كتاب القضاء 1

الدرس في كتاب القضاء 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شروط وآداب القضاء

يتناول هذا الفصل الشروط الواجب توافرها في القاضي، مثل الاجتهاد والعدالة، وآداب القضاء مثل التسوية بين الخصوم وعدم قبول الهدايا التي قد تعتبر رشوة. كما يستدل على هذه الشروط والآداب بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.

تحريم الرشوة والهدايا للقاضي

يشرح هذا الفصل تحريم الرشوة ومعناها وأنواعها، ويوضح حكم قبول الهدية للقاضي قبل وبعد توليه القضاء، معتمدًا في ذلك على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

أحكام وآداب الحكم القضائي

يتطرق هذا الفصل إلى آداب القضاء مثل ضرورة سماع كلا الطرفين قبل إصدار الحكم، وعدم الحكم في حالة الغضب أو الانشغال، وأحكام تتعلق بالقضاة مثل تيسير الحجاب وجواز اتخاذ الأعوان.

أحكام إضافية تتعلق بالقضاة والحكم

يتناول هذا الفصل بعض الأحكام الإضافية المتعلقة بالقضاة مثل الشفاعة في الخصومات، ويؤكد على أن حكم القاضي لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله، وصحبه، ومن والاه، ما بعدُ. قال الإمام الشوكان رحمه الله تعالى في كتاب القضاء: «إنما يصح قضاء من كان مجتهدًا، متورعًا عن أموال الناس، عادلًا في القضية، حاكمًا بالسوية». هذه الآن آداب من آداب القضاء، وبعضها واجب، وبعضها مستحب، وبعضها قد يكون شرطًا. فاشترط أكثر العلماء أن يكون القاضي مجتهدًا، وهذا المجتهد إما أن يكون مجتهدًا في المذهب نفسه -مذهب الذي يمشون عليه- وإما مجتهدًا مطلقًا؛ لأن المجتهد عند الفقهاء على قسمين: مجتهد في المذهب، ومجتهد مطلقًا. ومن الفقهاء من حاز المرتبتين، على قسمين، المثال النووي رحمه الله بالنسبة للمذهب الشافعي، وهو مجتهد في المذهب الشافعي، ومجتهد أيضًا مطلقًا، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم في مذهب الحنابلة، وهم مجتهدون في المذهب، ومجتهدون مطلقًا. يراد بالمجتهدين مطلقًا أنهم يرجحون ما يتقيدون بمذهب معين، لكن هذا المجتهد في المذهب يتقيد بمذهبه، وهو يرجح ما جاء في المذهب. فلهذا فاشترط العلماء الاجتهاد، أما المقلد ما يصلح أن يكون قاضيًا؛ لأنه كما قال الإمام ابن عبدالبر: «إن المقلد ليس عالمًا، إنما هو نسخة من غيره». وذكر الشوكاني رحمه الله أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالعدل والقسط، وقال لنبيه: «﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾»، ومعنى «بما أراه الله» أنه يجتهد، ونهاه أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون. فلهذا أمره الله عز وجل بأن يحكم بما أراه الله، والمراد أنه يجتهد، فلهذا فلا يكون القاضي مقلدًا. وذكر الشوكاني رحمه الله أن مما يدل على اعتبار الاجتهاد حديث بريدة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار». وهذا الحديث حديث صحيح قد ذكره شيخنا مقبل في «الصحيح المسند»، وجاء موقوفًا على علي رضي الله عنه من طريق حشيم. فالحديث يبين أن الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ولا يعرف الحق إلا من اجتهد في معرفة الحق، فلهذا لا بد أن يكون القاضي مجتهدًا، وهذا الاجتهاد عند عدم وجود النص، عند عدم وجود النص، أما إذا وجد نص في القضية -نص من الكتاب والسنة- فليس له أن يجتهد. ثم قال رحمه الله: «عادلًا في القضية، حاكمًا بالسوية»، العدل لا بد منه، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَنَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْنَا﴾، وقال أيضًا: ﴿وَنَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، والقسط هو العدل. وقوله: «بالسوية» المراد أنك لا تفضل أحدًا على أحد في القضاء، ولهذا يقول العلماء: «إن القاضي لا ينبغي له أن يخرج إلى الأسواق ويخالط الناس؛ حتى لا يكثر معارفه؛ لأن لو كثر معارفه قد يتساهل في الحكم، مثلًا يخرج إلى سوق الخضراء، هذا يعطيه كذا، وهذا يعطيه كذا، إذا عرفوا أنه القاضي، وهذا يعطيه الصيد مجانًا، وهذا يعطيه لحمًا مجانًا». فلهذا قالوا: «لا ينبغي للقاضي أن يخرج إلى الأسواق؛ لأن هذا العطاء والهدايا قد تؤثر عليه في الحكم»، ولهذا لا بد أن يكون القاضي دينًا، ورعًا؛ معنى لا يحابي في قضائه أحدًا، ولو كان من أهله. قال: «ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه، ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك». وهذا قد جاء في حديث أبي موسى في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إننا لا نوليها من حرص عليها». وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن بن سمرة: «يا عبدالرحمن بن سمرة، لا تسأل إمارة؛ فإنك إن أعطيتها من غير مسألة، وُعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة، وكلت إليها»، أي: تخلى الله عز وجل عنك. وجاء في حديث أبي هريرة في البخاري: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة»، المرضعة التي ترضع، والفاطمة التي تفطم الصبي، معنى: فنعم المرضعة -أي التي لا تحرص على هذا الشيء- بل تحرص على ما يغذي جسمها أو روحها ليوم القيامة، وقيل أيضًا في تفسير غير ذلك. وأما قوله: «لا يحل للإمام تولية من كان حريصًا» لحديث أبي هرام أيضًا في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنه والله لا نولي هذا العمل أحدًا يسأله أو أحدًا يحرص عليه»، أي: لا نولي من حرص على هذا العمل أو يسأله، يقول: «أنا أريد أن أكون كذا، أن أكون قاضيًا، أن أكون وزيرًا»، فهذا الطلب خطأ، وغالبًا ما يدل الحرص على هذه المراتب إلا لأجل كسب المال أو للتسلط على الناس. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ذئباني جائعان أرسلا على حضيرة غنم بأفسد منها من حرص الرجل على الجاه والشرف»، أي: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أرسلت ذئبين جائعين على حضيرة غنم، ماذا سيفعلان فيها؟ سيفسدان»، أي: إذا غالبًا الذئب إذا وجد الغنم، وما يكتفي بأنه يأخذ واحدة ويذهب، لا، ينهش هذا، وينهش هذا، وينهش هذا، حتى يقتل الجميع. فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين أن حرص الرجل على الشرف والجاه أفسد من هذا في الحضيرة، أي: يفسد كثيرًا عندما يحرص الإنسان على أن يكون له الشرف، وله الجاه، فما يحرص إلا لأجل أمر في نفسه، إما أنه يريد يتأمر على الناس، وإما أنه يريد المال، وكلاهما شر. فلهذا لا يجب على الإنسان أن يحرص على مثل هذه الولايات، لكن إن كان الرجل طلب لذلك، وهو أهل فلا يجب له أن يتأخر. وقال أيضًا: «بعضها واجب إذا كان تعين على الرجل أن يمسك القضاء»، فهذا لا يجب له أن يحيد، تعين كيف؟ مثلًا في منطقة من المناطق ليس هناك من هو أهل فقيه إلا هذا الرجل، فليس من يستطيع أن يمسك القضاء إلا هذا الرجل، يكون مثلًا قلة الفقهاء، قلة من يمسك هذا المنصب، ولا بد للناس من قاض يقضي بينهم، فهنا في مثل هذا يتوجب عليه، ويتعين عليه أن يوافق على ذلك، ولو طلبها، بل يقول العلماء: «ولو طلبها»، واستدلوا بما فعل نبي الله يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. وبعض العلماء يقول: «إن هذا لعله في دينه أو في شريعته مقصد»، لكن استدل بعضهم على هذا على أن من تعين عليه لعدم وجود غيره، فلا شك أنه يتعين عليه، ويجب عليه، وهذا حال يوسف لما مسك القضاء، ما كان أهل من المسلمين إلا قليل، معنى: ما كان قد انتشر الإسلام كثيرًا، معنى: دعوة يوسف لم تنتشر كثيرًا في مصر، حتى كان بعدها، حتى مسك القضاء، ومن ثم بعد ذلك مسك الملك، صار عزيزًا لمصر، ثم صار ملكًا. فلهذا في بعض المواضع كما قلنا يتعين، وأيضًا يقول الشوكاني هنا: «ومن كان متأهلًا للقضاء فهو على خطر عظيم»، إذا تعين أو عين للقضاء من قبل الأمير، ولم يجد بدًا من إمساكه، تجد العلماء في هذا الباب من هم من يرضخ للأمير -للحاكم- ومن العلماء من يتحجج بأي حجة؛ لأن أحيانًا الحاكم يقول مثلًا: «أنا لا أعفيك»، مثل ما جاء عن بعض السلف أنه مسك القضاء أو طلبه الحاكم للقضاء، فقال: «أعفني»، قال: «لا أعفيك»، فكرر على الحاكم، قال: «لا أعفيك أبدًا»، فمسك القضاء، والظاهر كأنه ابن سريج الشافعي، فمسك القضاء فترة، ثم جاء إلى الأمير، وقال: «يا أمير المؤمنين، أود أن تعفيني»، فعفاه بعد ذلك. لا، ليس ابن سريج، ابن سريج الظهر متأخر، أحد من المتقدمين، ومن أهل العلم من السلف من كان يهرب، مثل ما فعل سفيان الثوري، هرب من القضاء، تظاهر بالجنون لما دخل على المهدي، وأمره بالقضاء، تظاهر بأنه مجنون، كان يضع إصبعه في فمه، ويقول: «هذا بول، هذا بول»، كأنه جن، فهرب. فلم يجد هروبًا، ألزمه المهدي على ذلك، قال: «أعطيني فرصة أفكر»، فذهب وخرج في الليل وهرب، وهذا لشدة خوفه من هذا الباب. وكما قال الإمام مالك: «هناك رجلان لو وزن بالامة لوزناهما، لكن أحدهما لا يصلح أن يكون أميرًا للناس، والآخر يصلح لذلك»، يريد الأوزاعي والثوري، أي: هما أئمة الناس، لكن يقول: «إن الثوري ما يصلح أن يكون؛ لأنه رجل لنفسه»، معنى: مبالغ في إصلاح نفسه، بخلاف الأوزاعي، الأوزاعي كما قال الإمام مالك: «الأوزاعي رجل أمة»، يعني: يقول: «إن هناك رجلًا كما جاء في بعض الأوقات عن مالك يقول: إن هناك رجلين: رجل عالم لنفسه، ورجل عالم لنفسه، وعالم لأمة»، ويريد الأوزاعي أنه يصلح أن يكون عالمًا للأمة، قاض، أما الثوري ما يصلح؛ لأنه يتزهد أكثر، وأيضًا يحاول إصلاح نفسه أكثر، وهذا قد لا يصلح في القضاء. والمهم أن سلفًا كثيرًا ما يهربون من هذا، بل لما سئل الإمام محمد رحمه الله عن عبدالرحمن بن مهدي، ووكيع -وكلاهما من مشايخه- أيهما تفضل؟ قال: «وكيع»، فضل وكيع على عبدالرحمن بن مهدي، مع أنه يحب عبدالرحمن بن مهدي كثيرًا، فقال له: «لم فضلت وكيع على عبدالرحمن بن مهدي؟» قال: «عبدالرحمن بن مهدي كان له صاحب، فمسك القضاء، فلم يتركه، وكان وكيع له صاحب، مسك القضاء، فتركه»، أي: فضل بينهما من هذا الباب، أي: شدت الورع في هذا الباب، وكلما كان الرجل متباعدًا عن مثل هذه الأبواب كان أصلح لنفسه. طيب، وأيضًا قد جاء عند الترمذي، وابن خزيمة، وأيضًا هو عند ابن ماجه، الحديث: «أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جعل قاضيًا بين الناس، فقد ذبح بغير سكين»، وجاء في لفظ: «من تولى القضاء، فقد ذبح بغير سكين»، وهذا الحديث صحيح قد ذكره شيخنا في «الصحيح المسند»، «فقد ذبح بغير سكين»، معنى أنه كأنه قتل، لكن قتلته تعذيبه، معنى: الذي يقتل بغير سكين، معنى أنه يتألم، والمراد ليس المراد أن المراد به عذاب الآخرة، لا، إنما المراد أنه هلك، لكن هلاكه ليس يسيرًا، وإنما هلاكه صعب؛ لماذا؟ لأن القضاء مرتقى صعب، وأيضًا طريق إلى جهنم؛ لأن الغالب في القضاء يدخل الرشوة، يدخل المحاباة، ويدخل أشياء كثيرة. فلهذا فمن أولي القضاء، فقد ذبح بغير سكين. وأما أنه يكون له مع الإصابة أجران، فقد جاء في الصحيحين حديث عمر بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، له أجران، وإن اجتهد فأخطأ، له أجر»، وجاءت رواية: «أنه إذا أصاب فله عشرة»، ولكنها لا تصح، وجاءت من طريق رجل ضعيف، فالصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «له أجران: أجر الإصابة، وأجر الاجتهاد، وإذا أخطأ فله أجر واحد، وهو أجر الاجتهاد». قال: «ويحرم عليه الرشوة، والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيًا»، أما الرشوة فهي أخذ المال بغير حق، أخذ المال بغير حق، معنى: لأجل الحفاوة أو لأجل شيء من هذه الهو، وبعضهم يفسر الرشوة: «هو أخذ الحق لإحقاق باطل أو إبطال حق»، أخذ المال لإحقاق باطل أو إبطال حق، لعل هذا أقرب. فالرشوة -وهذا قول جمهور العلماء- ما تسمى رشوة إلا إذا كانت فيها إحقاق باطل أو إبطال حق، وأما إذا كان لإحقاق حق فهذه ليست رشوة، وخاصة بالنسبة لمن لهذا المعطي، فإنه إذا أعطى لأجل إحقاق حق، فهو ليس مرتشيًا، أو لإبطال باطل، فهذا أيضًا ليست رشوة، أعطى لأجل مثلًا ينهى عن المنكر، أعطى مثلًا لأجل له حق، مثلًا يريد أن يسافر، يريد أن يذهب، أن يدخل دولة من الدول المسلمة، يريد أن يحج، أن يعتمر، فيدفع مالًا لأجل أن تسهل له، لكن لا يكون فيه ضرر على أحد من المسلمين. فبعضهم الآن تجد أنهم إذا دفعت له مالًا أعطاك التأشيرة للعمرة أو للحج، وإذا لم تدفع له أخرك أو ألغى تسجيلك أو كذا، فهذا لو أعطيته أنت لا تأثم، لكن هو الآثم. فلهذا قال ابن الهمام وغيره: «إن الرشوة هي الإعطاء في إحقاق باطل أو إبطال حق»، معنى: إحقاق باطل أو إبطال حق. وأما الهدية فالهدية فيها تفصيل، وأما الرشوة في الحكم فهي كبيرة وعظيمة، قد أنكر الله عز وجل على اليهود في ذلك؛ أنه كانوا يأكلون السحت، أكلون للسحت، ويراد بالسحت: «هو الجور في الحكم»، الرشوة. لهذا سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن السحت، وعن الرشوة، فقال: «هذا ظلم»، فقيل له: «في الحكم؟» قال: «هذا كفر»، هذا إذا كان في الحكم يكون كفرًا، كفرًا ليس مخرجًا من الملة، وإنما كفر دون كفر. ولهذا استدل بقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ وَالظَالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ﴾. وكما قلنا: «الهدية تنقسم إلى ثلاثة، أو فيها تفصيل»، إن كانت هذه الهدية للقاضي تعطى قبل أن يولى القضاء، أنا رجل صديق لهذا القاضي من زمان، من قبل أن يتولى القضاء، وهو يتهادى معه، هذا يعطي هدية، وهذا يعطي هدية، معنى: من زمان، قبل أن يولى القضاء، وهنا إذا أعطاه مع القضاء لا بأس؛ لأنه لم يعطه لأجل أنه قاض، وإنما قد كان يتهادى معه، فهذه جائز، وجائز أيضًا للقاضي أن يأخذها؛ لأن الأمر الثاني أن يعطى لأجل القضاء، لما صار قاضيًا أعطاه الهدايا أو يعطي هذه الهدايا، فهذا الواجب أن يردها، ولو كانت مثلًا ليس للقضية أو كذا، فهذا واجب عليه أن يردها، ولا يقبلها؛ لأن غالبًا تكون رشوة، ولعن الله الراشي، والمرتشي. وجاء أيضًا في حديث ابن التبيبة أنه قال: «حديث حميد أنه كان رجل كان رجل، قال له ابن التبيبة: قد بعثه النبي صلى الله وسلم إلى جمع الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي»، قال: «للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا، وهذا أهدي إلي»، فقضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «ما بال ناس نرسلهم ليأخذوا الصدقة، فيأتي فيقول: هذا لكم، هذا ألا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى يأتيه ما كتب له؟»، معنى: لو لم يخرج في هذا العمل لما أعطي. فلهذا فإذا أعطي هدايا للحفاوة لأجل مركزه ومنصبه، فلا ينبغي له أن يقبل هذه الهدايا، ولا يجوز له. وأيضًا أشد من هذا أن يقبل لأجل القضية، مثلًا إنسان عنده قضية عند القاضي، فيعطيه هدايا، يعطيه هدايا، فهذا لا يجوز، معنى: أشد من الأولى، أشد من الثانية -أقصد- فلا يجوز أن يأخذ؛ لأن هذا غالبًا رشوة واضحة، معنى: بعضهم الآن كيف يقول؟ كلما جاء القاضي يقول: «هذا لك»، بعض القضاة يقول: «لا، لا، ما أريد شيء»، لا، «هذا لك»، ما هو داخل في القضية، معنى: بعضهم معنى: تجد أنه يحث على القاضي، وكذلك يلزمه أنه يأخذ، ويقول: «هذا ليس متعلقًا بالقضية، هذا أردته لك فقط»، هذا معنى رشوة. وتجد القضاة أحيانًا بعضهم يخضع، معنى: إذا رأى أن الرجل حاث عليه، وكذلك يخلص يأخذ، وهذا الرجل أصلا ما أعطاه إلا لأجل القضية، وإلا ما سيعطيه شيء، هو بعض القضاة معنى: جزاهم الله خيرًا يردها، ما يقبل أبدًا، وبعضهم لا يقبلها أمام الناس، لكن إذا كانت سرًا يقبلها، أو بعضهم يجعل شخصًا مثلًا صاحب مكتبه أو كذا هو الذي يقبل الرشاوي، أما إذا جئت إليه ما يقبل، معنى: بعض المكاتب -سواء كانت في القضاء أو لهم مسؤولية معينة في مستشفيات- وكذا، فيأتي مثلًا عنده شخص يقول له: «خذ هذا»، يقول له: «ما أخذ»، لكن لو أعطاه لمدير المكتب ما في شيء، يقبل المدير المكتب، بعدين يعطي المدير. المهم أن هذا كله رشوة، ما يجوز للإنسان، فهذا التفصيل في الهدية إن كانت كما قلنا قبل، بل بعض العلماء حتى زاد تفصيلًا آخر، قال: «إن كان مثلًا يعطيه من قبل مثلًا جيران يتهادون، لكن لما صار قاضيًا زادوا في الهدية، كثروا في الهدية»، فهذا أيضًا بعض العلماء يقول: «إنه لا ينبغي أن يقبل إذا كان زيادة»، مثلًا إذا كان هذا الرجل يعطي مثلًا معتاد أنه يعطي الهدية مثلًا في العيد، في العيد يعطيه هدية، لكن لما صار قاضيًا في كل شهر يعطيه هدية، فهذا يعتبر أن هذه الهدية مفتعلة بعد القضاء، فلهذا يحذر القاضي من هذه الهدايا. وقال: «لا يجوز له الحكم حال الغضب»، وهذا لحديث أبي بكرة في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يحكم أو لا يقضي حاكم بين اثنين وهو غضبان»، لا يحكم حاكمًا أو لا يقضي حاكمًا بين اثنين وهو غضبان. وأدخل العلماء أيضًا من كان «حاقنًا»، والمراد بالحديث أنه إذا كان من شغل الفكر، لا ينبغي له أن يقضي، وأن يفتي في الغضب أو في أيضًا كذلك عند الاحتقان، معنى: عنده يريد أن يذهب إلى الحمام، وهو جالس، معنى: مثل هذا ما يستطيع أن يستوعب كلام الناس. فإذا كان مثلًا في أو مثلًا جاءه خبر أن ابنه سقط من مكان، عالم، أو إن ابنه مات، أو زوجته حصل لها شيء، فمثل هذا غالبًا ما يستقر فكره، يكون مشغولًا، فمثل هؤلاء لا ينبغي له أن يقضي أو يفتي. ثم قال: «وتجب عليه التسوية إلا إذا كان أحدهما كافرًا»، مسألة التسوية هذه فيها بعضها واجب، وبعضها من الآداب، معنى: التسوية في المجلس مثلًا أن يجلس هذا أمامه، وهذا أمامه، أن لا يفضل في الجلوس، لا يقول مثلًا: «هذا رجل له جاه، هذا تعال اجلس هنا»، وذاك الثاني «لا يجلس هناك»، هذا خطأ، لا بد أن يسوي بينهما حتى في الجلوس. وأما إذا كان كافرًا مثلًا استدل بعضهم بحديث: «لا تساوهم في المجالس»، لكنه لا يصح، وقد ذكره ابن الجوزي في «العلل المتناهية»، فلا بأس حتى ولو كان الرجل كافرًا، لا بأس أن يجلسه مثل جلوس المسلم؛ لأنه سيحكم بينهما، فلا يفضل هذا على هذا، هذا حتى في المجلس كما قلنا. وأما من ناحية أيضًا من الآداب قالوا: «من آداب القاضي أنه إذا أراد أن يحكم بين خصمين لا ينبغي له أن يبتسم لشخص، والآخر يكون عابسًا في وجهه»، مثلًا هذا صاحبه كلما نظر إليه يبتسم، وهذا ليس بصاحبه، ولا يعرفه، فتجد كلما نظر إليه عبس بوجه، فهذا أيضًا لا ينبغي أن يكون من القاضي، معنى: يعامل خصمين معًا، سواء، ممكن، لا بأس، مثلًا يقول: «دخل هذا الشخص الذي يعرفه»، يقول: «فلان أحياك الله، فلان طيب»، لكن لا ينبغي له أن يزيده مثلًا في الابتسام أو كذا أو في الكلام الذي مثلًا فيه الاحترام، وهذا يعطيه كلامًا شديد، إلا إذا كان هذا الرجل مثلًا من أهل العلم، أهل الهيئات، فلا بأس أنه يجله في الكلام، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقيل لذوي الهيئات عثراتهم إلا الفدود»، ذوي الهيئات -معنى- أهل العلم، أهل الوجاهة، هل كذا يكون لهم اعتبار، وتقال أيضًا عثراتهم إذا كان لهم عثرات، تقال، ينبغي أنها يصفح عنها، وكذا، لكن إلا الحدود، إذا كان جاء بشيء فيه حتى لا بد أنه يعاقب، كائن من كان. طيب، قال: «ويجب السماع منهما قبل القضاء»، وجاء في هذا حديث، لكن الظاهر أنه لا يصح، لكن هذا يعتبر من آداب القضاء، وقد اتفق العلماء عليها، وبعضهم يستدل في قصة نبي الله سليمان، والاستدلال في قصة نبي الله سليمان ليس صحيحًا، ليس صحيحًا على ما ذكر أن سليمان لم يسمع من الخصم الثاني، هذا غير صحيح، وليس هو مقصودًا في الآية، وليس موجودًا في الآية أن بعضهم يقول: «إن الله عز وجل عاتب نبي الله سليمان؛ لأنه لم يسمع للآخر»، إن معنى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾، ﴿ادْخُلُوا عَلَى دَاوُدَ﴾، أقصد داود، يقص سليمان: ﴿ادْخُلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾، المهم قال: «إن أخي له تسعون وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة»، فقال: «أكفلنيها»، وعزني في الخطاب، قال: «أكفلنيها»، فقال: «لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه»، وجعل أشياء كثيرة قصص حول هذا الأمر الذي حصل، حتى إن بعض الفضلاء -بعض العلماء- حتى زل في هذا الباب، ذكر قصة قصة بعيدة عن الحق، وبعيدة عن الصواب، بل يدل على أن اليهود هم الذين وضعوها، وقالوا: «إن النعجة هي المرأة، وليس نعجة -معنى غنم- وإنما هي امرأة». والمهم أن هذه المرأة لما ظهرت أعجبت نبي الله داود، فطلب من زوجها أن يطلق، حكم عليه أنه يطلق، أو أنه كذا، المهم من هذا الكلام، فقالوا: «إن الله عز وجل أنزل الملكين؛ حتى ينبه داود على هذا الأمر»، فقال: «إن أخي له تسعة وتسعون نعجة -أي داود له تسعة وتسعون امرأة- ولي زوجة واحدة، يريد أن يأخذ مني هذه الزوجة، ويضمها إلى نسائه»، وهذه قصة باطلة، بل هذا غالبًا من وضع اليهود، لكن بعض العلماء ذكرها في تفاسيرهم، وبعض العلم يقول: «إن داود إنما تزوجها، ولم يأخذها، ولم يضمها إلى نسائه بدون زواج»، لكن كما قلنا: «القصة باطلة». وأيضًا قولهم: «إن الله عز وجل إنما عاتب داود؛ لأنه لم يسمع للآخر، وإنما سمع من طرف واحد»، هذا أيضًا باطل، ليس فيه شيء من ذلك، لكن ما الذي جعل الله عز وجل يعاتب داود على هذه القضية؟ فقد يكون هناك أمر هو الذي جعل الله عز وجل يعاتب داود عليه، لكن ليس هذا الأمر واضحًا في هذه القضية. فلهذا ذكرت القصص المتكاثرة عن بني إسرائيل في هذه القضية، وما المراد بعدم الله عز وجل لداود، وقال الله عز وجل: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، طيب. فلهذا مثلًا السماع من الطرفين لا بد منها؛ حتى يحكم في القضية، فلا ينبغي له أن يحكم على سماع طرف واحد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»، فهذا لا يتحقق إلا إذا سمع من الطرفين. قال: «ويجب عليه تيسير الحجاب بحسب الإمكان»، عن تيسير الحجاب، أي: أنه لا يحتجب عن الناس، وقد جاء في حديث أبي مريم الأزدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تولى شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم، احتجب الله عنه دون حاجتهم»، وهذا حديث صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني في «الصحيح»، معنى: «من تولى شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم، احتجب الله عنه دون حاجتهم». وكما قال الإمام الشوكاني هنا: «بحسب الإمكان»، معنى: بحسب إمكانه؛ لأن لو فتح الباب لو فتح هذا الباب لما وجد وقتًا لأهله، لما وجد وقتًا لعياله، لكن يجعل أوقات معينة يأتي بها، أو يدخل الناس ويسمع قضايا الناس. حتى الآن مثلًا مسألة الجوال هذه، بعضهم ينكر على بعض المشايخ يقول: «كيف ما يفتح جواله للناس؟ كذا»، كم سيفتح الجوال؟ لو بعض الناس مثلًا بعض المشايخ اتصالات الناس كثيرة عليهم، لو فتح جواله لكل أحد ما استطاع أن يقضي حاجات، وما استطاع مثلًا أن يراجع دروسه أو كذا. فلهذا فهو يحتاج إلى وقت، فلهذا بعض المشايخ يجعل وقتًا معينًا يستقبل فيه الاتصالات، فهذا ما فيه بأس، بحسب إمكان الشخص؛ حتى لا يذهب وقته كله مع الناس، وهناك حقوق يضيعها، زوجته له حق عليها، أولاده له حق عليه، بل هو نفسه أيضًا كذلك له حق على نفسه أيضًا كذلك. قال: «ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة»، أن إذا احتاج الأعوان، اتخذهم، ولو حجابًا، أن بعض مثلًا من يتكلم: «يأتي بحديث أنس في تلك المرأة التي وجدها النبي صلى الله عليه وسلم عند القبر، وقال: يا أمة الله، اتق الله، وصبغي»، فقالت: «إليك عني، فإنك لم تصب المصيبة»، فلما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم، قيل لها: «إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقامت وذهبت إلى بيته، ولم تجد بوابين، ما في عنده بواب، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبرته أنها ما عرفت»، فهذا ليس على إطلاقه، معنى: بعضهم يقول: «هؤلاء الظلمة يجعلون الحجاب، ويجعلون البوابين، ويجعلون الحرس»، لا، ليس من جعل حرس فهو ظالم، وإنما أحيانًا يحتاج الإنسان إلى حرس. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة لما حصل له خوف، قال: «من يرعى الله أن يحرسنا هذه الليلة؟» فسمع صوت السلاح، فقال: «من هذا؟» فقال له سعد بن أبي وقاص: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: سعد، يا رسول الله»، فقال: «حفظك الله كما حفظت نبيه». وأيضًا جاء في حديث قيس كما جاء في البخاري عن أنس أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي رسول الله صلى الله وآله بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وهذا يحتاج لهذا، قيس بن سعد معروف أنه كان طويل جدًا، وطويل وبطين، هذا غالبًا يحتاج للشخص، وكذا؛ حتى يبعد الناس في بعض الأوقات، فكان قيس يقف عند النبي صلى الله عليه وسلم مثل الشرطي، معنى: يحمي النبي صلى الله عليه وسلم، قيس بن مساعد بن عبادة رضي الله عنهما. قال: «يجوز للحاكم الشفاعة، والاستيضاع، والإرشاد إلى الصلح»، معنى: يجوز الحاكم أنه يشفع، يشفع في الخصومات لأجل الصلح، يقول لفلان: «يا فلان، حاول أنك مثلًا تتغاضى عن بعض الأشياء؛ لأن أحيانًا تحصل في الخصومات»، فيأتي هذا المخاصم يدقق في أشياء يسيرة: «أنه فعل كذا، وفعل كذا، وفعل»، فيقول له القاضي: «حاول أنك تترك بعض الأشياء كذا؛ حتى نحل القضية»، أيضًا تأتي مثلًا زوجة وتذكر أشياء قديمة حصلت لزوجها: «أنه قالها أو كذا، وأنه في ذاك اليوم فعل كذا»، تأتي بأشياء قديمة حصلت، فهذا أيضًا ممكن للقاضي أنه يقول لها: «حاولي أنك تبتعدي عن مثل هذه الأشياء، وهذه قديمة حصلت، وأنت قد عفوتي عنها كذا»، طيب. فيجوز للقاضي أن يشفع أيضًا في الأموال، مثل ما ذكر هنا المؤلف ما جاء في الصحيحين في حديث كعب بن مالك لما تقاضى مع ابن أبي حدرد حتى ارتفعت أصواتهما في المسجد، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «يا كعب بن مالك، ضع الشطر، ضع نصف المال»، فقال: «قد وضعت يا رسول الله»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد: «قم فاقض»، قال: «وحكمه ينفذ ظاهرا فقط»، على حكم القاضي ينفذ ظاهرا فقط، لا ظاهرا وباطنا، والمراد ظاهرا، معنى: لا يحل الحرام، قضاء القاضي لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، حكم القاضي لا يحرم حلالًا، ولا يحل حرامًا. فإذا كان الإنسان يعلم أن هذا حرام، لا يحل حكم القاضي أبدًا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر، وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجتي من بعض»، أي: يستطيع أنه يأتي بالحجة، وذاك الذي عنده الحق ما يستطيع أن يحاج، فقال: «فأ