من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم قبل موته

الخطبة بعنوان من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم قبل موته، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 ربيع الآخر 1440هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية التوحيد والتحذير من الشرك عند الموت

يُشدد على أهمية الوصية بالتوحيد والتحذير من الشرك عند اقتراب الأجل، مستشهدًا بوصايا الأنبياء والرسل. يُبين أهمية هذه الوصية في ضمان حسن الخاتمة.

وصايا النبي قبل وفاته وتأكيد حسن الظن بالله

يذكر بعض وصايا النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، منها التحذير من اتخاذ القبور مساجد وحسن الظن بالله تعالى. يشرح أهمية حسن الظن بالله في مختلف الأحوال.

التركيز على الصلاة وصلة الرحم في وصايا النبي

ناقش وصايا النبي محمد عليه الصلاة والسلام، مركزًا على أهمية الصلاة وصلة الرحم. حذر من مغبة قطيعة الرحم وعقوبة تارك الصلاة، مؤكدًا على ضرورة تنفيذ هذه الوصايا.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاء للمؤمنين والمؤمنات بالغفران، ثم أمر بالقيام للصلاة، وختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يُظهر أهمية الدعاء والصلاة في ختام الأعمال.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الإنسان إذا دنى أجله وقربت منيته وأوشك على مفارقة الدنيا كان من أول اهتماماته بعد محاسبة نفسه الاهتمام بمن هم تحت يده من قرابته وذريته وأهله وأسرته. ولهذا كانت الوصية -أي وصية الميت- مجتمعةً على أهم وأعظم التوجيهات والنصائح، فإن صاحبها يُخلص فيها النصح والخير لغيره، لأن الإنسان متى ما كان في ساعة الاحتضار لا يبقى معه حينها إلا الصدق والإخلاص، هذا الذي يبقى معه. ولهذا كان من أعظم الوصايا التي ينبغي الاهتمام بها وصايا السابقين من عباد الله الأخيار الصالحين، الذين لم يألوا جهدًا في الوصية وبذل النصيحة لأهاليهم ولذويهم، بل ولعامة المسلمين. وحسبي في هذا المقام أن أشير إلى بعض وصايا رسول الأنام عليه الصلاة والسلام. فنبينا صلوات الله وسلامه عليه كان منذ دعوته قد كرس حياته في منفعة الناس، وذلك بالدلالة على الخيرية في دينهم ودنياهم وأخراهم، فلا زال كذلك حتى إذا قربت منيته، إذ به عليه الصلاة والسلام يوصي أمته بأهم مسائل الدين التي ينبغي على كل واحد من المسلمين أن يتعرف عليها وأن يفهم معانيها وأن يعمل بما فيها. فمن وصاياه عليه الصلاة والسلام ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ومن حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل به الموت جعل يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بهذه الخميصة كشفها، فقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وثبت أيضًا عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته: «ادخلوا علي أصحابي». قال: فلما دخلوا عليه، إذ برسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا ببردة، فكشف القناع، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فهذه وصيته عليه الصلاة والسلام لأمته بالتوحيد، وهكذا كان سائر الأنبياء والرسل يوصون أممهم بالتوحيد، وبالدعوة إليه، وبالتحذير من الشرك ومن كل ما قرب إليه من قول أو فعل أو عمل أو اعتقاد أو سلوك. كان الأنبياء على هذا المنوال من ختم أعمارهم بوصايا التوحيد والاهتمام به. هذا نوح عليه السلام، عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن نبي الله نوحًا حين حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، إني قاص عليك الوصية، أمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، أمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ولا إله إلا الله وضعت في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهم لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر». هذه وصية نوح عليه السلام لابنه بالدعوة للتوحيد والتحذير من الشرك. وهذا يعقوب عليه السلام ذكر لنا ربنا عن وصيته: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. هكذا كانوا الأنبياء والرسل، وصاياهم لا تخرج عن الاهتمام والأولوية بالتوحيد. وهو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه في الرمق الأخير يقول: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذرنا نبينا مما فيه الخذلان لتوحيدنا بإذهاب كماله أو إبعاد صحته، فلا تتخذ القبور مساجد، لأن نسجد عليها، ولا أن نستقبلها بالصلاة، ولأن تبنى عليها المساجد، فإنه لا يجتمع في ديننا مسجد وقبر أبدًا. ومن وصايا نبينا عليه الصلاة والسلام ما رواه جابر، ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت وهو يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه». من وصاياه صلوات ربي وسلامه عليه قبل موته: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه»، إن العبد ينبغي في كل أحواله وفي كل أوقاته وطيلة حياته أن يكون محسنًا ظنه بالله جل في علاه. قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: أنا عند ظن عبدي بي». وإن من ثمار حسن الظن بالله جل في علاه أن تعلم -يا عبد الله- وأن تعتقد بأن الله جل في علاه دائمًا وأبدًا يقبل توبة التائب متى ما تاب، مهما عظم ذنبه وعظم جرمه، وأن تعلم بأن الله جل في علاه يستجيب لدعاء من دعاه مهما كان طلبه، وأنه سبحانه غفار وغافر وغافر لمن استغفر له مهما ارتكب من جرائم وموبقات، وأن تعلم أن الله جل وعلا كافي لمن التجأ إليه وتضرع إليه مهما كثرت الخطوب وتكالب عليه الأعداء، كن على يقين بحسن ظنك بربك يا عبد الله. ومن ثمار حسن الظن بالله أن تحسن الظن به جل في علاه ولو قدر عليك الأقدار المؤلمة، كان يقدر عليك مرضًا أو مصيبة أو فقرًا أو ضيقًا أو حرجًا، أحسن الظن بالله واعلم أن الله ما أراد بذلك إلا خيرًا، برفع قدرك، بإعلاء مقامك، وأن الله جل وعلا سيجعل لك من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا. ومن أعظم مواطن حسن الظن بالله أن تحسن الظن بالله عند مماتك، كما في هذه الوصية التي أوصانا بها نبينا: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، فمتى ما دنى أجلك فاعلم أنك قادم على رب كريم رحيم غفور تواب، فليكن هذا أملك بالله جل في علاه، فإن الله يعامل العباد على ما يظن العباد بربهم. قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء». قال حافظ ابن حجر: شريج الحديث، أي: أني قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامل به، فربنا يعاملك على حسب ظنك بربك جل في علاه، فالله الله في عبادة الله بحسن الظن بالله في كل أحوالك وفي كل أزمانك وفي كل آن وفي كل حين. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، وإياكم نستذكر شيئًا من وصايا رسول الله عليه الصلاة والسلام والتي يجدر بنا جميعًا الاهتمام بها، وذلك بالتعرف عليها والتفقه في معانيها والعمل بمقتضاها، وكيف لا؟ فإنها من وحي السماء ألهمها ربنا لنبيه عليه الصلاة والسلام. فكان مما مضى من وصاياه الاهتمام بأمر التوحيد، وذلك بالابتعاد عن مظاهر الشرك وصوره، فنهى أن تبنى المساجد على القبور. ومن وصاياه ما أوصى به نبينا صلى الله عليه وسلم من ضرورة حسن الظن به جل في علاه. وأيضًا عباد الله، من وصاياه ما رواه ابن حبان بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرض موته: «أرحامكم أرحامكم»، يوصي نبينا صلى الله عليه وسلم بصلة الرحم، صلة الرحم تعتبر من العبادات المفروضة والطاعات العظيمة والعبادات الفاضلة التي جاء في حقها الكثير والكثير من الفضائل والمناقب، ليس فضلها يقتصر على أجر الآخرة، بل من كان واصلًا لرحمه فإن الله جل وعلا يجمع له خير الدنيا والآخرة. قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه»، وصلة الرحم يعدها الله تشمل كل من كان بينك وبينه قرابة، وتُعظم حقهم لمن كان أقرب منك منزلة. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم إن الله يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب»، وصية الله لخلقه ووصية نبينا لأمته بصلة الرحم، فأعلاهم شأنًا وأعظمهم كعبًا الأمهات، ثم الآباء، ثم الأقرب فالأقرب. وصلة الرحم تكون بصور مختلفة متنوعة، يكون بزيارتهم، وبالتفقد لأحوالهم، أو ببذل المال في سبيلهم إن كانوا من ذوي الحاجات. قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك». من صلة الرحم أن تصلهم بالنفقة، أو أن تبذل لهم المال. عباد الله، هذا نبينا عليه الصلاة والسلام في آخر عمره يوصينا بصلة الرحم قائلًا: «أرحامكم أرحامكم». قال العلماء: معناه صلوا أرحامكم واستوصوا بها خيرًا. لكن أين الناس من وصية عليه الصلاة والسلام؟ وقد كثر فينا العقوق والقطيعة والهجران بين الأقارب والأرحام، وكم حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من مغبة قطيعة الرحم حتى قال: «لا يدخل الجنة قاطع»، أي: لا يدخل الجنة قاطع رحم. وإن عقوبة قاطع الرحم ليس فقط تكون في آخرته، بل ربما عجل له ربه العقوبة في الدنيا. قال عليه الصلاة والسلام: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له من عقوبة الآخرة من قطيعة الرحم والبغي». فإن الله جل وعلا يعجل لقاطع رحمه أنواعًا وأشكالًا وألوانًا وأصنافًا من العقوبات الدنيوية، فضلًا عن العقوبات الأخروية. ومن هنا حرص نبينا على الوصية بصلة الأرحام. وهكذا من وصاياه عليه الصلاة والسلام الوصية بأمر الصلاة، فعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «كان من آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم». وجاء من حديث أنس قال: «كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة الصلاة الصلاة، فما زال يكررها حتى جعل يغرغر في صدره، وما كاد يفرض بها لسانه لما ثقلت لسانه». صلوات ربي وسلامه عليه لما يعانيه من سكرات الموت، مع ذلك لا زال يكررها: «الصلاة الصلاة الصلاة الصلاة»، هذه وصية عليه الصلاة والسلام بالأمر بالصلاة، عباد الله. وأين الناس من وصية المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه؟ وها هي المساجد تنبئك عن اهتمام المسلمين إلا من رحم ربي، فلا يأتي للصلاة إلا القليل من عباد الله. الصلاة -عباد الله- ركن من أركان ديننا، فلا قوام للإسلام إلا بها، فلا حظ في الإسلام لمن لا صلاة له. الصلاة -عباد الله- مكفرة للذنوب، مزيلة للخطايا والعيوب، بها تضاعف الأجور، ويسهل الله لك جلياتك والأمور. الصلاة -يا عبد الله- إن أقمتها يجعل الله لك من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا. الصلاة -يا عبد الله- من أعظم ما تستجلب به النعم، فبصلاتك يمضي الله جل وعلا لك في الأعمار، وبالصلاة ينمي لك الله جل وعلا الأولاد والأرزاق والأموال. الصلاة الصلاة -يا عباد الله-. ومن حرصك للصلاة أن تدفع بأهلك، وأن تدفع بأبنائك وذريتك ومن هم تحت يدك، تدفعهم إلى بيوت الله، حرصًا على وصية المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي ما خرج من هذه الدنيا إلا ولسانه يلهج بها: «الصلاة الصلاة». فيا عباد الله، إن العبد منزلة عند ربه كمنزلة الصلاة في حياته، فانظر أين هي منك؟ عباد الله، هذه شيئًا من وصايا نبينا عليه الصلاة والسلام، ووصاياه كثيرة لا يسع المقام لذكرها، فحسبنا إشارة إلى ما ذكر تم ذكره. فعلينا -عباد الله- أن نولي لوصايا نبينا اهتمامًا، إن الواحد منا لو كانت وصية من قبل أبيه أو من قبل أمه أو من قبل أحد لجعلها فوق الرأس والعين، وسارع إلى تنفيذها، فما ظنك بوصية نبيك، بوصية حبيبك وخليلك نبيك عليه الصلاة والسلام؟ فهي أجدر بالحعناية والرعاية، وبالحفظ والقيام بها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.