراب موجود، وما في خلاف. مجمع الجميع على أن التراب يجوز التيمم به، لا خلاف في ذلك. لكن الخلاف في غير التراب. ففي حال السعة: عندك تراب وغيره، فتتيمم بالتراب. لكن في حال الضرورة: مثلا، أحيانا مثلا تكون في مكان ما فيه تراب، في مستشفى ما عندك تراب، في طائرة جاء وقت الصلاة ما فيه تراب. فلك أن تتيمم، حتى ذكر العلماء: كرسي الطائرة. ولو فيه شيء من التراب القليل، أو لا يوجد فيه شيء. خيب، قد يقول القائل: هذا الكرسي هو في الجو، ليس في الأرض. لكن يقال: وأين صنع؟ صنع في الأرض. وإذا هبطت الطائرة كان في الأرض. فعند الضرورة لا بأس أن يؤخذ بقول من أجاز التيمم بغير التراب، في حال الضرورة أو في حال عدم وجود التراب. أما في حال وجود التراب، فالأحوط للمتيمم أن يتيمم بالتراب. وكما ذكرنا: الوجهان قويان، الوجهان قويان، وهي مسألة خلافية معروفة ومشهورة عند أهل العلم. وهناك مسائل أخرى وتفريعات مهمة تتعلق بالتيمم، والانتهاء الوقت، نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. تفضل، تفضل. أه، كيف ما سمعت؟ ماء البحر، ماله؟ ماء البحر هذا ستأتي معنا من ضمن المسائل. نعم، إن شاء الله نؤجلها إلى غدا. في معنا مسائل أخرى أيضا تتعلق بالتيمم. غدا نجمعها، وإذا نسينا شيء ثم تسأل إن شاء الله. تمام. قلنا: التراب فقط في الكفين، لا يبس. وين يبس؟ خلاص، يمسح على اليبس. تيمم في وجهه وكفيه، يمسح على اليبس بالتراب. يستخدم الماء؟ لا يجمع. قلنا: لم يثبت الجمع بين الوضوء وبين التيمم. إذا أمكن الوضوء يجب عليك أن تتوضأ ولا تتيمم. كأن يكون الجبس مش في أكثر العضو. هذا ذكرنا المسألة أمس: تكون في جزء من العضو، هنا تتوضأ، وهذا ما بقي على قول من قال بالمسح، تمسح عليه، وهو قول جمهور أهل العلم. فهمت هذا الآن؟ لكن إذا كان العضو كامل ما تستطيع أن تغسله، فهنا تنتقل إلى الوضوء، وتنتقل إلى التيمم، عفوا: تنتقل إلى التيمم. وتضرب بيديك، تمسح وجهك ويديك، ولو كان من فوق اليبس. واضح؟ نعم، إذا مثلا ما تستطيع تستخدم إحدى يديك، تمام. تستخدم يد واحدة وتقوم مقام اليدين، يعني: تمسح الوجه كامل بها، ثم تمسح هذا اليد. تمام. والثانية يمكن أن تمسحها باليد الأخرى إن استطعت، وإلا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. نعم، يعني: إلا إمة يمم، وإمة المم، إمة يمم، وإمة المم. لكن هو ينفخ بها، لعنى هذا النساء لا ينفخ بثمه هكذا. لما تقول به هكذا، لأنه بتأخذ تراب كثير. تمام، فينفخ فيه ما كذا، حيث أنه يخرج للتراب الزائد. هذا هو النفع. أما رواية: هكذا جاءت بعض الروايات أنك تقول هكذا، أيضا وردت هذه. تفعل إحدى الكيفيتين. لكن ورد في حديث عمار: "تنفخ فيهما" بالنفخ، وجاءت في بعض الروايات: "تضربهما" الضرب هكذا.