الخطبة بعنوان حلاوة الإيمان، وكانت بدار الحديث بالشحر 29 ربيع أول 1432هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول أهمية حلاوة الإيمان وخصالها الثلاث التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم. هذه الخصال تعبر عن عمق الإيمان وتأثيره في حياة المسلم.
يجب على المؤمن أن يقدم محبة الله ورسوله على كل شيء، وأن يكون حبه وبغضه لله، وهذا يؤدي إلى حلاوة الإيمان ويجعل المؤمن مع من أحب في الآخرة.
الخصال الثلاث التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي محبة الله ورسوله أكثر من أي شيء، ومحبة المرء للآخرين لله فقط، وكره العودة إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار.
يتضمن المقطع الأخير الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، والدعاء لهم بالسلامة، ثم حث على إقامة الصلاة مع الدعاء بالرعاية الإلهية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثبت في البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار». عباد الله، ما أحوجنا إلى الرجوع إلى أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وذلك بتأملها والنظر فيها واستخراج العبر والعظات منها. وكيف لا؟ فإن أحاديثه عليه الصلاة والسلام هي سنته، وقد أمرنا بالرجوع إلى سنته عليه الصلاة والسلام، وخاصة في أيام الفتن. قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي». وإن من سنته عليه الصلاة والسلام هذه الأحاديث النبوية التي نطق بها الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه. وإنني في هذا المقام نستعرض معكم جميعًا هذا الحديث الذي بين أيدينا، والذي يعتبر من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، حيث إنه حوى واحتوى على أهم الأعمال التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم في هذه الدنيا، وأن يحرص على أن يوفق إليها. قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». إن من أصول التشريع، عباد الله، ومن عظم أمر الدين أنه جاء بالاهتمام بالقلوب والجنان قبل الاهتمام بالأجساد والأبدان. فالمؤمن بقلبه فيها فلاحه ونجاحه، أو فيها خسارته وهلاكه. قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وقبل هذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. هذا الذي ينفعك عند الله، يا عبد الله، لا منصب كبير، ولا منظر جميل، ولا مال وفير. إنما ينفعك أن تأتي إلى الله جل وعلا بقلب سليم. ومن أعظم ما تحيا به القلوب أن تتلذذ بطعم الإيمان وبحلاوة الإيمان. فها هنا ذكر لنا نبينا عليه الصلاة والسلام ثلاث خصال وثلاث خلال، من وفق إليها فإنه حينها سيذوق حلاوة الإيمان وطعم الإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». هذه هي الخصلة الأولى: أن يكون الله ورسوله أحب إليك من الدنيا بأسرها. فلا هناك محبة توازي أو تداني أو تساوي محبة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. بل إن جميع المحاب تذاب أمامهما. بل إن الله جل وعلا توعد أقوامًا بالعذاب والعقاب عندما فرطوا في هذا الباب. قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. قال إمام القرطبي رحمه الله تعالى شارحًا هذه الآية: «قالوا في هذه الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله، وذلك بلا خلاف، وأنه مقدم على كل محاب». انتهى كلامه رحمه الله. فهكذا ينبغي أن يكون حال المؤمن: أن يمتلئ قلبه بمحبة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان من صفات المؤمنين أنهم من أشد الناس حبًا لله ورسوله. قال جل في علاه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. وهكذا ثبت في الصحيحين قال: قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». هكذا، عباد الله، أن تكون منزلة الله ورسوله في قلوب العباد أن تكون مرتفعة على جميع المحاب. فلا هناك محبة تدانيها أو تساويها. واعلموا عباد الله أن محبة الله ورسوله لا يظن الظان أنها كلمات تُلاك باللسان، أو أنها عبارات تقال في الخطابات وترمى في المقال. بل إن محبة الله ورسوله، عبد الله، لابد لها من براهين. لابد لها أن تظهر في الواقع، وأن يكون لها واقع ملموس في أقوالك وفي أفعالك. قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. هذا برهان من البراهين، يا عبد الله، التي تدلل عليها بأنك محب لله ورسوله عليه الصلاة والسلام. فلينظر كل منا إلى نفسه، هل هو في حياته الدنيا حياته قائمة على هذا الأساس؟ هل هو في أقواله وفي أفعاله وفي سلوكياته وأخلاقه مما يحبها الله ويحبه الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أمنا عباد الله في هذه الدنيا إنما نعيش فيها على ما تمليه علينا شهواتنا ونزواتنا ومصالحنا الشخصية. عباد الله، إن العبد المؤمن الصادق في إيمانه هو الذي أقبل بقلبه وقالبه على الله جل وعلا، وهو الذي استسلم ظاهرا وباطنا لرب العالمين. همه في هذه الدنيا أن لا يقدم على صغير ولا كبير في شؤون حياته إلا وعلم أنها فيها محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام. ولهذا ترى المؤمن في جميع حياته وفي كل أوقاته إنما يتقرب إلى الله جل وعلا بما يحب. ثبت في الصحيح في الحديث القدسي قال الله تعالى: «وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». عباد الله، لو أن الناس أنصفوا أنفسهم لعلموا أن جل أعمالهم من أقوال وأعمال أنها لا يحبها الله ولا رسوله، والله المستعان. ثم قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». هذه الخصلة الثانية، وهذه الخصلة لها تعلق بالخصلة الأولى. فإن العبد متى ما كان في دنياه أعماله وأقواله قائمة على محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، فحينها فهو يتقرب إلى الناس لله وفي الله ومن أجل الله سبحانه وتعالى. أن يتقرب إلى الناس إذا علم منهم الصلاح وعلم منهم التقى والحب لله سبحانه وتعالى. قال نبينا عليه الصلاة والسلام مبينًا هذه الخصلة: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». الحب في الله، يا عبد الله، من أوثق عرى الإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». والجزاء من جنس العمل. من ماشى الناس ومن أحب الناس لله وفي الله، فإن الله جل وعلا، يا عبد الله، سينزل عليك محبته. ثبت في صحيح مسلم في قصة الملك، في قصة الملك الذي سأل ذلكم الرجل عن سبب زيارته لأخيه، فقال هذا الرجل مبينًا ومعلنًا سبب الزيارة: «إنما أحببته في الله». فقال هذا الملك: «اعلم أن الله قد أحبك كما أحببته». نعم، يا عبد الله، هكذا الذي ينبغي عليه أن يكون المسلم في علاقته مع جميع الناس. أن تكون مصاحبتك وملازمتك، يا عبد الله، قائمة على الدين حبًا وبغضًا. تدنو وتقرب من كان فيه تدي لله جل وعلا، وأن تبتعد وتشتنب من علمت منه الفساد والإفساد لدين الله سبحانه وتعالى. وإلى أسف، عباد الله، كم نرى من كثير من الناس من لربما جعل مبدأ الحب والبغض قائمًا على الدنيا وعلى حظ من حظوظها. فتراه يوالي ويعادي من أجل بطنه أو من أجل إملاء جيبه. فتراه، يا عبد الله، يقرب ويتقرب ويقرب أفجر الناس أو من أخبث الناس مسلكًا ومنهجًا. وما ذاك إلا تزلفًا لدنياه. وبالمقابل تجده يتبرأ من عباد الله الصالحين، من أهل الصلاة ومن أهل الصلاة، ويقطع روابط المؤمنين التي أمر الله جل وعلا أن توضع. يقطع هذه الوداد. وما ذاك إلا لأن هؤلاء ليسوا من حزبه أو أنهم ليسوا من بلدته ولا من وطنه أو أنهم ليسوا من عشيرته وقبيلته. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. فأصبح مثل أمثال هؤلاء أصبح من أمثال هؤلاء حبه وبغضه ليس للرحمن وإنما لنفسه وللشيطان. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب». فانظر، يا عبد الله، إلى الذي تحبه. فإنك، يا عبد الله، ستكون معه. أقول قولي هذا، واستغفر الله. إنه الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه. صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلازلنا عباد الله نستعرض وإياكم حديث نبينا عليه الصلاة والسلام الذي فيه إصلاح لقلوبنا في زمن غفل الناس عن إصلاح القلوب واهتموا إلى إصلاح الأبدان والأجساد. قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». فالأولى: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وذكرنا أن حال المؤمن الصادق في إيمانه أنه يقدم محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام على كل شيء. فلا يقدم على أمر إلا، ويعلم أن الله جل وعلا يحبه ويرضاه. ولهذا كان ذلك من شأن سلفنا الصالح. ثبت في مسلم أن رجلًا قام إلى نبينا عليه الصلاة والسلام فقال: «يا رسول الله، متى الساعة؟» فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: «وماذا أعددت لها؟» فقال هذا الرجل: «حب الله ورسوله». نعم، عباد الله، ما استعدوا بشهوات أنفسهم ولا بمصالحهم. إنما شغلوا هذه الدنيا بما فيه محبة الله ورسوله. وهكذا ينبغي، عبد الله، أن يكون أمرك في جميع شؤون حياتك، في أقوالك وفي أفعالك وفي منهجك وفي سلوكك وفي جهادك وقتالك ونضالك، إنما يكون محبة لله ورسوله. فبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل عن الرجل يقاتل شجاعه، وعن رجل يقاتل حمية، وعن رجل يقاتل رياءه. أي ذلك في سبيل الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله». نعم، عباد الله، محبة الله ورسوله تكون نصب عينيك. أما الخصلة الثانية التي من حازها تحصل على حلاوة الإيمان: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. فهذه رابطة، يا عبد الله، تبقى معك في الدنيا وتلحقك في الآخرة. ثبت في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». وذكر من هؤلاء: «رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه». نعم، تحابا في الله. ما تحابا من أجل دنيا، ولا تحابا من أجل حظ، وما تحابا من أجل مصلحة أو حظ من حظوظ الدنيا. إنما عاشر الناس وماشى الناس وجلس مع الناس إنما حبًا لله وحبًا في سبيله جل وعلا. ثم، عباد الله، ذكر لنا نبينا عليه الصلاة والسلام الخصلة الثالثة. قال عليه الصلاة والسلام: «وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». هذه الخصلة، يا عبد الله، متى ما كانت من أمرك ومتى ما كانت من حالك ومن والك، يا عبد الله، حينها ستنل حلاوة الإيمان وتذوق طعم الإيمان. أنك، يا عبد الله، تكره أن ترجع وأن تعود إلى ملة من ملل الكفر، أي ملة كانت. ولهذا ثبت في صحيح مسلم من سياق هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «أن يرجع يهوديًا أو نصرانيًا». عباد الله، إن من الدناءة ومن السخف والحماقة أن الله جل وعلا يمن علينا بالتوحيد والإسلام والإيمان. كما قال جل وعلا: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فمن الحماقة أن الله جل وعلا يمن علينا بالتوحيد والإسلام والإيمان، ثم يقوم الواحد منا ويتنكب عن هذا الخير. فتراه يلتحق أو ينتمي أو ينادي بملة من ملل الكفر، فيتمنى أن يرى ما بين أحضانها، أو يقوم برفع راياتها وشعاراتها. عباد الله، ثبت في السنن من حديث أبي الدرداء، وجاء أيضًا من حديث معاذ أنه قال: «أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تشرك بالله شيئًا ولو قطعت أو حرقت». نعم، يا عبد الله، إن أمر الدين، إخواني في الله، ما ينبغي أن يفرط فيه. للأسف، كم نرى من الناس من ينعق ومن ينادي برجوع ملل الكفر، وذلك لكي ينعم بمال وفير أو برزق كثير، ولو على حساب الدين. فيا سبحان الله، أهذا قدر الدين في قلوب بعض المسلمين؟ أن تستعوضه، يا عبد الله، بلقمة أو أن تستعوضه، يا عبد الله، بمتاع من متاع الدنيا؟ إن نبينا عليه الصلاة والسلام أوصى الصحابة بأن يصبروا على دينهم ولو قطعوا ولو حرقوا. وهذا الذي ينبغي علينا جميعًا، عباد الله، أن لا يتوانى أحد في دين الله جل وعلا. انظر، يا عبد الله، إلى أصحاب الأخدود، تلكم الفئة المؤمنة، عندما عرض عليهم إما أن يعيشوا في حياة الدنيا على أن يبقوا وأن يرجعوا إلى ملة الكفر والإلحاد، أو أنهم يبقون على الإيمان لكن بعد الإحراق بالنيران. فإذ بهم آثروا ما عند الله جل وعلا. قتلوا وأحرقوا في جنب الله، وحافظوا على إيمانهم. وما دنسوه وما لوثوه بالرجوع إلى ملة الكفر والنفاق والإلحاد. ولهذا خلد الله ذكرهم في القرآن. قال سبحانه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾. يستأنس بهم المؤمن ويقتدي بأفعالهم وأقوالهم. وهذا أيضًا كعبد الملك، رضي الله تعالى عنه، عندما هجره المسلمون بأمر من نبينا عليه الصلاة والسلام. فأصبح في ضيق، أصبح في هم، أصبح في غم. لا أحد يقاربه، ولا أحد يجالسه، ولا أحد يكلمه. حتى ضاقت عليه الدنيا بما رحبت. وبينما هو على هذه الحال، إذ برسالة تأتي من ملك من ملوك غسان إلى كعب المالك، وفيها: «أما بعد، فقد علمنا أن صاحبك قد جفاك، وما جعلت في دار هوان. فالحق بنا نواسيك». ما الذي فعل هذا المؤمن الذي قد خير بين أمرين؟ إما أن يبقى في دار الإسلام ويبقى مع المسلمين، لكن على ضيق، لكن على كربة. أو أنه يلتحق بدار النعيم من دور النصارى، يتمتع بأكلها وشربها، لكن تحت نظام جاهلي كفري. فماذا فعل هذا المؤمن؟ فعل الذي ينبغي أن يفعله كل من اعتز بدينه واعتز بهذا الدين العظيم. قام ومزق الرسالة، وذهب بها وحرقها في التنور. نعم، يا عبد الله. ثم بعد ذلك جاءه الفرج من عند الله سبحانه وتعالى. نعم، يا عبد الله، هكذا المؤمن. لا يرجع ولا يتمنى أن يرجع إلى نظام الكفر، أي نظام كان. عباد الله، إن هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي ينبغي على جميع المسلمين أن يراجعوها وأن ينظروا فيها ويتأملوا فيها مرارًا وتكرارًا. ليس لأنها فقط فيها توعية لقلوبنا، بل أيضًا فيها توعية لمجتمعاتنا. قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار». فاسأل مولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا لصلاتكم، رعاكم الله.