الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 64، ألقاها
يُبين أهمية العلم والعلماء في الإسلام، حيث يُعتبر العالم والمتعلم من خير الناس. العلم ضروري للإنسان أكثر من الطعام والشراب.
موت العالم يُعتبر خسارة كبيرة للإسلام ولا يمكن تعويضها. يُحذر من إهمال طلب العلم لتعويض هذه الخسارة.
يفضل طلب العلم على نوافل الصلاة لأن نفعه متعدي إلى الناس، بينما نفع الصلاة قاصر على الفرد نفسه. العلماء أشاروا إلى أهمية طلب العلم.
العلم والتعلم من الأمور التي تستثنى من لعن الدنيا وما فيها. النبي بين أهمية طلب العلم في حياة المسلم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب اجتناب الأهواء: باب في فضل العلم والعالم. قال رحمه الله: أخبرنا بشر بن الحكم، وهو العبد، قال: حدثنا سفيان، ويحتمل أن يكون ابن عيينة ويحتمل أن يكون الثوري، قال: عن إبراهيم بن ميسرة، قال: رأى مجاهد طاوسا في المنام، أي طاوس بن كيسان، كأنه في الكعبة يصلي متقنعا، يعني متلثما، قال: والنبي صلى الله عليه وسلم على باب الكعبة، فقال له: يا عبد الله، اكشف قناعك وأظهر قراءتك. قال: فكأنه عبره على العلم، يعني فسر ذلك أن المراد بذلك نشر العلم وبثه. قال: فانبسط بعد ذلك في الحديث. وهذا الأثر صحيح إلى مجاهد. وهذه، يعني، رؤية صالحة لطاوس بن كيسان رحمه الله، أنه رأى في الكعبة يصلي متقنعا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: يا عبد الله، اكشف قناعك وأظهر قراءتك، وفسر ذلك بإظهار العلم وتعليم العلم. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله، أنه محمد، قال: حدثنا ابن يمان، وهو يحيى بن يمان، صدوق عابد، قال: عن ابن ثوبان، وهو محمد بن عبد الرحمن، ثقة، عن أبيه، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب، أي كعب الأحبار، وهو من كبار التابعين، قال: الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا متعلم خير أو معلمه. وهذا الأثر، يعني، حسن إلى كعب، موقوف ومقطوع من قوله، إلا أنه قد صح مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة، ورواه أهل السنن، كالترمذي وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالما أو متعلما. ومعنى ملعونة، أي مبعدة، بعيدة عن الله جل وعلا، ليس لها قيمة، وليس لها منزلة، ولا فضل، إلا ما كان فيها من ذكر الله، ما كان فيها من ذكر الله وما والاه، فيدخل في ذكر الله ذكر الله جل وعلا بالتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، وقراءة القرآن، وما والاه مما هو من طاعة الله، كالصلاة والزكاة والحج والصيام وغيرها من الطاعات والقربات، فكلها من ذكر الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. فالمراد بذكر الله وما والاه، أي ما كان من طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم خص من الطاعات العلم، قال: أو عالما أو متعلما، من كان عالما يعلم الناس ويبث العلم ويفقه الناس به أحكام الشريعة، أو متعلما، طالب علم، يحضر مجالس العلم ويطلب العلم، فهذا أيضا مما يستثنى من هذا اللعن. وهذا يدل على فضيلة العلم وأهله، وأن العلم مما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه، ومما يقرب العبد إلى ربه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن كثير، ومحمد بن كثير في التقريب للحافظ ابن حجر أربعة، ممن يقال لهم محمد بن كثير، منهم محمد بن كثير العبدي، وهو ثقة، ومحمد بن كثير القرشي الكوفي، وهو ضعيف، ومحمد بن كثير البصري، وهو أيضا ضعيف، ومحمد بن كثير الشامي الفهري، وهو متروك. إذن الثقة من هؤلاء الأربعة المقبول حديثه هو محمد بن كثير العبدي. قال رحمه الله: عن الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو، إمام من أئمة أهل الشام، قال: عن بحير، وهو ابن سعد، وهو ثقة، قال: عن خالد بن معدان، وهو آثقة عابد، إلا أنه يرسل كثيرا، قال: الناس عالِم ومتعلم، وما بين ذلك همج لا خير فيه. هذا الأثر فيه ضعف، ومحمد بن كثير في هذا السند أحد هؤلاء الضعفاء، ليس العبدي الثقة. لكن معنى الأثر صحيح، أن الناس، يعني، خير الناس إما عالم أو متعلم، إما عالم يعلم الناس، أو متعلم يتعلم من العالم ويتفقه في دين الله سبحانه وتعالى. وما بين ذلك، أي دون هؤلاء، همج لا خير فيه، يعني عامة الناس، الرعاع الذين لا يهتمون بالعلم ولا يسألون عن أمور دينهم. لا شك أن، يعني، أمثال هؤلاء يقل فيهم الخير ويكثر فيهم الشر. ونحو هذا الأثر قول علي رضي الله عنه: «كن عالما أو متعلما، ولا تكن الثالث فتهلك». كن عالما أو متعلما، ولا تكن الثالث فتهلك. قال رحمه الله: أخبرنا بشر بن الحكم، وهو العبد، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، وهو البصري، نزيل مكة، أبو عمران البصري، قال: عن هشام، عن الحسن، وهو البصري، إمام من أئمة أهل الحديث ومن أهل البصرة، قال: كانوا يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء مختلف الليل والنهار. موت العالم ثلمة في الإسلام، ثلمة يعني فجوة وثقب، لا يسد، أي لا يمكن أن تسد هذه الفجوة مهما بقي الليل أو مختلف الليل والنهار، يعني ما عاقب الليل والنهار. فإذا مات هذا العالم وقعت فجوة لا يمكن سدها. وهذا يدلنا على فضيلة أهل العلم، ومنزلة العالم من منزلة عظيمة بين الناس، حتى إذا مات، علم الناس وإيقنوا بما له من مكانة ومكانة ربما يسد بها فتن، وكذلك ما كان في حال حياته، فلما مات ظهرت بعد موته شيء من المصائب أو الفتن التي لا يمكن بعد ذلك أن ترفع أو تسد. قال رحمه الله: وأخبرنا، والأثر صحيح، للحسن، وإن كان رواية هشام عن الحسن فيها شيء من الكلام. قال رحمه الله: أخبرنا يوسف بن موسى، وهو صدوق، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، وهو ثقة حافظ، قال: أخبرنا محمد بن الحسن الصنعاني، وهو صدوق فيه دين، قال: حدثنا منذر، هو ابن النعمان، عن وهب بن منبه، وهو من علماء أهل مصر، قال: مجلس يتنازع فيه العلم أحب إلي من قَدْرِهِ صلاة. لعل أحدهم يسمع الكلمة فينتفع بها سنة أو ما بقي من عمره. وهذا الأثر صحيح. مجلس يتنازع فيه العلم، ووهب بن منبه هذا، قال فيه أبو زرعة رحمه الله: اجتمع فيه علم وعبادة وزهد، اجتمع فيه فقه وعبادة وزهد. يقول: مجلس يتنازع فيه العلم، يعني يذكر فيه العلم ويناقش في مسائل العلم، يقول: أحب إلي من قدره صلاة، يعني هذا المجلس الذي يتنازع فيه العلم أحب إليه من قدره أن يصلي المصلي ما يصلي من الصلاة لله سبحانه وتعالى. وهذا فيه أنه يفضل العلم على نوافل الصلاة، ومراده على قدره صلاة، أي من نوافل الصلاة. أما الفريضة فلا شك أنها مقدمة، أنها واجب وفرض. لكن المراد نوافل الصلاة، فهو يرى أن مجلسا من مجالس العلم أفضل من قدره صلاة يصلي فيها المرء لله سبحانه وتعالى. ما هو السبب؟ قال: لعل أحدهم يسمع الكلمة فينتفع بها سنة. كلمة واحدة تسمعها في مجلس علم ربما تكون لك خيرا في حياتك أو في سيرك إلى الله سبحانه وتعالى، فتنتفع بها ربما السنة والسنتين والثلاث، أخذتها من مجلس واحد. فلا شك أن هذا خير عظيم. ولأن بث العلم نفعه متعدي، ينتفع به الناس، الناس ينتفعون بتعليم العالم للعلم، بخلاف المصلي الذي يصلي النوافل، هو ينتفع بها لنفسه، ما أحد ينتفع من صلاته، لا أحد ينتفع من صلاته، لكن العالم ينتفع الناس بعلمه، فنفعه متعدي. ولهذا فضل كثير من أهل العلم طلب العلم على نوافل الصلاة، كالإمام الشافعي رحمه الله والإمام الثوري وغيرهم كثير. لماذا؟ لأن نفع العلم متعدي، وأما نفع الصلاة فقاصر. قال: أو ما بقي من عمره، يعني ينتفع بهذه الكلمة التي سمعها ربما في حياته كلها. قال رحمه الله: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا وكيع، قال: قال سفيان: ما أعلم عملا أفضل من طلب العلم وحفظه لمن أراد الله به خيرا. وهذا الأثر صحيح. وسفيان الثوري، ما أعلم عملا أفضل من طلب العلم وحفظه لمن أراد الله به خيرا، يعني من وفقه الله سبحانه وتعالى وأراد به خيرا في حمله لهذا العلم، ويشير بذلك إلى الصدق والإخلاص، أي لمن أخذ العلم صادقا مخلصا لله سبحانه وتعالى، وطلبه للعلم وحفظه له أفضل ماذا؟ الأعمال التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وقال الحسن: «إن الناس لا يحتاجون إلى هذا العلم في دينهم كما يحتاجون إلى الطعام والشراب في دنياهم». إن الناس لا يحتاجون إلى هذا العلم في دينهم كما يحتاجون إلى الطعام والشراب في دنياهم، بل أشد. كما قال الإمام محمد رحمه الله: حاجة الناس إلى العلم أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب. الطعام والشراب ربما يحتاج له الإنسان في اليوم مرة أو مرتين أو ثلاث بالكثير، لكن حاجة الإنسان إلى العلم كحاجته إلى النفس وشم الهواء، هو لا يستغني عنه في لحظة من اللحظات. وهكذا حاجته إلى العلم في حياته، فهي أشد من حاجته إلى الطعام والشراب. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.