التعليق على الجواب الكافي 152

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 152، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام المحبة ودرجاتها وتفاصيلها

المحبة لها أقسام متعددة مثل الصبابة والغرام والعشق والشوق، وكل قسم له معنى مختلف. العشق هو إفراط المحبة مع شهوة ولا يجوز إطلاقه على الله أو رسوله.

معنى الشوق إلى لقاء الله وأدلته

الشوق إلى لقاء الله يأتي من محبة القلب العظيمة لله، وقد وردت أدعية النبي التي تتضمن طلب الشوق إلى لقائه. كما وردت أحاديث صحيحة تؤكد هذا المعنى.

التعلق بالله وحياة المؤمنين الطيبة

التعلق بالله يعني أن يكون كل تصرف الإنسان بفضل الله وإرادته، ويعيش المؤمنون المشتاقون إلى لقاء الله حياة طيبة حيث تكون همومهم مجتمعة في مرضاة الله وتكون نفوسهم راضية ومرتاحة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. فذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- بعض أقسام المحبة التي يذكرها أهل اللغة، وكذلك جاء بعضها في الأحاديث، وأعظمها التعبد. وذكر في «روضة المحبين ونزهة المشتاقين» -وهذا الكتاب للإمام ابن القيم- تكلم فيه على المحبة، وكذلك على عشق الصور، وهو فصل في هذا الباب أكثر من هنا. قال: ثم بعدها الصبابة، وسمي بذلك الانصباب القلب إلى المحبوب. هذا، ثم الغرام، أنا أيضا من أسماء المحبة الغرام. قال: وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه، ومنه سمي الغريم غريما لملازمة صاحبه الغريم الذي له الدين. سمي غريما لأنه يلازم من عنده المال الذي أعطاه المال، فلهذا يطالبه دائما، فسمي الغريم والغارمين في سبيل الله. قالوا: منه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، هذا الغرام هو نوع من أنواع الحب، وهو أنواع المحبة، وهو كما قال إمام القيم: لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه. فلهذا قال الله عز وجل في جهنم: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أي غير منفك، هو لازم للشخص. قالوا: قد أولع المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب، وقل أن تجده في أشعار العرب. أنا تجد أن هذا الغرام قل أن تجده في أشعار العرب، لكن انتشر كثيرا بين الناس، وخاصة بعد زمن المحدثين من الشعراء، فجعلوا الغرام هو أشد المحبة أو أشد الحب. قال: ثم العشق، أنا بعد الغرام يأتي العشق، وهو إفراط المحبة. أنا عندنا هنا يستعملون هذا الغرام في الجنون، يقولون: هذا رجل مغروم بالفعل. بالفعل، الميمي معناه يقولون مغروم معناه أنه به غرام، والغرام يريدون به الجنون. لأن الغارم مثل المجنون، معناه يكون محبته لازمة لا تنفك عن محبوبه. ومن ثم بعد ذلك يأتي العشق، وهو إفراط المحبة، لكن العشق كما بين الإمام ابن القيم، وكذلك شيخ الإسلام قبله، على أن هذا العشق فيه شيء من الشهوة. أن العشق يكون محبة مع شهوة، ولهذا قال شيخ الإسلام: لا يجوز إطلاقها على الله وعلى رسوله، لا يقول: عاشق الله أو عاشق النبي كما تقول الصوفية: عاشق النبي، فهذا خطأ. لأن العشق مقرون بشهوة، وهذا لا يطلق على الله عز وجل ولا على رسوله، ولا أيضا حتى على الرجل. قال: لا يقول: أنا عاشق فلان، هذا خطأ، وإنما مثلا محبا له، ما في شيء. مود له، هذا ما في شيء. أما أنه لأن المودة محبة، أما أنه يقول عاشق لا، لما العشق يكون للزوجة. قال: ثم الشوق، أي بعد العشق، لكنه هنا ليس مراتب، هنا الغالب أنه يذكر الألفاظ التي تأتي في المحبة. ثم الشوق، وهو سفر القلب إلى المحبوب، أحث السفر. وهذا الشوق هو أرفع من العشق، لكنه ليس في منزلته. فقلنا أن العشق يعتبر إفراط في المحبة مع شهوة. قالوا: لهذا لا يصف به الرب، ولا يطلق في حقه، ولا كذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. أن النبي أيضا لا يطلق في حقه، معنا كإطلاق صوفية دائما: عاشق النبي يصلي على النبي، عاشق النبي، فهذا خطأ. قال: ثم الشوق، وهو سفر القلب إلى المحبوب، أحث السفر. وقد جاء إطلاقه في حق الرب تعالى، كما في مسند الإمام أحمد، من حديث عمار بن ياسر: أنه صلى صلاة فأوجز فيها، فقيل له في ذلك: أوجز معنا، خفف. فقيل له في ذلك، فقال: أما إني دعوت فيها بدعوات كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بهن: «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خير لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي. اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى». وهذه هي الثلاث الكلمات هي المنجيات، كما جاء في الحديث الآخر: «ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، المنجيات: الخشية في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى». فذكر هنا في هذا الحديث قال: «أسألك نعيما لا ينفد»، أن هذا النعيم ليس له نفاد، أنه نعيم دائما، نعيم دائما. قال: «وأسألك قرة عين لا تنقطع»، قرة عين، أي راحة، راحة البال وراحة القلب. «وأسألك برد العيش بعد الموت»، برد العيش، معنا أفضل العيش وأطيبه. «وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم»، أنه هذا أعظم ما يعطى أهل الجنة، وهو النظر إلى وجه الله عز وجل. «وأسألك الشوق إلى لقائك»، الشوق إلى لقائك، وهذا وهو وجه الشاهد هنا. «وأسألك الشوق إلى لقائك»، الشوق معناه المراد أن القلب له محبة عظيمة يريد أن يلقى الله عز وجل. أنا من شدة محبته للقى الله، للقى الله عز وجل، فعنده شوق إلى لقائه. كما سيأتي في الحديث: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». قال: «قال في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة»، ضراء المضرة، أنا من أموري الدنيا التي يكون فيها ضر، أنا أتضرر، سواء كان في مالي أو في نفسي أو في أهلي أو في أولادي. «في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة»، وأعظمها فتنة الدين، أن يفتن في دينه. ثم قال: «اللهم زيننا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين». هذا الحديث حديث صحيح، جاء أخرجه الإمام أحمد، كذلك الترمذي وغيرهم، من طريق حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن نبيه، عن عمار، وأبوه هو السائب بن يزيد صحابي صغير. عطاء بن السائب وروى، وعطاء بن السائب مختلف، لكن حماد بن زيد قد روى عنه قبل الاختلاط. قالوا: في أثر آخر: «طال شوق الأبرار إلى لقائه»، أنا إلى لقائه، ما شد شوق الله. أعلم بهذا الأثر، ومن الذي رواه؟ لعلهم الإسرائيليات. قالوا: هذا هو المعنى الذي عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». وهذا الحديث أخرجه البخاري، مسلم، من حديث عبادة بن الصامت، جاء من طريقة ثابت عن أنس، عن عبادة بن الصامت، وجاء كذلك أيضا من حديث عائشة، ومن حديث أبي موسى الأشعري، ومن حديث أبي هريرة، وكلها في الصحيح. «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». والمراد أن من أحب لقاء الله أن يحب أن يكون عند الله له منزلة، فيشتاق إلى ربه سبحانه وتعالى، فلهذا لم يكن عمله كبير في الحياة، فهو منتظر لأجله حتى يلقى الله جل وعلا. وقيل: أن المراد كما فسره النبي عليه الصلاة والسلام: أن من أماته الله عز وجل وهو على خير أحب لقاء الله. ولهذا جاء في القبر: أنه يقول: «ربي أقم الساعة، ربي أقم الساعة»، أن اشتاق إلى الله عز وجل إلى نعيمه. قال: وقال بعضهم -البصري- في قول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ يرجو، معنا أنه يشتاق إلى الله جل وعلا إلى لقائه. قال: لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأن قلوبهم لا تهتدي دون لقائه، ضرب لهم أجلا وموعدا للقاءه تسكن نفوسهم به، وأطيب العيش وألذه على الإطلاق عيش المحبين المشتاقين المستأنسين. ولهذا تستوي عندهم الدنيا والموت، معناها ما يفكرون في الدنيا ولا يؤملون فيها، فتستوي عندهم أنهم أحياء أو أموات، لأنهم على قرة عين في هذه الدنيا، وكذلك ستقر عينهم في الآخرة. فتجد أنه لا يبالي بما أصابه في هذه الحياة، ولو كان من المصائب العظام، فهو مرتاح القلب، وأيضا في طمانينة نفس. وإن أصابه شيء من المشاق، فإنه يعلم أنها ستذهب وستنزاح عنه، ستنزاح عنه. قال -رحمه الله-: فحياة هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها. وهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. وليس المراد وليس المراد من الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار والأبرار والفجار، من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح، ليس هذا. قد يكون الرجل فقيرا، لكنه مرتاح البال، عنده طمانينة بإيمانه. بل ربما زاد الله على أوليائه في ذلك أضعافا مضاعفة. قالوا: قد ضمن الله لكل من عمل صالحا أن يحيي حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده. وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها وصارت هما واحدا في مرضات الله. وهذا يشير إلى الحديث الذي أخرجه ابن ماجة: «من جعل الهموم هما واحدا -هم الآخرة- كفاه الله هم دنياه». كفاه الله هم دنياه، فهو يفكر في الآخرة. وأيضا الحديث الآخر، حديث زيد بن ثابت: «من كانت الآخرة همه، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». أو قال: «وأتته الدنيا وهي راغمة». «وأتته الدنيا وهي راغمة». «ومن جعل الدنيا همه، فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». قال -رحمه الله-: لم يتشعب قلبه، بل أقبل على الله، واجتمعت رغبته وأفكاره التي كانت متقسمة بكل واد منها شعبة على الله. أنا كلها اجتمعت، فصار ذكره بمحبوبه الأعلى، وحبه وشوقه إلى لقائه، والأنس بقربه، هو المستولى عليه. وعليه تدور همومه وإرادته، وتصوره بكل خطرات قلبه. فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله، وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكن، وبه يحيا، وبه يموت.