التعليق على مقدمة سنن الدارمي 32

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 32، ألقاها

التيسير في الفتيا وكراهية التشديد

المحور يتناول مبدأ التيسير في الشريعة الإسلامية وكراهية التشديد في الفتيا، مستشهداً بنهج أصحاب النبي. يُظهر أن التشديد في بعض الأمور قد يكون مذموماً.

التناول النقدي لكثرة الأسئلة حول المسائل النادرة

يناقش هذا المحور آراء السلف في كراهية كثرة الأسئلة حول المسائل النادرة، ويستعرض آراء أهل العلم في التعامل مع مثل هذه الحالات.

أهمية السؤال في طلب العلم وحدوده

يُبرز أهمية السؤال في تحصيل العلم، ويحدد الحدود بين السؤال النافع والسؤال المذموم، مشيراً إلى أن السؤال يكون نافعاً إذا كان بغرض التعلم والتقرب إلى الله.

حكم الرواية الضعيفة بسبب الانقطاع في السند

يتناول هذا المحور حكم رواية الشعبي عن عمر بن الخطاب، موضحاً أن روايته مرسلة بسبب عدم سماعه منه، مما يجعل الأثر ضعيفاً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب كراهية الفتيا: حدثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا ابن عون وعبد الله عن عمير بن إسحاق، قال: «لمن أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم». يعني أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا على هديهم وطريقتهم وسمتهم ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من التخفيف والتيسير وعدم التشديد في المسائل وفي الأمور، لكن هذا على موافقة الشريعة، ليس على حسب الأهواء وإرادات الناس وشهواتهم، وإنما على حسب ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فإن هذه الشريعة المباركة جاءت بالتيسير والتخفيف، كما قال الله جل وعلا: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾، وقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. فهذه الشريعة جاءت برفع الأصار والأغلال التي كانت في الأمم الماضية، وجاءت بالتخفيف والتيسير والتسهيل، لكن على موافقة الشريعة لا على حسب الأهواء والآراء. ويريد بهذا رحمه الله ذم ما قد صدر من بعض الصحابة، يعني الإتيانهم بالمسائل وكثرتها وتشديد على أنفسهم بأشياء لم يكلفهم الشرع بها. وصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا على هذا الحال من مثل هذا التشديد وتكليف وإيقاع الإنسان نفسه في الحرج وبشيء هو في غنى عنه. ولهذا ذكر المؤلف رحمه الله هذا الأثر في هذا الباب. قال: أخبرني عباس بن سفيان، قال: عن زيد بن حباب، وهو أبو الحسن العقلي، قال: أخبرني رجاء بن أبي سلمة، وهو مهران أبو المقدام، قال: سمعت عبادة بن نوسي الكندي، قال: وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، فقال: «أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم ولا يسألون مسائلكم». سئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، يعني ليس لها قريب أو محرم، كيف يصنعون؟ فقال: «أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم ولا يسألون مسائلكم». وأراد بهذا ذم السؤال عن الأشياء التي هي واضحة وبينة، أو التكلف في معرفة بعض الأشياء، أو ربما سئل عن شيء لم يقع، يعني سألوا عن هذه المسألة وهي غير واقعة. وهذا كما مر معنا أن السلف كانوا يذمون ذلك، أن يسأل الواحد عن شيء لم يكن ولم يقع. وأما حكم المسألة إذا ماتت امرأة مع قوم ليس لها ولي، فحكمها أن تيمم المرأة التي تموت عندها رجال أجانب تيمم، وإن كان معها أحد من محارمها، فقال بعض أهل العلم: تغسل بالماء من غير مس، من غير أن يمسها، يغسلها محرمها من غير أن يمسها. لكن قول أكثر أهل العلم أنها تيمم. قال: أخبرنا العباس بن سفيان، قال: أخبرنا زيد بن حباب، قال: أخبرني رجاء بن أبي سلمة، قال: حدثني خالد بن حازم عن هشام بن مسلم القرشي، قال: كنت مع ابن محيريز بمرج الديباج، فرأيت منه خلوة، فسألته عن مسألة، فقال لي: «ما تصنع بالمسائل؟» قلت: لولا المسائل لذهب العلم، قال: «لا تقل ذهب العلم، إنه لا يذهب العلم ما قرئ القرآن، ولكن لو قلت يذهب الفقه». والشاهد منه قول ابن محيريز: «ما تصنع بالمسائل؟» يعني كثرة الأسئلة. فقال: «لولا المسائل ذهب العلم»، فقال: «لا تقل ذهب العلم، إنه لا يذهب العلم ما قرئ القرآن». لأن القرآن إذا كان موجودا فالعلم موجود، لأن أصل العلم هو القرآن، أصل العلوم وأشرف العلوم وأفضل العلوم هو القرآن. فإذا كان القرآن يقرأ وموجود، إذا العلم موجود. لكن لو قلت: يذهب الفقه، والفقه بعض العلم، الفقه بعض العلم، والعلم يشمل القرآن ويشمل الفقه ويشمل الحديث وغيرها من العلوم. فالمقصود أنه عاب عليه كثرة المسائل والأسئلة، فبين له أن سؤاله من أجل العلم والتفقه، والسؤال عن الأشياء النافعة هذا طريق من طرق تحصيل العلم، كما قال الإمام الزهري رحمه الله: «العلم كنوز، مفاتيحها السؤال». فالسؤال من طرق تحصيل العلم، لكن هذا يكون لمن قصده العلم والتعلم والعمل بهذا العلم والتفقه. أما أن يسأل أسئلة كثيرة متتابعة وهو يريد مثلا أن يعجز المسؤول أو يظهر عجزه، عدم معرفة الإجابة، أو كذلك أيضا يسأل ولا يعمل، هذا أيضا مذموم. أو كذلك يعني يتخيل بعض المسائل فيسأل عنها، هذا أيضا كذلك مذموم. فطالب العلم يحرص على أن يسأل عن أشياء نافعة التي ينتفع بها ويعمل بها، ويكون مقصوده بالسؤال معرفة الجواب والعمل به والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بمعرفته. قال: وأخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، وهو عامر شراحيل، أن عمر قال: «يا أيها الناس، إننا لا ندري، لعلنا نأمركم بأشياء لا تحل لكم، ولعلنا نحرم عليكم أشياء هي لكم حلال. إن آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبينها لنا حتى مات، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم». وهذا الأثر لا يصح. فالشعبي روايته عن عمر مرسلة، كما ذكر أبو روية ذلك عن أبي زرعة وأبي حاتم، كما في جامع التحصيل أن أبا زرعة وأبا حاتم قالا: بأن الشعبي ما رواه عن عمر فهو مرسل، لم يسمع من عمر. وعلى هذا فالأثر فيه انقطاع. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على