الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 238، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدرس يحث على الصدق وملازمته لأنه يرتبط بالبر ويوصله إلى الجنة، ويحذر من الكذب لأنه يؤدي إلى الفجور والنار. الصدق نجاة في الدنيا والآخرة ويكون في الأقوال والأفعال.
النبي يحذر من المقاطعة والتدابر بين المسلمين ويأمر بالصلح والسلام، كما يحذر من الحسد والتباغض ويؤكد على أهمية الأخوة الإسلامية التي تتطلب المحبة في الله وعدم الإضرار بالآخرين.
يناقش الدرس أهمية سؤال الله العافية لمن لم يبتلى، ويشير إلى أهمية الدعاء بأسماء الله وصفاته، ويذكر أن تمجيد الله عز وجل في الدعاء من أسباب إجابة الدعاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البقاء رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب من سأل الله العافية: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة وابن الحجاج، قال: حدثنا سويد بن حجير، وهو الباهلي، قال: سمعت سليم بن عامر، وهو الكلاعي، أبو يحيى الحمصي، عن أوسط بن إسماعيل، قال: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم عام أول مقامي هذا، ثم بكى أبو بكر، ثم قال: عليكم بالصدق؛ فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب؛ فإنه مع الفجور، وهما في النار، وسألوا الله المعافات؛ فإنه لم يؤت بعد اليقين خير من المعافات، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا. هذا الحديث مرة أنه صحيح، ويشهد لألفاظه ما في الصحيحين من حديث بن مسعود في القطع الأولى من الحديث، ولي القطع الأخيرة كذلك ما جاء في الصحيح من حديث ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة. وفي هذا الحديث حث النبي عليه الصلاة والسلام على الصدق وملازمته، قال: «عليكم بالصدق»، أي يلزموا الصدق؛ فإنه مع البر، وهما في الجنة، أي الصدق والبر. والصدق ذكرنا أنه موافقة الخبر للواقع، موافقة الخبر للواقع، فإذا وافقه الخبر الواقع فهو صدق، وهو كما ذكر أنه من أفضل الأخلاق أو من الأخلاق الفاضلة التي حث عليها الشرع ورغب فيها، بل أمر الله سبحانه وتعالى بالتحلي به ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. وكذلك أيضا الصدق نجاة ينجي العبد من المهارك في الدنيا والآخرة، فالصدق نجاة للعبد كما ذكرنا في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، كيف أنهم نجوا بصدقهم الرسول عليه الصلاة والسلام وعدم كذبهم. وكذلك أيضا نعلم أن الصدق يكون في الأقوال والأفعال، يكون في الأقوال وفي الأفعال، فالصدق في الأقوال بأن تتحدث بالصدق وأن لا تقول إلا الحق، والصدق في الأفعال بأن توافق الأفعال وما يصدر في الجوارح ما في الباطن، فمثلا إذا صلى العبد وصام وزكى وفعل ما فعل من الطاعات والقربات وهو مؤمن في قلبه فهذا صادق في قوله وفي فعله، بخلاف ما لو صبر منه هذا الفعل وهذه الأعمال وهو في الباطن غير مؤمن بها، فهذا كاذب كحال المنافقين. فالصدق مع البر، والبر كل خير أمر به الشرع وحث عليه، ومنه الصدق، والله جل وعلا تسمى باسم البر، وهو البر الرحيم، أي كثير الخير والإحسان. فالصدق مع البر وهو ما في الجنة، والجنة هي غاية كل مؤمن صادق مريد الخير، فإن مقصده الجنة، فإذا علم أن الصدق يوصله إلى فعل الخير وفعل الخير يوصله إلى الجنة، فإنه ينبغي أن يتخلق بخلق الصدق، ولهذا جاء في حديث عبد الله بن مسعود: «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل لا يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا»، يكتب عند الله عز وجل من الصديقين، ودرجة الصديق درجة عظيمة كما قال الله عز وجل: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾، فهذه الدرجة العظيمة لا ينالها الرجل إلا إذا تخلق بخلق الصدق ولازمه وتحراه يتحرى الصدق ما أمكن. قال: «وإياكم والكذب؛ فإنه مع الفجور وهما في النار»، إياكم أي احذروا احذروا الكذب، والكذب عكس الصدق، وهو مخالفة الخبر للواقع، مخالفة الخبر للواقع، فإذا تحدثت بخلاف الواقع فهذا كذب، فهذا كذب، وهو من الصفات الذميمة من الصفات التي جاء الشرع بالتحذير منها، بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها من صفات أهل المنافقين، بل هي كذلك من صفات الكافرين. فالكذب صفة ذميمة لا يجوز المسلم أن يكذب ولو كان من باب المزاح، لا يجوز، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويل لمن كذب ليضحك الناس، ويل له ثم ويل له»، يضحك أو يكذب الأجل يضحك الناس، ومنهما يفعل في المسرحيات والتمثيليات التي لا تخلو من كذب، ورغم ما يفعلها بعض من ينتسب إلى أهل الصلاح يقيمون مثل هذه الأفعال التي تجتمل على الكذب لأجل إضحاك الناس، وهذا لا يجوز. فالكذب مع الفجور؛ فإنه مع الفجور، والفجور الخروج عن طاعة الله، الخروج عن طاعة الله، ومن أعظم الفجور الكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿أولئك هم الكفرة الفجرة﴾، فالكذب يوصي إلى الفجور كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، يخرج العبد عن طاعة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إن تعود الكذب سهل عليه الكذب، فربما يكذب في الأمور الهينة ثم يتساهل في الكذب حتى يكذب في أمور الدين ويكذب على خلق الله، وربما يكذب على الله فيقع فيقع عياذا بالله في الفجور الذي يوصله إلى النار، وهو ما في النار أي الكذب والفجور، وكما قال الله عز وجل: ﴿إن الفجار لفي جحيم﴾، فينبغي للمسلم أن يحذر من الكذب، ولهذا لم يأتي في الشرع إجادة الكذب إلا في ثلاثة أشياء: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. قال: «وسلوا الله المعافات؛ فإنه لم يؤت بعد اليقين خير من المعافات»، وهذا كذلك حث من النبي عليه الصلاة والسلام بسؤال الله عز وجل المعافاة، أن تسأل الله عز وجل العافية، أن يعافيك ويسلمك من الآفات والشرور والأسقام والبلاء؛ فإنه ينبغي للمسلم أن يسأل الله عز وجل المعافاة، لا يتمنى الشر ولا يتمنى البلاء والفتن، بل يسأل الله عز وجل العافية والسلامة، فذلك أسلم له وخير له، وهو كذلك من الخير الذي يوفق له العبد أن يعافيه الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا سأل البلاء أو الشر ربما لا يصبر ولا يتحمل، وربما يوقعه في المعاصي وفي الذنوب، فيكون عليه شر عظيم. قال: «ولا تقاطعوا ولا تدابروا»، وهذا كذلك نهي عن المقاطعة والمهاجرة والتدابر، بأن يولي المسلم أخاه ظهره ودبره، وهو من معنى الهجران، فلا يجوز المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا كان في أمر من أمور الدنيا إذا حصل بين الأخ وأخيه شيء فأجاز الشرع أن يهجره ثلاثة أيام، وبعد الثلاثة الأيام لا يجوز له أن يهجره، بل يجب عليه أن يسلم عليه، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. أما إذا كان لأمر الدين وكان في هجره مصلحة فيجوز أكثر من ذلك، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع الثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك؛ فإنه هجرهم، أمر الصحابة بهجرهم خمسين ليلة. قال: «ولا تحاسدوا»، وهذا كذلك نهي عن التحاسد، أن يحسد المسلم أخاه، والحسد تمني زوال النعمة عن المحسود، وهو كذلك من الصفات الذميمة، بل هي من الصفات اليهود، كما قال الله عز وجل: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾، والحاسد معترض على قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره؛ لأن الذي أعطى ذاك النعمة هو الله، والذي منع الحاسد النعمة هو الله، فالله عز وجل يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فأنت إذا حسدت ذاك على ما أعطاه الله عز وجل فأنت معترض على قضاء الله عز وجل وغير راضي بقضائه، وهذا من ضعف الإيمان، وهذه من مفاسد الحسد. قال: «ولا تباغضوا»، كذلك نهي عن التباغض، لا يبغض المسلم أخاه، بل ينبغي أن يحب أخاه المسلم في الله سبحانه وتعالى، وإنما البغضاء تكون لأهل الكفر ولأهل المعاصي. قال: «وكونوا عباد الله إخوانا»، أي احرصوا على إخوة الإسلام والتحابب في الله عز وجل التي تنافيها هذه الأفعال: المقاطعة والحسد والبغضاء، كل ذلك ينافي الأخوة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم مع أخيه، بل المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه. قال رحمه الله: حدثنا قبيصة، وهو من عقبة، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن الجريري، وهو سعيد بن إياس أبو مسعود البصري، ثقة إلا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، والثوري مما روى عنه قبل الاختلاط، أو كذلك ممن تميز حديثه فهو صحيح الحديث عنه، ومثله كذلك شعبة وحماد بن السلمة إذا روى عن الجريري فحديثهم صحيح، قال: عن أبي الورد، وهو ابن ثمامة القشيري، مقبول، قال: عن النجلاج، وهو العامري، قال البخاري: له صحبة عن معاذ بن جبل، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يقول: «اللهم إني أسألك تمام النعمة»، قال: «هل تدري ما تمام النعمة؟»، قال: «تمام النعمة دخول الجنة والفوز من النار»، ثم مر على رجل يقول: «اللهم إني أسألك الصبر»، قال: «قد سألت ربك البلاء فسله العافية»، ومر على رجل يقول: «يا ذا الجلال والإكرام»، قال: «قد أُعطيت» والحديث ضعيف. فأبو الورد هذا مجهول، وألفاظ الحديث بعضها تدل على صحتها، عموم الأدلة الأخرى تشهد لصحة هذه الألفاظ، منها أن تمام النعمة دخول الجنة والفوز من النار، وهذا لا شك أنها أعظم نعمة إذا وفق لها العبد ووفق لها المسلم فقد وفق للخير كله، فتمام النعمة أن تدخل الجنة وتفوز من النار، فالمسلم يعبد الله عز وجل يفعل الطاعات والقربات ويترك المحرمات لأجل هذا المقصد أن يفوز بالجنة وينجو من النار. وقوله: «اللهم إني أسألك الصبر»، قال: «سألت ربك البلاء فسله العافية»، لأن الصبر يكون عند البلاء وعند الضراء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته السراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته الضراء صبر فكان خيرا له»، فإنه إذا سأل الصبر فإنه يسأل حصول البلاء، إلا إذا كان يقصد بذلك سؤال الصبر عند وقوع البلاء الذي قد وقع، فهذا لا بأس به، يسأل من الله عز وجل أن يعينه على أن يصبر على هذا البلاء الذي ابتلي به. وأما إن لم يكن ابتلي بشيء من البلاء فإنه يسأل الله العافية، يسأل الله عز وجل أن يعافيه من كل سوء ومكروه. وقوله ومر على رجل يقول: «يا ذا الجلال والإكرام»، قال: «سل»، أنه سأل الله عز وجل بأسمائه وصفاته ومجد الله عز وجل، وذلك من أسباب إجابة الدعاء. إلى هنا والله تعالى أعلم.