الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 138، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع الآية باعتبارها من أرجى آيات القرآن، موضحاً أن الله يقبل توبة من أسرف على نفسه حتى لو قتل أولياءه، ثم يسرد إسناد الحديث عن إبراهيم بن موسى والفراء وهشام بن يوسف قاضي صنعاء.
يروي المقطع بسند صحيح عن ابن عباس أن مشركين أكثروا من القتل والزنا سألوا النبي ﷺ عن كفارة، فنزلت آيتا الفرقان (68-70) والزمر (53) مبشرتين بتوبة الله وتبديل السيئات حسنات للتائبين المؤمنين.
يؤكد المقطع على وجوب التوبة الصادقة وعدم اليأس من رحمة الله مهما كثرت الذنوب، محذراً من التسويف لأن الله قد يحول بين العبد والتوبة، ويستدل العلماء بآية الزمر على غفران الذنوب جميعاً للصادقين.
تغفر الذنوب بالتوبة الصادقة، لكن حقوق العباد كالمال والدم والعرض لا تسقط إلا بردها لأصحابها أو بتحللهم، وقد يوفق الله التائب فيلقى القبول في قلب المظلوم فيسامحه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم». على قول الله عز وجل: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾. هذه الآية يقول بعض العلماء: إنها من أرجى الآيات في القرآن، وفيها فتح باب التوبة فتحًا عظيمًا، وأن الإنسان مهما أسرف على نفسه بالذنوب لا يقنط من رحمة الله، فربنا جل وعلا غفور رحيم لمن تاب إليه ورجع. فقد عرض ربنا جل وعلا التوبة على من قتل أولياءه، كما قال الحسن في قول الله عز وجل في أصحاب الأخدود: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُم بِمَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾. فقال الحسن: انظروا إلى رحمة الله عز وجل، فإنهم قتلوا أولياءه وهو يعرض عليهم التوبة، ثم لم يتوبوا، فلهم عذاب جهنم. أيضًا عرضها على الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فربنا عز وجل رحيم، جل وعلا، رحمته وسعت كل شيء، فمن رجع إليه وتاب، ولو فعل ما فعل، فإن الله عز وجل يتوب عليه، إلا إن كان عنده حقوق للناس، فهذا لا بد أن يصطلح معه. وأما ما بينه وبين الله، فربنا جل وعلا يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات. قال رحمه الله: حدثني إبراهيم بن موسى، وهو الفراء، قال: حدثنا الصغير، وهو كما قال الإمام محمد: كبير من رجل من أهل الحديث، من أهل العلم، وأيضًا أهل الفقه والزهد. قال: أخبرنا هشام بن يوسف، وهو قاضي صنعاء، هشام القاضي، وهشام لا يعتبر من حفاظ أهل الحديث، من صنعاء، وقد اختاره الناس في كتابة حديث سفيان، لما جاء سفيان الثوري، قال لهم: «أتوني بكاتب»، فقالوا: قد رضينا بالقاضي، أي هشام، فكتب، فكان يكتب. فقال عبد الرزاق: فكنا نقابل كتبنا بكتاب هشام. قال: أن ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، قال: أخبرنا، قال: يعلى، هو يعلى هنا، هو ابن مسلم بن هرمز، وقيل أنه ابن حكيم، لكن بعيد، إنما هو يعلى بن مسلم، أن سعيد بن جبير، أن سعيد بن جبير أخبره، أخبره، وسعيد بن جبير وأبو محمد الأسدي الكوفي، وهو من أعلم أصحاب عبد الله بن عباس، كما قال أبو الحسن علي بن المديني رحمه الله: ذكر أصحاب ابن عباس: طاوس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، قال: وأعلمهم سعيد، وأعلمهم سعيد، أنا أعلمهم بعلم ابن عباس، وكذلك أعلمهم بالفقه والعلم هو سعيد بن جبير، لكن أكثرهم رواية عن ابن عباس: عكرمة. قال: أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فله كما جاء في بعض الروايات: أنهم قوم من المشركين، قوم من المشركين جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأرادوا أن يتوبوا، وجاء في الطبراني أن الذي قال هذا هو وحشي بن حرب، لكن إسناده فيه شيء. وجاء أيضًا أن هؤلاء من المشركين قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: إن قد فعلنا وفعلنا، فكيف ندخل في دينك وأنت تحرم هذا؟ لكن هذا الذي جاء هنا في البخاري هو أصح: أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا، وأكثر، أكثر في القتل، وزنوا وأكثر، فأتوا النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فنزلت: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾، ونزلت أيضًا: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾. فهذه الآية، أو هاتان الآيتان، نزلت في هذه، أو سبب نزولهما: إتيان هؤلاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فذكر الله عز وجل أولًا الذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر، وهم أهل الشرك، أقصد أنهم لا يشركون بالله، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، إلا بالحق إذا كان قصاصًا، أو مثلًا إنسان يعمل عند حاكم سيافًا يقتل من استحق القتل وغيره، ولا يزنون. هؤلاء الذين لم يرتكبوا هذه الجرائم هم الذين تاب الله عز وجل عليهم، ويبدل سيئاتهم حسنات. ونزل أيضًا قول الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾، مهما أتيتم من المعاصي، فلا تقنطوا من رحمة الله، وتوبوا إلى الله جل وعلا. وهذا إذا كان هذا الإنسان صدق في توبته إلى الله، وأما إن كان يريد أن يسوف، أو يريد مثلًا أن يتوب لكنه ليس بصادق في توبته، يقول مثلًا: سأفعل وأفعل ثم أتوب، ومن يضمن لك الحياة حتى تكون في ذلك الوقت وأنت حي وتتوب إلى الله؟ فقد يحال بينك وبين التوبة. لهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾. فهذا لا بد أن يعلمه الإنسان المسلم، فقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، لا ينبغي له أن يسوف، أو أن يحتال، أو أن يوسوس لنفسه بهذه الوساوس، بل يستجيب لله عز وجل، ويخلص أمره لله، ويخلص أعماله لله. فإن كان صادقًا، ولو عاد، ولو رجع إلى الذنب، فإنه سيغفر الله عز وجل له، وسيتوب الله عز وجل عليه، ما دام أنه صادق. أما إن كان يكذب على نفسه، ويحتال على نفسه، ولم يصدق في توبته، وإنما يحدث نفسه بالتوبة فقط، فهذا قد يحال بينه وبين التوبة، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾، لما يصلحكم، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾، يحول بينه وبين ما أراد، وبين ما كذلك يتمناه. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ﴾، أو لا في الكفار، يحيل بينهم وبين ما يتمنون من هذه الدنيا، أو مما يكون في صدورهم من الغل على أهل الإسلام، وكل ذلك يحيل الله عز وجل بينه وبين قلب صاحبه. فقال الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾، لا يأتي اليأس، فإن اليأس من روح الله عز وجل يعتبر من الكبائر، ولا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون. واستدل كثير من العلماء بهذه الآية على أن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعًا، كبيرها وصغيرها، وسواء تعلقت بحق الآدميين أم لا. لكن الذي عول عليه أكثر العلماء: أن الذنوب كلها تغفر بالتوبة، لكن حقوق الآدميين، إذا تاب صاحبها من هذه الحقوق، أو تاب إلى الله عز وجل من السرقة أو من غيرها، فإنه إن كان عنده أموال، لا بد أن يرجعها، أو يتحلل من صاحبها، يتحلل من صاحب هذه الأموال، أو أن الله عز وجل لصدق هذا الرجل، صدق توبته، يلقي في قلب ذاك الرجل أنه يسامحه، أنه يسامحه في هذا الحق، سواء كان مالًا أو دمًا أو عرضًا أو غيره. فهذا ما يذكر في هذه الآيات، والله تعالى أعلم. شكرًا شكرًا