الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض المقطع حديث ابن عمر الذي منع فيه نكاح النصرانية واليهودية لاعتبار قولهن شركاً، ثم بين أن آية المائدة نسخت ذلك وأباحت المحصنات من أهل الكتاب، وأن ابن عمر حمل تحريمه على من تعتقد أن عيسى ابن الله فتكون كافرة لا يحل نكاحها.
بين المقطع جواز نكاح المسلم لليهودية والنصرانية بنص القرآن، ونقل خلاف الصحابة ككراهة ابن عمر للأفضلية وأمر عمر بالتنزه عنه، مقابل عمل عثمان وطلحة وحذيفة بالجواز، ورجح العلماء أن النهي ليس للتحريم بل للأفضلية والأصل الإباحة للمحصنات.
أوضح المقطع أن النكاح جائز للكتابيات المحصنات العفيفات فقط، وحرم نكاح المشركات والمجوسيات، وفصل خلاف العلماء في نكاح الحربيات في دار الحرب، وبين تحريم نكاح إماء أهل الكتاب عند الجمهور لاشتراط الإحصان والحرية.
بين المقطع أن الله أحل نكاح الإماء بشرط الإيمان، فلا يجوز نكاح الأمة الكافرة حتى لو كانت كتابية، أما الحرائر من أهل الكتاب فيجوز نكاحهن إذا كن محصنات عفيفات.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، وقال: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. قالوا: حدثنا قتيبة، وابن سعيد، وابن رجاء، وابن طريف، ابن رجاء أو قاء معنا قتيبة، ابن سعيد، ابن جميل، ابن طريف، أبو رجاء، أثق في البغلاني، وأصله من خراسان، ونزل مصر. قال: حدثنا ليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال: إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله. قالوا: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ليث، عن نافع، أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا سئل عن نكاح النصرانية. طيب، هذا الحديث هو من أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن ظاهره أنه يمنع الزواج، الزواج من الكافرات، ولو من أهل الكتاب. لكن قد ذكر العلماء، وأيضًا الآية بينت أنه يجوز للمسلم أن ينكح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. فتبين من هذه الآية أن الله عز وجل أباح نساء أهل الكتاب، إلا أن ابن عمر رضي الله عنه لعله حمل ذلك على من لم يقل بأن عيسى ابن الله، لأن من النصارى من لا يقول هذا، فقال: من قال أي شرك، أو إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله. يعني إذا اعتقد... يعني يقول ابن عمر رحمه الله: إذا اعتقدوا هذا فهم كفار، ولا يتزوج منهم. لكن الله عز وجل قد حكى عنهم هذا الأمر، قد حكى عنهم أنهم يقولون: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، و﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، أي النصارى يقولون عيسى، واليهود يقولون عزير. مع ذلك، إلا أن الله عز وجل أجاز الزواج منهم، يجوز للرجل المسلم أن يتزوج يهودية أو نصرانية. وأما المشركة فلا يجوز أن تزوج، وكذلك المجوسية الذين يعبدون النار، أيضًا لا يجوز أن يتزوج منهم لأنهم مشركون. وهنا قال: قال بعضهم: لعل ابن عمر أراد أن الأفضل أن لا يتزوج منهن، وهذا لا شك أنه صحيح، أن الإنسان لا يتزوج من هؤلاء إلا إذا اضطر، أو إذا احتاج إلى ذلك، والأفضل له أن يتزوج المحصنات من المؤمنات. قالوا: ﴿الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وبقي سائر المشركات على أصل التحريم. وذكر أبو عبيد أن قاسمًا، السلام، قالوا: المسلمون اليوم على الرخصة في نساء أهل الكتاب، كأن هذا الخلاف الذي كان موجودًا نُسخ. وأيضًا كما ذكرنا أن ابن عمر إما أنه فهم من الآية الذين لا يقولون بذلك، أو أنه أراد الأفضل، أراد الأفضل. ولهذا لما ذكر ابن المنذر من يقول بجواز إتيان أو زواج النساء الكتابيات، قال: لا يصح نعهد من الأوائل أنه حرم ذلك، وأراد أن هذا الذي جاء عن ابن عمر ليس من باب التحريم، وإنما من باب الأفضل. وقد تزوج عثمان رضي الله تعالى عنه، وهو خليفة راشد، تزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية، وهي نصرانية، ثم بعد ذلك أسلمت، وتزوجها على نسائه، وهي التي قُتلت وهي عنده، نائلة بنت الفرافصة الكلبية. وكذلك تزوج طلحة بن عبيد الله يهودية، وكذلك حذيفة رضي الله عنهم أجمعين. بل أن هناك من الصحابة من ذهب إلى جواز، أو إلى جواز زواج المجوسيات، وتعويل قوله جل وعلا: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾، قال: جوز المجوسية وإن كانت مشركة، لكن زواج المؤمنات أفضل. قالوا: الباب الأفضل، وهذا تعويل غير صحيح. لكن قد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأمر بالتنزه عن نساء أهل الكتاب، عن أنه لا يتزوجهن. ولهذا جاء عند ابن أبي شيبة عن شقيق بن سلمة أن حذيفة تزوج يهودية، فكتب إليه عمر أن خلِّ سبيلها، فقال: حرام؟ فكتب إليه عمر: لا، ولكن أخاف أن تواقع الممسات منهن، عندما يكثر الزواج منهن، ممكن أنك تتزوج امرأة زانية. وهذا رأي عمر، لقوله جل وعلا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ﴾، لا بد أن تتأكد وتعرف أن هذه محصنة، ليست من الزواني، لأن الله عز وجل شرط هذا، شرط أنهن من العفائف. وأيضًا كذلك جاء: قال عبد الملك بن عمير: سألت عطاء عن نكاح اليهوديات والنصرانيات، فكره وقال: كان ذاك والمسلمات قليل. وعن جابر قال: شهدت القادسية مع سعد بن أبي وقاص، ولا نجد سبيلًا إلى المسلمات، فتزوجنا اليهوديات والنصرانيات، فمنا من طلق، ومنا من أمسك. ولكن الصحيح الذي عليه أكثر العلماء والصحابة أنه لا يجوز زواج الوثنيات والمجوسيات، لقوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، فلهذا هذه الآية تدل على أنه لا يجوز أن يتزوج امرأة مشركة، ويدخل في ذلك المجوس. وأما قبول الجزية منهم فذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ»، لأنهم لهم كتاب. فخلاصة هذا الباب: أنه زواج الكتابيات المحصنات يجوز كما حله الله عز وجل. وأما الحربيات، الحربيات الكافرة الحربية التي حرب بينهم وبين قومهم، يعني بين المسلمين وبين قومها، فذكر مالك والشافعي وغيرهم على أن نكاح الحربيات في دار الحرب حلال، أن يجوز أن يتزوج، مادام أنه في دار الحرب، يجوز له أن يتزوج كتابية، إلا أنهم كرهوا ذلك من أجل الذرية وغير ذلك، وأنهم سيقومون في دار الحرب. وأيضًا اختلفوا في نكاح إماء أهل الكتاب، إذا كانت أمة، فمنعه أكثر العلماء، كمالك والشافعي والليث وغيرهم، لقول جل وعلا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ﴾، والمحصنات يطلق على الحرائر، ويطلق على العفيفات. فأيضًا كذلك أن الله عز وجل أحل الإماء بشرط: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فهنا قيد أنه يجوز أن يتزوج الأمة، لكن لا بد أن تكون مؤمنة، فدل على أن الأمة الكافرة لا يجوز أن يتزوجها، ولو كانت من أهل الكتاب، ولو كانت من أهل الكتاب. وأيضًا إذا كانت من أهل الكتاب من إماء أهل الكتاب لا يجوز، وإذا كانت من الحرائر يجوز إذا كانت محصنة عفيفة. فهذا خلاص ما يذكر بهذا الباب، والله تعالى أعلم.