التعليقات على كتاب الأدب المفرد 254

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 254، ألقاها

دعاء الممدوح وتواضعه

كان الصحابة يدعون الله ألا يؤاخذهم بما يقوله الناس عنهم من مدح، وأن يغفر لهم ما لا يعلمه الناس من تقصيرهم، وأن يجعلهم خيرًا مما يظن الناس بهم. هذا الدعاء يدل على تواضعهم وخوفهم من الله.

خطورة المدح الزائد وتحذير النبي منه

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المدح الزائد لأنه قد يؤدي إلى الكبر والإعجاب، وأمر بطرح التراب في وجوه المداحين، وحث على الجمع بين حسن العمل والخوف من عدم القبول. هذا التحذير يدل على أهمية التواضع وعدم الاغترار بالمدح.

تحذير النبي من نقل الأخبار بدون تثبت وشرح حديث "بئس مطية الرجل زعم"

شرح النبي الحديث "بئس مطية الرجل زعم" حيث يحذر من استخدام لفظة "زعم" في نقل الأخبار دون تثبت لأنها قد تؤدي إلى الكذب. كما ذكر أن هذه اللفظة مذمومة في القرآن الكريم وتشبه الكفار في أقوالهم المكذوبة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب ما يقول الرجل إذا زكي. قال: حدثنا مخلد بن مالك، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: أخبرنا مبارك بن فضالة، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عدي بن أرطأة، قال: كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا زكي، قال: «اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون». وهذا الأثر صححه العلامة الألباني رحمه الله. أولد الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب، باب ما يقول الرجل إذا زكي، ترجم بهذه الترجمة: ما يقوله الرجل إذا زكي، يعني إذا مدح وأثني عليه، فماذا يقول؟ فذكر هذا الأثر عن عدي بن أرطأة، قال: كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا زكي -يعني مدح وأثني عليه- قال: «اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون». وزاد البيهقي في شعب الإيمان: «واجعلني خيرا مما يظنون». فهذه الكلمات تدل على عظيم فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعظيم خوفهم من الله سبحانه وتعالى. وأنهم مع فضلهم وعظيم منزلتهم، كانوا يخافون على أنفسهم، ويلجأون إلى الله سبحانه وتعالى، ويذكرون فقرهم لربهم وعظيم حاجتهم إلى خالقهم سبحانه وتعالى، فلا يغترون بما يقال لهم، ولا بما يثنى به عليهم، مع كونهم أهل الفضل والإيمان والإحسان. ومع ذلك فإنهم يلجأون إلى الله سبحانه وتعالى خوفا على أنفسهم. قال: «كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا زكي، قال: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون»، أي: ما يقولونه من المدح والثناء، لا تؤاخذني به، فإني لم أقله، وغير راض به، ولم آذن به، فلا تؤاخذني بما يقولون. «واغفر لي ما لا يعلمون»، أي: قد يكون عندي تقصير، وعندي أمور تحتاج إلى مغفرة، وإلى ستر، وهم لا يعلمون ذلك، وإنما يحكمون بالظاهر، فاغفر لي ما لا يعلمون. «واجعلني خيرا مما يظنون»، اجعلني خيرا مما يظنون، فهم يظنون بي الخير والصلاح واستقامة، فاجعلني خيرا من ذلك. فهذه الكلمات كلمات عظيمة، يذكر بها الإنسان نفسه إذا زكي ومدح وأثني عليه، فإنه يكسر هذا المدح والثناء بمثل هذه الكلمات، حتى لا يقع في العجب والغرور الذي يتأثر به كثير ممن يمدح ويثنى عليه، فيغتر ويعجب بنفسه، فيجعله في غفلة من التوبة والإنابة، وكذلك من إحسان العمل واللجوء إلى الله والخوف. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المدح والثناء، وأمر عليه الصلاة والسلام أن يحثى في وجوه المدحين التراب والحصباء، لأن ذلك سبب للضرر بالممدوح وتأثره بذلك، فيكون ذلك سببا في تركه العمل. قال: «واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرا مما يظنون»، يعني: ممن يحسن العمل لله سبحانه وتعالى، فاجعلني خيرا مما يظنون، وهذا طلب لإحسان العمل مع الخوف، وهذا هو كمال الإيمان. وينبغي على المؤمن أن يجمع بين حسن العمل وبين الخوف، وبين الخوف من عدم قبوله، كما قال الله جل وعلا في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، أولئك يسارعون في الخيرات، وهم لها سابقون. فأخبر الله سبحانه وتعالى أن من صفات أهل الإيمان أنهم يفعلون ما أمرهم الله سبحانه وتعالى به من الأعمال والواجبات والفرائض، ومع ذلك هم على خوف عظيم، خائفون ووجلون أن لا تقبل أعمالهم. فالمؤمن يجمع بين حسن العمل والخوف، والمنافق يجمع بين سوء العمل والأمن. فهذه الكلمات كلمات طيبة، ينبغي أن يحفظها المسلم، وخاصة طالب العلم على وجه الخصوص، حتى لا يغتر بما يقال فيه، ويمدح، وما يثنى به عليه، فيتأسى بالصحابة رضي الله تعالى عنهم، فيقول: «اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرا مما يظنون». قال: وحدثنا أبو عاصم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن أبا عبد الله -قال لأبي مسعود- أو أبو مسعود قال لأبي عبد الله، وأبو عبد الله هو حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، كما جاء في مسند الإمام أحمد، مصرحا باسمه، قال: «ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في زعم»، قال: قال: «بئس مطية الرجل». والحديث صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله. قال: وحدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: حدثنا يحيى بن عبد العزيز، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، أن عبد الله بن عامر قال: يا أبا مسعود، ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زعم؟ قال: سمعته يقول: «بئس مطية الرجل». وهذه الرواية بهذا السند، قال شيخ الألباني رحمه الله: رواية شاذة، بل منكرة. وسبب ذلك هو يحيى بن عبد العزيز، يحيى بن عبد العزيز ليس بمشهور بالحفظ والضبط، قد قال فيه الحافظ: مقبول، يعني إذا توبع، وعند التفرد فهو ضعيف الحديث. وقد قال: فهنا جمعا من الرواة ممن رواه هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، كما في الرواية أو السند الذي قبله، فرواه عن الأوزاعي، عن أبي قلابة، أن أبا عبد الله... الحديث هنا. قال: فهم فكانت روايته شاذة. وقوله: «وسمعته يقول: لعن المؤمن قتله»، هذه لفظة صحيحة، وهي في صحيح البخاري، من حديث ثابت، عن الضحاك رضي الله تعالى عنه. وقوله: «ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في زعم»، يعني: ما يقول عليه الصلاة والسلام في زعم. وفي هذه اللفظة قال: «بئس مطية الرجل». بئس مطية الرجل، وزعم هذه اللفظة تطلق في الكلام غير المتحقق منه، الكلام غير المتحقق منه، فكلام لا تعرف حقيقته، وغير متثبت منه، تنقله على وجه ما نقل، وتقول: زعم كذا وكذا، زعم الناس كذا وكذا. فهذه زعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس مطية الرجل»، والمطية: الدابة التي يركبها الإنسان لقطع المسافة التي يريد الوصول بها إلى المكان المقصود، إذا يريد مكانا يقصده، فيقطع هذه المسافة بالمطية التي يركبها. فشبه النبي صلى الله عليه وسلم من كانت مجالسه وأقواله زعم، بأنها بئس المطية التي يتخذها، فتكون مجالسه بنقل الأقوال والأخبار بقوله: زعم كذا وكذا، وزعم كذا وكذا. وغالبا تطلق زعم في الخبر الذي لا سند له، ولا يثبت، أو شيء غير ثابت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس مطية الرجل»، يعني: أن يكون نقله للأخبار بهذا اللفظ: زعم كذا وكذا، لأن هذا مما يوقعه في الكذب. قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع»، أن يحدث بكل ما سمعه. والذي ينبغي على المسلم أنه يتثبت في الأخبار والأقوال التي يريد نقلها، والإخبار بها، حتى لا يقع في الكذب. وقال بعض أهل العلم: كذلك وجه ذم هذه اللفظة، أنه كذلك قد ورد في القرآن ذم الله جل وعلا لأقوام كانت لهم أخلاق مذمومة، وأقوال مكروهة، وذلك لما كانوا يقولونه من كذب وزور وبهتان بهذا الزعم، كقول الله جل وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾، قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم، وذلك على الله يسير. وغيرها كثير في القرآن، ذكر هذه اللفظة على وجه الذم لقائليها. فقال بعض أهل العلم: كره النبي صلى الله عليه وسلم مشابهة هؤلاء في مثل هذه اللفظة، في الأجل لذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس مطية الرجل»، حتى لا يشابه هؤلاء في أخلاقهم، وفي أقوالهم. ووجه ذكر هذا الأثر في هذا الباب، باب ما يقول الرجل إذا زكي، المناسبة غير ظاهرة، أنه قال: باب ما يقول الرجل إذا زكي، وذكر فيه أثر عدي بن أرطأة، وهو ظاهر في مناسبته للباب. وأما حديث حذيفة أو أبي مسعود، ليس ظاهر المناسبة للترجمة. وقد يكون المراد في ذكره في هذا الباب، أن مما قد يكون فيه من المدح والثناء، ما يدخل في هذا الباب، في باب الزعم، فيكون كذبا، فنبه على ذلك، أنه ينبغي إذا تكلم الإنسان، يتكلم في شيء وهو متثبت منه، وهو متثبت منه، حتى لا يقع في مثل هذا المكروه. فلعل هذا وجه المناسبة، والله أعلم.

شاركنا على