الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 101، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يناقش المقطع الفناء الكفري الذي يعتقده أهل الإلحاد وأهل الاتحاد، حيث يرون أن الخالق والمخلوق شيء واحد. ويستشهد بالشواهد من أقوال ابن عربي وغيره لتوضيح ضلال هذا الاعتقاد.
يتناول المقطع مفهوم البراءة في الإسلام وأهميتها في تحقيق التوحيد، حيث يشير إلى أن الإسلام لا يتم إلا بالبراءة مما سواه. كما ينتقد أفكار بعض الفرق الضالة التي تدعي الاتحاد والحلول.
المقطع يشرح أن الموالاة لها أنواع مختلفة، وظاهرها وباطنها، ويفرق بين الموالاة التي تعتبر كفرا وتلك التي لا تعتبر كذلك. ويستشهد بقصة حاطب بن أبي بلتعة لتوضيح ذلك.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القسم الثالث فناء الحادي كفري، وهو الفناء عن وجود السواء، أي عن وجود ما سوى الله عز وجل، بحيث يرى أن الخالق عين المخلوق، وأن الموجود عين الموجد، وليس ثمة رب ومربوب، وخالق ومخلوق، وعابد ومعبود، وآمر ومأمور، بل الكل شيء واحد وعين واحدة، وهذا فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود، كابن عربي والتلمساني وابن السبعين والقونوي ونحوهم. ذكر رحمه الله تعالى القسم الثالث من أقسام الفناء، وهو الفناء الإلحادي الكفري، هذا إلحاد وكفر. القسم الأول شرعي من حيث المقصود، وإن كان هو من حيث التسمية يخالف التسمية الشرعية، وهو الفناء عن شهوده ما سوى الله جل وعلا، والثاني بدعي، نوع شرعي من حيث القصد، وإن كان بدعيا في التسمية، والثاني هو بدعي فناء بدعي صوفي، وهو الفناء عن شهود ما سوى الله جل وعلا. الثالث وهو الفناء الحادي الكفري، كما ذكر رحمه وتعالى، وهو الفناء عن وجود السوى، يعني عن وجود ما سوى الله عز وجل، فهو يفنى عن وجود ما سوى الله، بمعنى لا يرى وجودا سوى وجود واحد، لا يرى وجودا إلا وجودا واحدا، وهو وجود الرب جل وعلا، فيفنى عن أي وجود، ولا يشاهد إلا وجودا واحدا، وهو وجود الرب جل وعلا، فكل ما يراه من وجود فهو وجود الله جل وعلا، المخلوقات عنده هي الله، كل ما في ملكوت الله جل وعلا هو الله. هذا الفناء الذي يقول به أهل الإلحاد وأهل الاتحاد، وهم أمثال ابن عربي وتلمساني وهكذا ابن سبعين والحلاج والقونوي وغير هؤلاء ممن اعتقد هذه العقيدة الخبيثة، والعياذ بالله، يعتقدون أن كل وجود موجود هو وجود الله، كل وجود موجود هو وجود الله جل وعلا، وأن الخالق هو عين المخلوق، فلا ثمة رب ولا مربوب أبدا، وإنما الرب والمربوب شيء واحد، والخالق والمخلوق شيء واحد، هذا هو فناء ابن عربي والتلمساني وغيرهم. فقال رحمه الله تعالى: بحيث يرى أن الخالق عين المخلوق، يعني هو ذات واحدة، وهكذا الموجود عين الموجد، الموجود يعني المخلوق الذي هو موجود هو عين الموجد يعني الرب جل وعلا، وليس ثمة رب ولا مربوب، وخالق ومخلوق، وعابد ومعبود، وآمر ومأمور، بل الكل شيء واحد، وهو الله جل وعلا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وهذا فناء الحادي كفري، لأنه يجعل المخلوق هو الله، ويجعل عين المخلوق هو عين الخالق، ووجود المخلوق هو عين وجود الخالق جل وعلا، كما يقولون: اتحد الخالق بالمخلوق وامتزجا، ولذلك سموا بأهل الاتحاد وأهل الحلول، سموا بأهل الاتحاد لأنهم يعتقدون أن الخالق اتحد مع المخلوق وصار شيئا واحدا، وسموا كذلك بأهل الحلول لأنهم يعتقدون أن الله قد حل في سائر مخلوقاته، فهو شيء واحد، الموجود والموجد والمخلوق والخالق كلها عين واحدة متحدة، وحل الخالق بمخلوقاته. قال رحمه الله تعالى: وهؤلاء أكثر من النصارى من وجهين، أحدهم أن هؤلاء جعلوا الرب الخالق عين المربوب المخلوق، وأولئك النصارى جعلوا الرب متحدا بعبده الذي اصطفاه بعد أن كان غير متحدين، إذن النصارى أفضل من هؤلاء، النصارى يعتقدون أن عيسى حل في الله جل وعلا واتحد بالله سبحانه وتعالى، يقولون: اللاهوت حل في الناسوت، فحل عيسى في الله جل وعلا. النصارى أفضل من هؤلاء، وهؤلاء أكثر من النصارى، لماذا؟ لأن النصارى لم يجعلوا الله جل وعلا اتحدا في جميع مخلوقاته، بل جعله اتحدا في من يعظمونه وهو عيسى عليه الصلاة والسلام الذي يعتقدون أنه ابن لله جل وعلا، فإذا هم من هذا الوجه أفضل من هؤلاء. قال الثاني: أن هؤلاء جعلوا اتحاد الرب ثاريا في كل شيء، في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وأولئك النصارى خصوه بمن عظموه كالمسيح، هذا الوجه الثاني، أهل الفناء هؤلاء، وهم أهل الحلول والاتحاد، أتباع ابن عربي، يجعلون الله جل وعلا قد حل في سائر مخلوقاته، وأن المخلوق هو عين الخالق، إذن عندنا المخلوقات كثيرة، المخلوقات كثيرة، الكلاب مخلوقات، الخنازير مخلوقات، الأقذار مخلوقات، الأوساخ مخلوقات، إذن حتى هذه الأقذار وهذه الأوساخ عندهم هي الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. عندهم الخنزير هو الله، عندهم الكلب هو الله، سبحان الله، ولذلك قال ابن عربي: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، يعتقدون أن الكلب والخنزير هو الله سبحانه وتعالى، وهو الإله، وهكذا لم يصونوا الرب جل وعلا عن الأقذار والأوساخ. جاء أحد تلامذة ابن عربي إلى ابن عربي وطلب منه قال له: أريد أن أذهب لقضاء الحاجة، أريد أن أذهب أن أقضي حاجتي، يعني لإخراج ما في بطنه، فقال له ابن عربي: اذهب، وما الذي يضيرك إن كان الذي تريد أن تضعه هو الله سبحانه وتعالى؟ تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، حتى هذا القدر وهذه الأوساخ جعلوا الله جل وعلا قد حل فيها، وهي كذلك عين الخالق سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وتصور هذا القول كاف في رده، إذ مقتضاه أن الرب والعبد شيء واحد، والآكل والمأكول شيء واحد، والناكح والمنكوح شيء واحد، والخصم والقاضي شيء واحد، والمشهود له وعليه والشاهد شيء واحد، وهذا غاية ما يكون من السفه والضلال. طيب إذن عندهم العبد والرب شيء واحد، لذلك كذلك يقول ابن عربي: العبد رب والرب عبد، يا ليت شعري من المكلف، إن قلت عبد فذاك رب، وإن قلت رب أنه يكلف، يعني يقول: من الآن العبد رب والرب عبد، من المكلف؟ هلا ولا هلا، إن قلت العبد المكلف قال: عبد رب، العبد رب، لأنهم يعتقدون العابد هو عين خالقه وهو الرب. قالوا: إن قلت رب قال: أنه يكلف، كيف يكلف الرب؟ يعني أنه ماذا؟ محتار في هذا، سبحان الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فإذن يجعل العبد والرب شيئا واحدا، والآكل مأكولا، والآمر والمأمور به، وهكذا، بل بلغ جرمهم أنهم يجعلون الناكح والمنكوح هو الله سبحانه وتعالى، حتى الناكح والمنكوح، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. قال الشيخ رحمه الله: يريد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، قال: ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه، يعني يفعل به الفاحشة، يأتي ابنه، ويدعي أنه الله رب العالمين، سبحان الله، ابنه الذي يفترشه والذي يفعل فيه الفاحشة هو رب العالمين، هو رب، وابنه ماذا؟ رب، وما يحصل بينهما من الجماع من اللواط، نقول: والعياذ بالله، أيضا ذلك من هو رب؟ كذلك، كل شيء عندهم الرب، الناكح والمنكوح، والفعل والمفعول، كل ذلك قد حل فيه رب العالمين، وكل ذلك عين وجود الخالق جل وعلا. فقال رحمه الله تعالى: فقبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطوءها الذي تفترشه، فقبح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطوءها الذي تفترشه. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية عن هذه الطائفة: فالقوم ما صانوه عن إنس ولا جن، ولا شجر ولا حيوان، لكنه المطعوم والملبوس والمشموم والمسموع بالآذان، وكذلك قالوا: إنه المنكوح والمدبوح، بل عين الغوي الزاني، إلى أن قال: هذا هو المعبود عندهم، فقل سبحانك اللهم، دا السبحاني، يا أمة معبودها موطوءها، أين الإله وثغرة الطعاني؟ يا أمة قد صار من كفرانها جزءا يسيرا جملة الكفراني. أي أن هؤلاء القوم لم ينزهوا الرب جل وعلا حتى عن هذا، فجعلوا الله جل وعلا ماذا؟ هو الناكح، هو المنكوح، الناكح رب العالمين، والمنكوح رب، والعياذ بالله، وهذا من غاية الضلال والإجرام والإلحاد والكفر والزندقة، والعياذ بالله. ولذلك نقلت عنهم العبارات التي تدل على هذه العقيدة الفاسدة التي هي عندهم، وهي عقيدة الاتحاد والحلول، وأن كل ما في الوجود هو وجود الرب سبحانه وتعالى، فهذا ابن عربي يقول: أنا بالله وبالله أنا، أنا بالله وبالله أنا، يخلق الخلق ويفنيهم أنا. قال: إذا أبصرتنا أبصرته، وإذا أبصرته أبصرتنا، إذا أبصرتنا أبصرته، أي أبصرت الله، وإذا أبصرته أبصرتنا، ويقول آخر: أنا بالله وبالله أنا، نحن روحان حللنا بدنا، أنا بالله وبالله أنا، نحن روحان حللنا بدنا، أي بدنا واحدا، كالروحين الذين أحلا بدنا واحدا، حل في بدن واحد. ويعتقدون ويريدون بهذا أن العبد هو الرب، ذات واحدة، وشيء واحد، وعين واحدة، كل ما في الوجود هو الله جل وعلا، ما في الوجود إلا الله، وهذا اعتقاد كفر الحادي، والعياذ بالله. بل ابن عربي يقول: موسى أو فرعون كان أهدى من موسى، فرعون كان أهدى من موسى، حين قال: أنا ربكم الأعلى، فرعون كان أهدى من موسى، حين قال: أنا ربكم الأعلى، قال: لأن فرعون وصل إلى الحقيقة، فرعون وصل إلى الحقيقة، وعرف الحقيقة التي لم يصل إليها موسى. لماذا؟ أن فرعون قال: أنا ربكم الأعلى، فهم يعتقدون نعم، فرعون رب العالمين عندهم، بل كل شيء رب العالمين، ما هو اللي فرعون؟ حتى إبليس رب العالمين عندهم، كل موجود عندهم هو رب العالمين، فإذا لما قال فرعون: أنا ربكم الأعلى، عند ابن عربي وصل إلى الحقيقة، نعم، وكان أهدى من موسى، موسى لم يهتدي لهذا، سبحان الله، يعني هذا الكافر الذي لعنه الله أهدى من موسى، حين قال: أنا ربكم الأعلى. قالوا: لأنه ماذا؟ وصل إلى الحقيقة، ما هي الحقيقة هذه؟ هذه الحقيقة التي يزعمونها، وهو الفناء، وأن كل ما في الوجود هو الله جل وعلا، وموسى لم يصل إلى هذا، وكفى بذلك بيانا على ضلالهم، إذا كان موسى لم يصل إلى هذه الحقيقة، وصلت أنت إليها، ابن عربي، أنت يا ابن عربي وصلت إلى حقيقة لم يصل إليها موسى عليه الصلاة والسلام، الذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: فأكون أول من يرفع من الصعق، وبعد الصعق فإذا موسى أخذ بقوائم العرش، لا أدري أصعق أم جوزي بصعقة الطور، وأنت تقول: ما وصل إلى الحقيقة موسى، كلم الله الذي استضره الله بكلامه، وخطى الله التوراة بيده، ما وصل إلى هذه الحقيقة التي وصلت إليها يا ابن عربي، ويا ابن سبعين، ويا الحلاج، ويا القونوي، ويا ابن الفارض، سبحان الله. فهذا فناء كما سمعتم، العياذ بالله، فناء الحادي كفري، وقد ذكر ابن عربي في كتابه الفصوص والإشارات شيئا كثيرا من هذه الزندقة، ومن هذا الكلام الكفري والإلحادي، والعياذ بالله. وللأسف أن اسمه محي الدين، هذا يعني ما يؤسف له أن اسمه محي الدين، وهو مميت الدين، ليس بمحي الدين، بل هو مميت الدين، كيف محي الدين؟ هذا الذي يقول: كل ما في الوجود هو الله سبحانه وتعالى، ولا ينزه الرب جل وعلا حتى عن الكلب والخنزير، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فإذا هذا ما يتعلق بالإلحاد الكفري، أو الفناء الإلحادي الكفري، الذي هو عند أهل الاتحاد والحلول، أمثال هؤلاء الذين يعتقدون ذلك عن عقيدة، ليسوا مثل الصنف السابق، الصنف السابق يفعلون أشياء وحركات ويقفزون وكذا ويدورون رؤوسهم حتى يدوخون، يقولون كلاما كفريا، لكن من غير إحساس، زال عنهم الشعور، لكن هؤلاء لا، هذا وهو في حال يعني ربما أعظم حال من وجود عقله، لأنها عقيدة هذا ماذا؟ عن عقيدة، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: فصل، ولا يتم الإسلام إلا بالبراءة مما سواه، كما قال الله تعالى عن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾، وبيّن أن لنا فيه أسوة حسنة، فقال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾، وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾. ذكر المؤلف رحمه وتعالى في هذا الفصل أن الإسلام لا يتم إلا بالبراءة، فالإسلام لا يتم إلا بالبراءة مما سواه، لا يتم إلا بالبراءة بالبراءة مما سواه، لأن الإسلام إثبات ونفي، إثبات الإلهية لرب العالمين جل وعلا وحده لا شريك له، وإثبات الوحدانية له سبحانه وتعالى، والبراءة والكفر بكل معبود عبد بباطل، وبكل عبادة كذلك صرفت لغير الله جل وعلا. لأن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والإنقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، والبراءة من الشرك وأهله، وهذا اللي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة التي بينت التوحيد، فإنه نفي وإثبات، وهكذا إثبات وبراءة، وكفر بالطاغوت وإيمان بالله، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، الكفر بالطاغوت براءة، والإيمان بالله إثبات. وهكذا الإسلام ولاء وبراء، ولا للإسلام ولأهل الإسلام، وبراءة من الشرك وأهل الشرك، هذه هي حقيقة الإسلام، ولا لهذا الدين العظيم، ولهذا الإسلام العظيم، وولاء لأهل هذا الدين، وبراءة من الشرك ومن كل دين باطل، وهكذا من أهل تلك الأديان الباطلة، أي الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، وقد أدركوا ذلك كاليهود والنصارى وغيرهم. وذكر رحمه وتعالى هنا جملة من الآيات التي فيها بيان هذا الأصل العظيم، وهو أن الإسلام لا يتم إلا بالبراءة، كذلك من كل معبود عبد من دون الله جل وعلا، فذكر عن إمام الموحدين والخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه تبرأ من أبيه وقومه، كما قال جل وعلا: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون﴾، فهذه براءة من ماذا؟ من العبادة أو براءة من المعبود؟ فهي تشمل هذا وهذا، براءة من العمل، وبراءة من العامل الذي يعمل ذلك العمل. فالعامل هو الكافر الذي عبد غير الله، وهو والد إبراهيم وقوم إبراهيم، فلابد من براءة منهم، وذلك المعبود الذي صرف له العبادة كذلك لابد من البراءة منه، وليل قال جل وعلا: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني﴾، وهو الله جل وعلا، تبرأ من الآلهة التي عبدها أبوه وقومه، وتبرأ من أبيه وقومه الذين عبدوا تلك الآلهة. ثم مع ذلك أثبت حقية العبادة لله جل وعلا: ﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، أوصى بها ودعا إليها، ودعا ذريته إلى التمسك بها، لأنها الحنيفية ولأنها التوحيد، وإبراهيم أمر الله جل وعلا بأن نتأسى به، بل أمر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾، والعباد أمروا كذلك بأن يتأسوا بالخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾. هذه الآية في سورة الممتحنة، فشاهد من الآية: أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام والذين معه تبرأوا من قومهم، وتبرأوا كذلك من العبادة التي صرفها قومهم لهذه الآلهة: ﴿إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾، كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده، الولاء والبراء لابد من براء من الكفار، والبراء من الكفر، والبراء من الشرك. أما إنسان يقول: أنا موحد، لكن لا يلزمني أن أتبرأ من الشرك، لا كيف؟ ما تتبرأ من الشرك؟ كيف أنت موحد وأنت ما تتبرأ من الشرك؟ لا يمكن، لا يمكن أن تكون موحدا وأنت ما تتبرأ من الشرك، نعم، لابد من أن تتبرأ من الشرك، لابد من أن تكفر بالطاغوت، من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، لابد أن تكفر بما يعبد من دون الله، هذا هو التوحيد. ثم المعبود ذلك إن كان صالحا فأنت لا تتبرأ منه، عيسى عبد من دون الله، هل أنت تتبرأ من عيسى؟ لا تتبرأ من العبادة المصروفة لعيسى، أما عيسى لا تتبرأ منه، لكن الذي دعا الناس لعبادة نفسه فهو الطاغوت، تتبرأ من العبادة المصروفة له، وتكفر بها، وتكفر به هو، وتتبرأ منه كذلك، لماذا؟ لأنه دعا الناس إلى عبادة نفسه. والآية الثالثة وهي قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾، هذه الآية نزلت في الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حين حصلت منه مكاتبة لأهل مكة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يغزوهم، فجاء الوحي يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فعمر رضي الله تعالى عنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا، فقد نافق، فقد نافق، كتب كتابه إلى قريش يخبرهم بقدومك هذا نفاق، إذن دعني أضرب عنقه. النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا حاطب ما حملك على هذا؟ هذا نستفيد منهم فائدة، وهو أنه ليس ليست كل موالاة في ظاهرها موالاة أنها كفر مخرج من الملة ونفاق، بل لا بد من الاستفصال، فالموالاة التي هي كفر لأن الموالاة على نوعين: موالاة كفر بالله جل وعلا وخروج عن الإسلام، وموالاة إنما هي من كبائر الذنوب، وهذا لا يعلم إلا بالاستفصال. ظاهر هذا الفعل من حاطب بن أبي بلتعة أنه ماذا؟ نفاق وكفر، وهذا الذي فهمه عمر من الظاهر، لكن انظروا النبي عليه الصلاة والسلام هل أقر عمر على هذا الظاهر الذي فهمه؟ خلاص مدام أنه قد كتب كتابة وكتب كتابا إلى قريش يخبرهم بقدوم نفسه أنه قادم يكون قد كفر؟ لا، ما حملك يا حاطب على هذا؟ هنا سيتبين إذا كتب حاطب هذا الكتاب إلى كفار قريش ليستعد كفار قريش على قتال النبي عليه الصلاة والسلام ليهزم هذا الدين ولينتصر المشركون على النبي عليه الصلاة والسلام، وفعل ذلك عن محبة ورغب عن الدين، فهذا كفر ونفاق مخرج من ملة الإسلام. وإذا كان أمر لغير ذلك فحكمه حكم ذلك، لذلك لما قال حاطب رضي الله تعالى عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: والله ما فعلت ذلك رغبة عن دين، وإنما لأصحابك قوم هناك يحمون أموالهم وأنا ليس لي أحد، فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: صدق، قال بعد ذلك لعمر: يا عمر وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، إذن اليوم حصل خلط خاصة عند الثوريين الذين يكفرون من غير تفصيل، مجرد فعل من بعض المسلمين مثلا مع اليهود أو مع النصارى خلاص عندهم كفر. كيف كفر؟ قال: ما رأيتم ماذا فعل؟ ما رأيتم ماذا قال؟ سبحان الله، طيب ننظر في هذا الفعل الذي صدر من هذا المسلم تجاه اليهودي أو النصراني، هل هو لرقبة في دينهم؟ لإعلاء دينهم على دين الإسلام؟ هل الفعل يخالف شيئا من دين الإسلام ويكون به كافرا؟ أم أن الأمر فيه تفصيل واستفصال؟ فليس الأمر هكذا الآن، مجرد استعانة باليهود والنصارى مثلا في بعض الأمور، قالوا: خلاص كفار، لماذا كفار؟ قالوا: استعانوا باليهود والنصارى، وهذه موالاة، وهذه مودة، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، لا، هذا الحديث حاصل بحاطب بن أبي بلتعة، ظلوا عنه فيه بيان للموالاة التي تكون كفرا، والموالاة التي لا تكون كذلك، لأن الموالاة منها ظاهرة وباطنة، ليست الموالاة ظاهرة فقط، لا، أيضا ينظر إلى الباطن، ينظر إلى الباطن. انتهى الوقت، إن شاء الله نواصل في تكملة هذا الفصل في درس لاحق. صلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.