الدرس في التعليق على الجواب الكافي 154، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر الإمام ابن القيم حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول معية الله لعبده، ويوضح الفرق بين معية الإحاطة والعلم والمعية الخاصة التي تعني التأييد والنصر. استخدام الباء في الحديث يفيد المصاحبة والمعية.
المعية الخاصة بالله تعالى مع عبده المؤمن تمنحه القوة والصبر وتقلب المخاوف إلى أمان. العبد المتوكل على الله لا تضره الصعاب ولا المشاق، ويهون عليه كل عسير ويقرب كل بعيد.
الله تعالى يوافق رغبة العبد المؤمن ويكره ما يكرهه، وتردد الله في إماتة العبد المؤمن يعود إلى محبته له. العبد يحن إلى ربه ومحبة الله، ويتوب إليه عند الذنب، ويتقبل الله توبته برحمته ومغفرته.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الذي مضى أن الإمام ابن القيم رحمه الله أشار إلى تفسير حديث «من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب» وتفسير حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به...» إلى آخر الحديث. فذكر تفسيره رحمه الله لهذا الحديث، وذكر أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به»، فلم يقل «وبصره الذي يبصر لي» أو «لي يبصر»، وإنما قال «بي يبصر»، أراد أن يبين أن الباء أفضل من اللام. ثم قال رحمه الله: «وإنما الباء للمصاحبة»، فالمعنى: إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي وأنا صاحبه ومعه، كقوله في الحديث الآخر: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت به شفتاه». وهذا الحديث أخرجه البخاري معلقا في كتاب التوحيد، وجزم به، ووصله في «خلق أفعال العباد». أخرجه أيضا أحمد وبعض أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، من طريق كريمة بنت الحصاحص. وكريمة لم يوثقها أحد، لكن إخراج البخاري أو جزمه بهذا الحديث في صحيحه يدل على صحته. والقاعدة عند العلماء أن ما جزم به البخاري فهو صحيح إلى من جزم به. الحديث صحيح. وجاء أيضا بالأفضلية: «أنا مع عبدي» أو «مع ظن عبدي»، وأنا معه ما ذكرني. والمعنى يقارب هذا: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت به شفتاه. قال: وهذه المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالى: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، وهي خاصية أو معية التأييد والنصر، وهي تكون معية خاصة. والمعية العامة هي معية الإحاطة والعلم، قال: وهي معنا أيضا، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» حديث أبي بكر في الصحيحين، من طريق قتادة أو من طريق ثابت البناني عن أنس عن أبي بكر. قال: وقوله تعالى: ﴿وإن الله لمع المحسنين﴾، وقوله: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، وقوله: ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾، وقوله: ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾، وقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، هذه كلها المعية الخاصة، وهي معية التأييد والنصر. قال: فهذه الباء مفيدة لمعنى المعية دون اللام، أنا لما يقول: «فبي يبصر» أفضل من «فلي يبصر». قالوا: لا يتأتى للعبد الإخلاص والصبر والتوكل ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه المعية. ومعلوم أن كما ذكر الإمام ابن القيم: أن الحديث فيه مستغفر وغافر، ومستعيد ومعاد، وسائل ومجيب، وهو الله عز وجل المجيب، والسائل هو العبد، فدل على أن المراد بالمعية هنا معية المصاحبة التي يكون فيها التوفيق، أن يوفق الله عز وجل العبد في أعضائه، فيسمع الخير ويبصر أيضا ما يرضي الله عز وجل، وكذلك أيضا يبطش بكل ما يرضي الله سبحانه وتعالى، وكذلك يمشي إلى ما يرضي الله جل وعلا. قال: فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه أمانا، حتى إذا اشتدت عليه المخاوف تجد أنه يجد نفسه في أمان، كما قال الله عز وجل بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾. وأيضا قال الله عز وجل: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله﴾. قال: فهذا الوعد هو نصر الله عز وجل، فلما اشتدت عليهم الكروب وزلزلوا قالوا: هذا هو وعد الله عز وجل. وأما أهل النفاق فقالوا: «ما وعدنا الله ورسوله إلا غرور». فلهذا المؤمن تنقلب عنده المخاوف أمانا. قال: فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد. لهذا تجد المتوكل على الله لا تضره الصعاب ولا المشاق ولا العسر، لأنه يعلم أن كل ذلك عند الله فيهون عليه كل صعب، ويسهل عليه كل عسير، ويقرب كل بعيد. وبالله تزول الأحزان والهموم والغموم، فلا هم مع الله ولا غم ولا حزن، إلا حيث يفوته معنى هذه الباء، أن من فاته معنى هذه الباء هو تأييد الله عز وجل، وقد فاته الخير الكثير الذي ينبغي أن يحزن له، لكن لا ينبغي أن يحزن لأمر الدنيا. لهذا قال الله عز وجل: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تهنوا على ما آتاكم﴾. فلهذا فالمؤمن إن أعطي فهو راض، وإن لم يعط فهو أيضا راض، مؤمن بقضاء الله عز وجل، وقانع بما آتاه الله عز وجل. وأيضا إن فاته شيء من الدنيا لا يحزن عليه، لكن إن فاته شيء من أمر الآخرة ومن الخير تحسر عليه. قال: وإلا حيث يفوته معنى هذه الباء فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارق الماء، يثب وينقلب حتى يعود إليه. قال: ولما حصلت هذه الموافقة من العبد لربه تعالى في محاب الله عز وجل، وفقه الله عز وجل أن يحب العبد ما يحبه الله، حصلت موافقة الرب لعبدي في حوائجه ومطالبه. فقال: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»، أي: كما وفقني في مرادي في امتثال أوامري والتقرب لي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعل به، واستعيذني أن يناله مكروه. وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين، حتى اقتضى ذلك تردد الرب سبحانه في إماتة عبده، كما في الرواية التي جاءت أيضا في صحيح البخاري: «وما ترددت عن شيء ترددي عن قبض روح عبد المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته». انظر إلى الرب الرحيم جل وعلا يقول: «ما ترددت عن شيء ما ترددي عن قبض نفس عبد المؤمن أو روحه، يكره الموت وأكره مساءته». وهذا إذا كمل العبد هذه المراتب العظيمة، واعتقد أن الله عز وجل معه يصاحبه في كل مكان، وهو مراقب لله، والله عز وجل مطلع عليه. قال: لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكره عبده، ويكره مساءته. فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته، ولكن مصلحته في مماته، مصلحة العبد، وحكمة الله عز وجل اقتضت إماتته. قال: فإنه ما أماته إلا ليحييه، وما أفقره إلا ليغنيه. ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عمار: «اللهم إني أسألك الشوق إلى لقائك من غير فتنة مضلة» أو «من غير فتنة مضلة». فهذا يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلا إن أماته يمته قبل أن يفتنه كما جاء في بعض الروايات: «وأمتني غير مفتون». أي يسأل الله عز وجل أن يميته قبل أن يفتنه بشيء من أمور الدنيا أو في الدين. قال: وما منعه إلا ليعطيه، ولم يخرج من الجنة من صلب أبيه إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله. وقول: «وما منعه إلا ليعطيه»، أي: ما منعه شيء في الدنيا فصبر إلا عوضه الله عز وجل في الجنة أعظم منه، أو أنه يعطيه ذلك حتى في الدنيا، يسر الله عز وجل له حتى في الدنيا. قال: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى، ما الحب إلا للحبيب الأول. كم منزل في الأرض يألفه الفتى، وحنينه أبدا لأول منزل. قال: مهما الشغل أو تراكمت عليه الهموم، فيرجع إلى الله عز وجل ويدعو الله، لأنه يعلم أن الله عز وجل هو الذي يؤيده وينصره، وهو وليه، كما قال الله عز وجل: ﴿قل إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾. فلهذا فالعبد يحن إلى ربه جل وعلا وإلى محبة الله سبحانه وتعالى، حتى لو فعل ذنبا رجع إلى الله وتاب إليه، وأنكسر وذل عند ربه جل وعلا حتى يغفر الله له جل وعلا، وهو الرحيم الغفور سبحانه وتعالى. هذا ما ذكره في هذا الباب، نكتفي به والله تعالى أعلم.