التعليق على تقريب التدمرية 37

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 37، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

بطلان وصف الله بالنفي المحض ولزوم كونه وصفاً للعدم

يبيّن المقطع أن وصف الله تعالى بالنفي المحض لا يثبت إلهاً محموداً بل يثبت معدوماً، لأن النفي المحض وصف للعدم لا لشيء موجود. ويستشهد بقول محمود بن سبكتكين للمعطلة في التفرقة بين ربهم والمعدوم، مبيناً فساد منهج التعطيل والتشبيه معاً.

القاعدة الثانية: وجوب الإيمان بخبر الله ورسوله

يقرر المؤلف وجوب الإيمان بكل ما أخبر به الله في كتابه أو رسوله في سنته، مستدلاً بآيات الأمر بالإيمان بالله ورسله وكتبه. ويبين أن خبر الله يتصف بكمال العلم والصدق، فيجب قبوله والتصديق به حتى لو جهل العبد معناه، ومن أنكر شيئاً منه فقد كفر.

وجوب الإيمان بنصوص الكتاب والسنة وكون القرآن هدى وبياناً

يؤكد المقطع وجوب الإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة من صفات وأخبار غيبية، وعدم رد ما خفي معناه بل التسليم وسؤال الراسخين في العلم. ويوضح أن القرآن نزل بلسان عربي مبين هدى للناس وبياناً لصفات الله، وأن زعم غموض نصوص الصفات ضلال مردود بالكتاب والسنة والعقل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: وبهذا علم أن الذين لا يصفون الله تعالى إلا بالنفي المحض لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً محموداً، بل ولا موجوداً. كقولهم في الله عز وجل: إنه ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين ولا محايث، ولا فوق ولا تحت، ولا متصل ولا منفصل، ونحو ذلك. هؤلاء الذين وصفوا الله جل وعلا بالنفي المحض لم يثبتوا إلهاً محموداً؛ لأن هذا الوصف منهم إنما هو وصف للعدم، وصف لشيء معدوم. لا فوق ولا تحت، إذا غيرك ما هو الشيء الذي ليس هو فوق ولا تحت، ولا داخل ولا خارج، ولا منفصل ولا متصل، ولا كذا ولا كذا، ولا ولا ولا... الجواب: هذا الشيء هو العدم، هذا الشيء هو العدم. وهم يريدون بهذه الأوصاف إثبات الرب جل وعلا، وهذا إنما هو إثبات لشيء معدوم. المعدوم هو الذي نفيت عنه هذه الصفات: لا فوق ولا تحت، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا منفصل ولا متصل، ولا يمين ولا شمال، ولا مجانب ولا مداخل. يعني هذا وصف العدم. فهل هؤلاء بوصفهم هذا أثبتوا إلهاً محموداً يُحمد وينزه وتثبت له صفات الكمال؟ الجواب: لا، بل هؤلاء لم يثبتوا إلهاً موجوداً بهذا الوصف؛ لأن هذا إنما هو وصف للمعدوم، وصف للمعدوم. فالنفي المحض إنما هو إثبات لشيء ليس موجوداً، بل هو وصف لشيء معدوم، وصف لشيء معدوم. بخلاف الصفات المنفية التي يراد بها إثبات كمال ضدها، فهذه نفيت لإثبات كمال ضدها، بخلاف ما إذا نفيت الصفات نفياً محضاً، نفياً محضاً، فإنما هي وصف للعدم، وصف للعدم. فالمعدوم هو الذي نفيت عنه الصفات نفياً محضاً، يعني ليس بشيء موجود أصلاً، فضلاً عن أن يكون محموداً أو كاملاً في صفاته ومنزهاً عن صفات النقص والعيب. قال رحمه الله: ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق جل وعلا: «ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم». ولقد صدق رحمه الله؛ فإنه لن يوصف المعدوم بوصف أبلغ من هذا الوصف الذي وصف به الخالق جل وعلا. فمن قال: هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم، فهو منزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له. ومن قال: ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتاً أصم أعمى أبكم. محمود بن سبكتكين هو أحد الخطباء في عهد الدولة العباسية، في عهد القادر بالله، وكان يخطب في سائر مملكة القادر بالله في عهد الدولة العباسية. قد ذكر شيئاً من ترجمته ابن كثير في البداية والنهاية، وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه كما في درء تعارض العقل والنقل. فذكروا أنه قد جرت بينه وبين ابن فورك مناظرة في العرش، فمن جملة ما كان يقول ابن فورك: أن الله جل وعلا لا فوق العرش، ولا بيمين ولا شمال، ولا داخل ولا خارج، إلى آخر ذلك. فكان جواب محمود له: «بين وميز لنا هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم». طُلب منه أن يفرق بين هذا الوصف الذي وصف به رب العالمين وبين المعدوم، أي فرق بين وصف المعدوم وبين وصف الرب جل وعلا. وهذا لازم واضح، لا فرق إذن بين المعدوم وبين الرب الذي يعبده هؤلاء. فهؤلاء بهذا الوصف يعبدون عدماً، يعبدون عدماً، لا يعبدون إلهاً محموداً معبوداً موجوداً. ولذلك صدق من قال من السلف: «المعطل يعبد عدماً، المعطل يعبد عدماً، والممثل يعبد صنماً، الممثل يعبد صنماً». الذي جعل صفات الخالق كصفات المخلوقين، فقال: وجهك كوجه المخلوق، ويدانك كيدي المخلوق، سمعك كسمع المخلوق، إلى آخر ذلك. هذا مثل الله جل وعلا، وجعل الله جل وعلا كالمخلوق في صفاته، فهذا يعبد صنماً، لا يعبد إلهاً محموداً معبوداً يتصف بالصفات اللائقة به التي لا يشاركه أحد في الاتصاف بها، بل هو جل وعلا المتوحد والمتفرد بصفات الجلال والكمال، لا مشارك له. فهؤلاء جعلوا الله جل وعلا شريكاً، جعلوا المخلوقين شركاء لله جل وعلا. فهم في هذا الحال حين وصفوا الخالق جل وعلا بهذه الأوصاف وجعلوه كالمخلوق في صفاته، فكأنهم إنما يعبدون مخلوقاً ويعبدون صنماً، جسموه. نعم، جعلوا له كيفية لصفاته، فجعلوها كوجه المخلوق وكيدي المخلوق، وهكذا بقية الصفات. فهؤلاء إنما في الحقيقة يعبدون صنماً، لا يعبدون الله؛ لأن الله جل وعلا ليس هذا هو الإله الذي وصفوه بهذه الأوصاف، وإنما الإله الحق هو الذي اتصف بصفات الكمال التي لا مشارك له فيها. لكن هل هم يعبدون هذا الرب جل وعلا الذي اتصف بهذه الأوصاف؟ لا، وإنما يعبدون صنماً، يعبدون صنماً جسموه حيث جعلوا إلههم الذي يعبدونه هو من اتصف بصفة الوجه هذا الذي هو يتصف بها المخلوق، وهذه الصفات أيضاً التي هي في المخلوق، فصار يعبدون صنماً ويعبدون كذلك تمثالاً. ما عبدنا إلهاً واحداً متفرداً بصفات الكمال والجلال. وهكذا هؤلاء أهل التعطيل الذين وصفوا الله جل وعلا بنفي الصفات عنه نفياً محضاً، نفياً محضاً، فهؤلاء يعبدون عدماً، يعبدون عدماً. إذا قلت لهذا المعطل الذي عطّل الله جل وعلا عن صفاته: «ميز لي بين هذا الإله الذي تعبده وبين المعدوم»، فوصفك هذا إنما هو وصف لمعدوم. نعم، ميز لي بين الإله الذي تعبده وبين هذا الوصف الذي وصفت به الذي هو للمعدوم، فلا يستطيع. فكأنه إنما يعبد عدماً، لا يعبد إلهاً محموداً معبوداً متصفاً بصفات الكمال والجلال والجمال. فالمعطل يعبد عدماً، والممثل يعبد صنماً، والممثل يعبد صنماً. ألزمه بهذه الحجة التي قال له فيها: «ميز بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم»، أي أنه لا فرق، لا فرق بين المعدوم وبين هذا الإله الذي تعبده أنت حين وصفته بهذه الصفات التي هي من باب الصفات نفياً محضاً، فهي وصف للعدم، ليس وصفاً لشيء موجود انتفت عنه هذه الصفات، صفات النقص والعيب، لثبوت كمال ضدها، وأنه قد اتصف بها. فإذا من يقول هذا الكلام، ومن يصف الله عز وجل بهذه الأوصاف، فهذا كأنه يقول: لا حي ولا ميت، ولا كذلك قديم ولا محدث، وهكذا من هذه الأوصاف، ولا يتكلم ولا غير ذلك. فهذا وصف للعدم، ووصف لأعظم نقص وصف الخالق به جل وعلا. وتعالى وتنزه جل وعلا عما يقول هؤلاء علواً كبيراً. فهذا خلاصة هذا الفصل الذي بين فيه رحمه الله تعالى أن المراد بنفي صفات النقص والعيب عن الله جل وعلا المراد بها إثبات كمال ضدها، لا كما وقع فيه هؤلاء أهل التعطيل الذين نفوا عن الله جل وعلا هذه الصفات نفياً محضاً، ما أرادوا بنفيها عنه جل وعلا إثبات كمال ضدها، فهم بهذا إنما أتوا بوصف للمعدوم، أتوا بوصف للمعدوم، فلم يثبتوا إلهاً محموداً معبوداً موجوداً اتصف بصفات الكمال والجلال. قال رحمه الله تعالى: فصل، القاعدة الثانية: قال: ما أخبر الله تعالى به في كتابه، أو أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجب علينا الإيمان به، سواء عرفنا معناه أم لم نعرفه. لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ولأن خبر الله تعالى صادر عن علم تام، فهو أعلم بنفسه وبغيره، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾. ولأن خبر الله تعالى أصدق الأخبار، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. ولأن كلام الله تعالى أفصح الكلام وأبلغه وأبينه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾، قال: متشابهاً يشبه بعضه بعضاً في الكمال والبيان. وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. وقال: لأن الله تعالى يريد ما أنزل إلى عباده من الوحي أن يهتدوا ولا يضلوا، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وهكذا خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادر عن علم، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم أعلم الناس بربه وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبره أصدق أخبار البشر، وكلامه أفصح كلام البشر، وقصده أفضل مقصود البشر، فهو أنصح الخلق للخلق. فقد اجتمع في خبر الله تعالى وخبر رسوله كمال العلم وكمال الصدق وكمال البيان وكمال القصد والإرادة، وهذه مقومات قبول الخبر. ولهذا لو صدر الخبر عن جاهل أو كاذب أو عيي أو سيء القصد، لم يكن مقبولاً لفقد مقومات القبول أو أحدها. فإذا كانت مقومات الخبر تامة على أكمل وجه في خبر الله ورسوله، وجب الإيمان به وقبوله، سواء كان نفياً أم إثباتاً، ولم يبق عذر لمعتذر في رده أو تحريفه أو الشك في مدلوله، لا سيما ما في أسماء الله تعالى وصفاته. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجب قبوله. عندي في النسخة: «وجب قبول» في صغت الهاء، الصواب: «وجب قبوله» بزيادة الهاء. قالوا: عامة هذا الباب، باب الأسماء والصفات، منصوص عليه بالكتاب والسنة، متفق عليه بين سلف الأمة. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الفصل أن الواجب الإيمان بما جاء في كتاب الله وما جاء في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وذلك لأن ما جاء في كتاب الله جل وعلا هو خبر الله جل وعلا عن نفسه، وما جاء في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام هو خبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى عن الله جل وعلا. وقد أمر الله جل وعلا بالإيمان به سبحانه وتعالى وبرسوله وبالكتاب كذلك الذي نزله على رسوله، وهذا الكتاب الذي أنزل من قبل. فهذا يدلنا على أن من لم يؤمن بالله جل وعلا ورسوله وما جاء في كتاب الله وما جاء عن رسوله عليه الصلاة والسلام فليس بمؤمن، فليس بمؤمن؛ لأن المؤمن هو الذي آمن بالله وكتابه ورسوله، آمن بكل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام من الأخبار. من رد خبراً واحداً في كتاب الله جل وعلا أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام فقد كفر، لأنه كذب الله جل وعلا في خبره، وهكذا كذب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أمر الله جل وعلا بتصديقه وبقبول خبره. بل لا تتم الشهادة لرسول الله عليه الصلاة والسلام إلا بتصديقه فيما أخبر. ومن جملة ما أخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ربه جل وعلا أنه أخبر أن الله جل وعلا اتصف بهذه الصفات التي ثبتت عنه جل وعلا وأخبر عنها عليه الصلاة والسلام في سنته. فإذا وجب الإيمان لكل خبر في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، علمنا معنى أو لم نعلم معنى. قال: الإنسان لا يعلم معنى هذا الكلام ومعنى هذا الخبر، نعم لجهله أو لقصور علمه، فليس معنى ذلك أنه لم يعلمه أنه لا يؤمن به أو أنه كذلك لا يصدقه. لا، وجب الإيمان بذلك، علم الإنسان المعنى أو لم يعلم المعنى. وليس في كتاب الله جل وعلا شيء لا يعلم معنى، كما سينبه المؤلف رحمه الله تعالى على هذا. لكن الإنسان قد لا يعلم المعنى، قد لا يعلم المعنى، يعلم أن الله جل وعلا متصف مثلاً بصفة الوجه أو صفة اليدين أو الصفات الأخرى، لكن لا يعلم معنى، لا يعلم معاني هذه الصفات. هل لأنه لم يعلم معاني هذه الصفات يرد؟ يقول: لا ليس لله وجه، يقول: ليس لله يداً، ليس لله جل وعلا سمع، الله جل وعلا لا يتكلم، الله جل وعلا لا ينزل، الله جل وعلا لا يأتي، لا يجيء. إذا لم تعلم المعنى، فاعلم أنه بسبب جهلك وبسبب قصور علمك، الواجب أن تسأل، أن تسأل أهل العلم. فلا بد أن يوجد في الأمة من يعلم هذه المعاني، من يعلم هذه المعاني وما جاء في كتاب الله جل وعلا. لأن الله جل وعلا أنزل هذا الكتاب تبياناً لكل شيء، والنبي عليه الصلاة والسلام قد بينا ما يتعلق بكتاب الله سبحانه وتعالى، الصحابة والصحابة نقلوه. فهذا العلم محفوظ، العلم محفوظ، لكن الناس يتفاوتون، يتفاوتون. فمن الناس من يخفى عليهم شيء من العلم بكتاب الله جل وعلا، وهكذا من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن ليس معنى هذا أن هذا يجهله جميع الأمة بحيث لا يوجد في الأمة من يعلم هذا، لا. إذا جهله أحد من الناس فلا بد أن يعلمه آخر، لا بد أن يعلمه آخر. فإذا من لم يعلم معاني نصوص الصفات أو غير ذلك مما جاء في كتاب الله جل وعلا، لا يرد شيئاً، لا يرد شيئاً، وإنما يسأل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. نعم، والواجب عليك أن تقول: آمنت، آمنت بما جاء عن الله وما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما قال الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه: «آمنت بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله». يعني المراد الحق الذي أراده الله جل وعلا من هذه الأخبار، والمراد الحق الذي أراده رسول الله عليه الصلاة والسلام من بيانه لخبر الله جل وعلا في كتابه. لكن من الناس من يعلم، ومن الناس من يجهل. فمن لم يعلم فيقول: آمنت على مراد الله، على مراد الله، حتى يعلم ذلك المراد، حتى يعلم ذلك المراد. متى يعلم ذلك المراد؟ يعلم ذلك المراد بعد السؤال، يعلم ذلك المراد بعد السؤال، سؤال الراسخين في العلم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. آمنوا بجميع ما جاء في كتاب الله وما جاء كذلك في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما علموه وما خفي عليهم علمه، آمنوا به أولاً وابتداء، ثم بعد ذلك بحثوا واجتهدوا في معرفته والعلم به. فلا يخفى على جميع الأمة يعني شيء في كتاب الله جل وعلا وما يتعلق بمعاني نصوص كتاب الله جل وعلا، حتى الحروف المقطعة، حتى الحروف المقطعة: ﴿الم﴾، ﴿كهيعص﴾، ﴿حم﴾، ﴿عسق﴾، ﴿المص﴾، ﴿المر﴾، إلى آخر ذلك. الحروف المقطعة لها معاني، لها معاني. بعضها: قال الله أعلم، قال الله أعلم بمراد الله جل وعلا بهذا، فرد العلم إلى الله سبحانه وتعالى. وقال: والله أعلم بالمراد من هذه الحروف. ومن العلم من قال: المراد التعجيز والتحدي، تحدى الله جل وعلا كفار قريش، أهل البلاغة وأهل الفصاحة، وبين لهم أن هذا القرآن هو من هذه الحروف، هذا القرآن حروف من هذه الحروف التي هم يعرفونها، نعم وأهل البلاغة وأهل الفصاحة، فعجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله أو بعشر سور. نعم، ما استطاعوا: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. فالله سبحانه وتعالى تحداهم فعجزوا. فهذا مما يدل على أن العلم بنصوص الكتاب والسنة لا يخفى على جميع الأمة، إذا خفي على بعضها علمه الآخر. فلذلك يا عبد الله، إذا لم تعلم شيئاً في كتاب الله جل وعلا، لم تعلم معناه، لا ترده. عليك أن تؤمن به ابتداءً، ولو لم تعلم المعنى، ولو لم تعلم المعنى. اسأل بعد ذلك، اسأل بعد ذلك عن المعنى المراد من هذه الآيات ومن هذه النصوص. فإذا لم يجبك أحد هؤلاء الأمة، قال لك: الله أعلم، اسأل آخر. إذا قال لك: الله أعلم، اسأل آخر. فلا بد أن يوجد في الأمة من يعلم هذا المعنى الذي خفي عليك وخفي على غيرك. فالواجب كما أخبر المصنف وذكر المصنف رحمه الله تعالى: الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من الأمور الغيبية التي تتعلق باليوم الآخر، ومن أمور البرزخ، وهكذا مما يتعلق بنصوص الصفات، بنصوص الصفات التي أثبتها الله جل وعلا لنفسه. فإذا جهل الإنسان معنى من معاني نصوص هذه الصفات، عليه أن يقبل وأن يسلم، وما خفي عليه من معنى فإنه يسأل عنه أهل العلم، فلا بد أن يجد في الأمة من يعلم ذلك المعنى الذي خفي عليه. فذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الموضع بعض النصوص الواردة في كتاب الله جل وعلا التي فيها بيان لزوم الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحذر من رد شيء من ذلك، والكفر بشيء مما جاء في نصوص الكتاب والسنة، وعدم القبول، وكذلك الوقوع في الرد أو التكذيب أو التشكيك، والعياذ بالله. وقد بين رحمه الله تعالى في نصوص الكتاب والسنة التي ذكرها أن الله جل وعلا خبره حق وصدق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، ومن أصدق من الله حديثاً. فالله جل وعلا قوله الحق وقوله الصدق، وخبره جل وعلا واضح بيّن، بلسان عربي مبين. أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين، يعلم العرب أهل هذه اللغة معاني نصوص هذه الصفات، لأن هذا القرآن نزل بلغتهم، وخاطبهم الله جل وعلا بلغتهم، فهم يعلمون معاني هذه النصوص. ومن ذلك ما جاء في نصوص الصفات التي أثبتها الله جل وعلا لنفسه، والله جل وعلا أعلم بنفسه سبحانه وتعالى من غيره: ﴿قُلْ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، ومن أصدق من الله حديثاً. وكلامه جل وعلا أفصح الكلام وأبلغ الكلام، ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، وقال الله: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾، يعني يشبه بعضه بعضاً في الكمال والبيان. وهذا معنى من معاني المتشابه في القرآن، فسر بأنه الذي يشبه بعضه بعضاً، يشبه بعضه بعضاً. فأخبار جاءت في سورة البقرة مثلاً يشابهها أخبار جاءت في سورة أخرى، وهكذا أخبار جاءت في سورة أخرى. فالقرآن متشابه، فسر بأنه يشبه بعضه بعضاً. وأيضاً فسر أنه متشابه، كما سيأتي أيضاً، أنه ماذا؟ يخفى، يخفى علمه على بعض الناس، يخفى علمه على بعض الناس. وذكر قول الله جل وعلا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. فإذا كان بلسان عربي مبين، فإذا هو له معنى ومعنى معلوم، لكن يحتاج إلى من يفهمه، يحتاج إلى من يفهمه ويبحث عن هذه المعاني، ويبحث عن هذا العلم، فسيجد علم معاني هذه النصوص، كانت في نصوص الصفات أو في غيرها. والله جل وعلا حين أنزل هذا القرآن وأثبت لنفسه سبحانه وتعالى هذه الصفات، ماذا يريد من عباده؟ ماذا يريد ربنا عز وجل منا حين أخبرنا في كتابه العزيز أنه متصف بصفة الوجه، وأنه متصف بصفة اليدين، وأنه متصف بصفة كذا، بصفة السمع، بصفة البصر، بصفة الحكمة؟ ماذا يريد الله جل وعلا منا؟ ألا يريد ربنا عز وجل منا أن نتعبده جل وعلا بما أثبت لنفسه، وأن نثبت معاني نصوص هذه الصفات حتى نعلمها، فنتعبد ربنا سبحانه وتعالى بشيء علمناه، بشيء علمناه، علمناه معناه وعقلناه وفهمناه؟ كيف نتعبد ربنا جل وعلا بشيء لم نفهم معناه؟ خاطبنا بشيء لم نفهم معناه، كيف نتعبده جل وعلا بتلك النصوص التي لم نعلم معناها؟ هل هذا ممكن؟ هذا لا يمكن، هذا لا يمكن أن ينزل ربنا عز وجل كتاباً عظيماً محكماً وأخبرنا فيه بما أخبر، ومن ذلك الصفات الثابتة له جل وعلا، ثم لا يريد منا أن نثبت ذلك له بمقتضى اللسان العربي. هذا لا يمكن. القرآن نزل بلسان العرب: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، جعله الله جل وعلا بلسان عربي لكي نفهم المعنى، لكي نفهم المعنى. فإذا فهمنا المعنى تعبدنا الله جل وعلا بذلك، أثبتنا له جل وعلا الصفات التي أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، أثبتنا ذلك لفظاً ومعنى. وأما الكيفيات فلا يعلمه أحد، فنقول: على ما يليق بالله سبحانه وتعالى. هذا الذي أراده الله جل وعلا منا، كما قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، فأراد الله جل وعلا يبين لنا حين أخبرنا بهذه الصفات في كتابه وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. وقال جل وعلا: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فأنزل الله جل وعلا هذا الكتاب العظيم الذي هو هدى، هو هدى من الضلالة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهو كتاب هداية لمن أخذ به. فهذا يمكن أن يكون هذا الكتاب الذي أنزله الله جل وعلا هداية للبشرية، يكون في أعظم أخباره، يكون في أعظم أخباره التي هي الأخبار عن الله جل وعلا، ربنا سبحانه وتعالى الذي نعبده، نكون قد ماذا؟ جهلنا معاني نصوص الصفات؟ هذا لا يمكن، هذا لا يمكن، وهذا لا يليق بكتاب الله جل وعلا الذي أحكمه سبحانه وتعالى: ﴿الم * كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. فعلم بهذا ضلال من ظن أن الله جل وعلا حين أخبر بهذه النصوص إنما أراد أن لا تثبت وأن لا تعلم معانيها. فهذا ضلال واضح، تردّه دلائل الشرع من الكتاب والسنة، ودلائل العقل. وسيأتي مزيد تفصيل حول هذا في درسنا اللاحق إن شاء الله. وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر