التعليق على الجواب الكافي 148

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 148، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

طرق منع تعلق القلب بالمحرمات

ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله طرقًا لمنع تعلق القلب بالمحرمات، منها إشغال القلب بالأمور المهمة مثل العلم النافع والعبادة. هذا الإشغال يمنع القلب من التفكير في المحرمات.

اشتغال القلب بالخوف أو الحب المزعج وآثاره

يشرح ابن القيم كيف يمكن للقلب أن ينشغل بالخوف أو الحب المزعج، ويبين أهمية البصيرة الصحيحة لتمييز بين المحبوب والمكروه، مما يمنع القلب من التفكير في المحرمات.

ضبط المحبة والبغض وتأثيرهما على الإيمان والعقل

يُناقش المقطع الغلو في المحبة والبغض، ويُشير إلى أهمية التوازن في المحبة والبغض وتقديم محبة الله ورسوله على محبة المخلوقين، مع ضبط العقل في المفاضلة بين المحبوبات والمكروهات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكرنا في الدرس الماضي ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله أن الطريق المانع من حصول هذا الداء، وهو داء المحبة الذي يوصل إلى الحرام، سواء كان في عشق امرأة أو ولد أمرد أو غيرهما، فإن هذا لا يجوز ويوصل إلى الحرام. فذكر الإمام ابن القيم أن الطريق المانع من حصول هذا الداء في أمرين. أولًا: غض البصر. غض البصر، ثم بعد ذلك ذكر فوائد غض البصر، ذكر عشرة فوائد. قال: والطريق الثاني المانع من حصول تعلق القلب اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه، وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج. فمتى خل القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب، أو محبته ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب، وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب، لم يجد بدًا من عشق الصور. أنا الآن يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في العلاج الثاني أو الطريقة الثانية أنه يمنع ما يحصل به تعلق القلب في مثل هذه الأمور، وهذا يحصل باشتغال القلب بما يصده عن ذلك، أن يشغل قلبه بما هو أهم من هذا أو أعظم، يشغل قلبه بالعلم، يشغل قلبه بالعلم، فمعنى يخلص لله عز وجل في هذا العلم، فينشغل بالمذاكرة، ينشغل بالمسائل، ينشغل كذلك بتحضير الدروس، تحضير المحاضرات، تجميع مثلًا حديث، حفظها، يحفظ القرآن، فإنشغل بهذا العلم الذي ينفعه. وإذا انشغل بهذا العلم فإنه سينسى تلك الأمور؛ لأن هذه الأمور أكثرها إنما تأتي من الفراغ، عشق الصور والمحبة في مثل هذه الأشياء والتذكر وتذكرها إنما يأتي غالبًا من الفراغ. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما عند البخاري عن ابن عباس: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». فلهذا المشغول لا يجد هذا الفراغ حتى يفكر في مثل هذه الأشياء، حتى ولو كانت أشياء مباحة، فإنه إذا استرسل فيه أحيانًا في المباح فقد أيضًا يعقبه ما ليس بمباح. فلهذا مثلًا الإنسان يكون مثلًا بعيدًا عن أهله فيتفكر فيهم دائمًا، فهذا خطأ، فيشغل قلبه بما لا يجعله يفكر في مثل هذه المسائل. لا بأس أنه يفكر في أمرهم ومن هو القائم عليهم أو كيف يفعلون، يتصل بهم مثلًا، هذا ما في شيء. أما يضل وقتًا طويلًا وهو يفكر في هذه المسائل فهذا خطأ؛ لأن هذا الفراغ قد يؤديه لما هو لا يحل له. فلهذا ذكر الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: «مشيت مع الصوفية»، كما ذكر ذلك ابن الجوزي وذكره أيضًا البيهقي في المناقب، قال: «مشيت مع الصوفية فلم أستفد منهم إلا فائدتين: الفائدة الأولى قال: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، الوقت كالسيف إن لم تقطعه تبادر في قطعه وإلا قطعك، أنه مر عليك ولم تستفد منه». قال: «والفائدة الثانية: نفسك إن لم تشغلها بالحق أشغلتك بالباطل، نفسك إن لم تشغلها بالحق أشغلتك بالباطل». وهذا كلام حق؛ فالنفس إن لم تلزمها الخير لا شك أنها تتفلت عليك وقد تؤديك إلى ما هو شر عليك وضرر عليك. فلهذا فلابد من إشغال القلب لما هو أنفع له، أيضًا كذلك العبادة، الطاعة، والذكر، والدعاء، ينشغل الإنسان بالدعاء لله عز وجل وبالذكر وغيرها من هذه الأمور التي تشغله. إذا كان مثلًا لم يستطع مثلًا أن يشغل قلبه بهذه الأمور مثلًا لأنه مبتدئ في العلم أو غيرها من الأسباب، فلا حرج أنه يشغل نفسه بأعمال ولو كانت للدنيا، يذهب يعمل في كذا، يعمل في كذا، يعمل في زراعة، يعمل في صناعة؛ لأجل أن يشغل قلبه بغير هذه الأمور. فاشتغال القلب بما يصده عن ذلك هو الطريقة الثانية والحل الآخر الذي يمنعه من حصول تعلق القلب بهذه المحرمات. قال: وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج، فعن هذا الذي يقع فيه والذي يشتغل عنه إما عن خوف مقلق، خوف شيء يخاف منه ويخاف مثلًا سواء كان في الفعل أو الترك، فيقلقه هذا الأمر. أو حب مزعج، أن يكون فيه حتى الغرام، فيكون هذا الحب يزعجه ويفكر فيه في كل أمر وفي كل وقته. قال رحمه الله: فمتى خل القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب، يعني يخاف أن يفوته شيء من هذا المحبوب الذي يحبه، أو حصول هذا المحبوب ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب. إما أن يخاف فوات ما هو أضر عليه، أو خوف ما حصوله أضر عليه، إما في الحصول وإما في الفوات، إما أنه يخشى أن يفوته هذا الشيء الذي هو ضرر عليه أصلا، لكنه يخاف أن يفوته، أو أنه يحصل وهو أضر عليه. مثلًا من يفكر في الفاحشة، يفكر في هذه الأمور مثلًا بهذا الذي أزعجه مثلًا بمسألة العشق كما ذكر الإمام ابن القيم، فيظل هذا الرجل إما أنه يخاف أن يكون هذا الذي أحبه يعني أنه يغضب عليه أو يجد شيء عليه في نفسه أو كذا، فتجده مشغولًا بهذا حتى في كلامه، يحاسب نفسه في الكلام لماذا قلت هذا، ولو كان هذا الحساب لله عز وجل أو في كلامه يحاسب نفسه لله لكان خيرًا له، لكن تجد يحاسب نفسه لماذا قال لفلان كذا أو لماذا قال لتلك المرأة كذا، فيظل وقته كله مشغولًا بمثل هذه الأمور. قال: محبته ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب، قال: فواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب، لم يجد بدًا من عشق الصور. أي: من كان هذا حاله أكثره خوف في فوات أو خشية حصول، أو أقصد محبة حصول هذا الذي قد يضره أكثر من محبتي لهذا المحبوب أو عشقي لهذا الصور، فهذا قال لم يجد بدًا من عشق الصور، أي: سيشغل بهذا. لكن من أشغل نفسه بغير هذه الأمور أو ابتعد عنها بقدر الإمكان، يشغل نفسه بالعلم، يشغل نفسه بالطاعة والعبادة، يشغل نفسه بأعمال يقوم بها في بيته، في مثلًا في السوق، في كذا، فينصرف إلى هذه الأعمال وينشغل عنها، وكلما ابتعد عن التفكير في هذه الأمور كلما صلح حاله. قال: وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فقدهما أو أحدهما لم ينتفع بنفسه. أن هناك أمران من افتقدهما أو افتقد أحدهما لم ينتفع بنفسه. قال: أحدهما بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه. كما جاء في الحديث بعضها: «العلم يحسنه أحبب حبيبك هون ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هون ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما». وجاء عن عمر أنه كان يقول: «إذا أحببت فلا تحب كلفًا»، إذا أحببت فلا تحب كلفًا. أن بعض الناس اعتاد على هذه المحبة إذا أحب شخصًا غلا في هذه المحبة حتى يتكلف أمورًا ما ينبغي له أن يفعلها، وأيضًا يقول كلام ما ينبغي له أن يتكلم به، وكذلك يجد في نفسه أشياء يتحملها لأجل هذا المحبوب، وهذا كله من الغلو. فقال في الحديث: «وإن قلنا الصحيح فيه أنه مرسل وضعيف، لكنه فيه حكمة». وقد ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا الحديث معناه صحيح، وأن الإنسان لا إذا أحب شيئًا حبًا حدًا لا يغلو في محبته؛ لأنه قد يكون بغيضه يومًا ما، تتحول هذه المحبة إلى عداوة. وكذلك إذا أبغض لا يبغض بغضًا حقدًا، ومعنى يغلو في البغض حتى أنه قد يكون هذا الرجل بعد فترة يكون تذهب هذه البغضاء إلى محبة، تتحول إلى محبة. فلهذا فلا ينبغي للإنسان أنه إذا أحب كلف، وإذا أبغض حقد، أن يكون عنده حقد في البغض، فهذا ليس من صفات المؤمن، وكذلك ليس من صفاته البصيرة الصحيحة. كما ذكر ابن القيم رحمه الله: «أحبب حبيبك هون ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما». قال: فيؤثر على المحبوبين على أدناهما، ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من أعلاهما. أي: يقول فيؤثر على المحبوبين على أدناهما، فهو إذا أحب فإنه يحب على ما يكون فيه خلاصه، إذا حصل شيء ولا يكون هذه المحبة شديدة حتى أنه يضيع وقته في تلك المحبة. فيؤثر على المحبوبين على أدناهما، أي: حتى في المحبوبات يبصر أيهما أنفع، وخاصة إذا حصل مثلًا محبة الله جل وعلا ومحبة المخلوقين، فإنه يجب أن يقدم محبة الله؛ لأن هذا هو الإيمان وهو بشاشة الإيمان وحلاوته. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث أنس: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». وأعظم إثبات المحبة أن يكون أن تتعارض محبة الله مع محبة المخلوق، هذا امتحان، هذه أن هنا يكون الامتحان. تتعارض محبة الله أي لعمل الذي يقدمه لله عز وجل لأجل محبته مثل الفرائض مثلًا، وكذلك محبة المخلوقين أو محبة ما يكون من مخلوق، حتى مثلًا المال، حتى مثلًا الأهل، إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره. فمن أعظم الامتحان والمحبة أن تقترن هذه المحبة أو يأتي عمل مما يحبه الله وعمل مما يحبه هذا المحبوب أو المخلوق له. فإن قدم محبة الله عز وجل ورسوله على ما يكون من محبة المخلوقين فهو قد حاز هذه المنزلة العظيمة وهي حلاوة الإيمان. وأما من قدم الأعمال ليس في المحبة نفسها، أما في المحبة نفسها فهذا قد يخرجه عن دين الله عز وجل، لكن المراد هنا في الأعمال تتعارض ما يقدمه لله وما يقدمه لمحبوبه، فإن قدم ما هو لله ورسوله وما يزيد محبة لله ولرسوله فهذا ذاق حلاوة الإيمان. وأما من قدم ما كان لمحبوبه على ما يكون من محبوبات الله فإن هذا يكون قد وقع في ما ذكره الإمام ابن قيم هنا. لكن البصير يقدم أعلى المحبوبين على أدناهما، ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من أعلاهما، أي أعلى المكروهين، فيرتكب أدنى المكروهين حتى لا يرتكب الذي هو أعظم. والمكروه هنا قد يكون مكروهًا أنه مقابل لما هو أفضل، أو قد يكون مكروهًا مقابل ما هو أوجب. قالوا: هذه خاصة العقل، ولا يعد عاقلًا من كان بضد ذلك، بل قد تكون البهائم أحسن حالًا منه. وهذا الذي يقدم المحبوبات الأدنى على المحبوبات الأعلى ويقدم المكروهات الأعلى على المكروهات الأدنى، فهذا ليس عنده بصيرة ولا يفرق بين درجات المحبة. فهذا أحد الأمور التي يضبط بهما العبد هذا الباب، إن شاء الله تعالى. بقية الكلام نذكره في الدرس اللاحق، نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.