التعليق على كتاب الوصية الكبرى 22

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى الولاية الحقيقية وأحوال أولياء الله عند شيخ الإسلام ابن تيمية

توضح الولاية الشرعية بأنها الإيمان والتقوى لا المظاهر، وتذكر درجتي القرب إلى الله عبر الفرائض والنوافل. ويؤكد وجود أولياء الله في جميع طبقات الأمة مع وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.

صفات المؤمنين وأهمية وحدتهم ونصرتهم بعضهم بعضاً

تصف صفات المؤمنين بالمحبة والنصرة والأخوة مستشهدة بآيات وحديث الجسد الواحد. وتشدّد على وجوب موالاة المؤمنين ونصرتهم وإصلاح ذات البين مع النهي عن التفرق.

أخوة المؤمنين وحقوقهم المتبادلة

تؤكد ترابط المؤمنين كالبنيان المرصوص وأن كمال الإيمان يتحقق بمحبة الخير للآخرين. وتذكر حقوق المسلم على أخيه من السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز مع النهي عن الظلم والتسليم للشر.

النهي عن أمر في القرآن والسنة والدعاء بالتوفيق

يبيّن أن الفعل المذكور منهي عنه في كتاب الله وسنة نبيه، ويسأل الله التوفيق والرضا. ويختتم بالحمد لله ودعوة للاشتراك في القناة مع ذكر اسم المترجمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عند الإمام البخاري، وفيه أن الله عز وجل يقول: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب». من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. وذكر في هذا الحديث أن التقرب إلى الله عز وجل يكون على درجتين: إحداهما التقرب إليه بأداء الفرائض، وهذه درجة المقتصدين الأبرار أصحاب اليمين. والدرجة الثانية: يتقرب إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض، وهذه درجة السابقين المقربين. وذكر الآيات الدالة على هذا المعنى. قال -رحمه الله-: وقد ذكر الله هذا المعنى في عدة مواضع من كتابه. فكل من آمن بالله ورسوله واتقى الله فهو من أولياء الله. كل من آمن بالله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- واتقى الله فهو من أولياء الله. هذا معنى الولاية، كما تقدم ذكره، خلافاً لما يعتقده بعض الصوفية من أن الولاية تكون عندهم إما مكتسبة أو بأحوال، أو بأحوال ربما تكون أحوالاً شيطانية يدعون فيها الولاية لهذا الشخص. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فذكر الله عز وجل صفات أوليائه أنهم المؤمنون المتقون. وفي هذا المعنى أيضاً يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات. يعني أنهم يكونون مثل الناس في الظاهر من الأمور المباحة، يفعلون ما يفعل الناس من الأمور المباحة. فإذا كان الناس يأكلون كذا وكذا من أصناف الطعام فهم مثلهم، أو يلبسون لباساً معيناً في بلادهم فهم مثلهم، ما لم يكن مخالفاً للشرع. قال: فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحاً. إذا كان كلاهما مباحاً لا يتميزون، لا يكون لهم لباس خاص. وإنما أولياء الله المتقون يكونون في الأمور المباحة مثل الناس، فلا يتميزون عنهم. ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ضفره -يعني تعقيده- إذا كان مباحاً. كذلك لا يعقدون شعورهم، اليهود يعقدون شعورهم، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن تعقيد الشعر للرجال، كاللحية مثلاً. قال: «أَخْبِرِ النَّاسَ يَا رَضِيُّ، فَعَلَ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّداً بَرِيءٌ مِنْهُ». فهم لا يفعلون التشبه بأعداء الله عز وجل، سواء كان في قص الشعر أو نحو ذلك مما يفعله الكفار، إذا كان هناك هيئة معينة لأعداء الإسلام. قال: كما قيل: «كَمْ مِنْ صَدِيقٍ فِي قَبَاءٍ، وَكَمْ مِنْ زِنْدِيقٍ فِي عَبَاءٍ». كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء. ربما بعضهم يكون لباسه جميلاً، يتزيى بزي أهل العلم، ومن داخله زنديق، عياذاً بالله، يبطن الأمور العظيمة في قلبه. فليس الأمر بالمظاهر، وإنما الأمر بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، والعمل الصالح الذي يرفع صاحبه. أما مجرد المظهر والمخبر لا شيء، فهذا مذموم. والمتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور. فقال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: «بَلْ يُوجَدُونَ». أي: أولياء الله يوجدون في جميع أصناف أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، إذا لم يكونوا من أهل الفسق والفجور. فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصناع والزرع. أولياء الله يوجدون في هذه الأصناف وفي هذه الطوائف. ما يختصون بهيئة معينة، لباس معين، أو نحو ذلك. وإنما يكونون على تقوى الله، سواء كان هذا من أهل العلم والدين، أو كان من حملة القرآن، أو كان هذا من التجار متقياً مؤمناً متقياً، أو كان من الزراع مزارعاً، أو كان من الصناع يصنع بعض الأشياء، أو غيرها من الحرف والمهن التي يتعايش بها الناس. فكلهم يشملهم هؤلاء -هؤلاء إذا كانوا مؤمنين متقين يدخلون في معنى الولاية، يدخلون في معنى الولاية-. أولياء الله: أي المحبون لله عز وجل والمقربون عنده، والذين ينصرون دينه. فهذا معنى الولاية الحقيقي، لا كما تقدم ذكره عن أولئك الأقوام الذين ربما جعلوا الولاية في تارك الصلاة، أو مرتكب الفواحش، أو في المجاذيب والمجانين. هذه ما تكون فيها ولاية الله عز وجل. ولاية تكون بكمال العقل والخلق والدين، واستقامة على شرع الله عز وجل. قال -رحمه الله تعالى-: والله سبحانه قد أوجب موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأوجب عليهم معاداة الكافرين. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. إن الله لا يهدي القوم الظالمين. هذه الآية فيها تحريم موالاة الكفار. والموالاة تعني النصرة والمحبة، وغير ذلك مما يكون فيه إعانة للكفار على المسلمين. لا تتخذ اليهود والنصارى أولياء. وإنما من يتخذ ولياً يتخذ المؤمن التقي، هذا يتخذ لك ولياً. ولهذا قال الله عز وجل في نفس السورة، سورة المائدة، في آخر الآيات: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. إذن هذا الذي ينبغي أن تتخذه ولياً. المؤمن يا عبد الله، المؤمن هو وليه. إذا كان المؤمنون على هذه الصفة وعلى هذا الوصف، فإنهم يكونون متحابين، متناصرين، متآلفين، متآخين، ويكونون قوة على أعدائهم. بخلاف ما لم تفرقوا، فإنهم يكونون ضعفاً أمام أعدائهم. ولهذا أيضاً أخبر سبحانه أن ولي المؤمن هو الله ورسوله وعباده المؤمنون. وهذا عام في كل مؤمن موصوف بهذه الصفة، سواء كان من أهل نسبة، أو بلدة، أو مذهب، أو طريقة، أو لم يكن. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. انظروا عباد الله إلى هذا الوصف العظيم لعباد الله المؤمنين. المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يتناصرون، يتحابون على الخير، يتناصرون على الخير، يشجع بعضهم بعضاً على الخير، لا يخذل بعضهم بعضاً، لا يحذر بعضهم من بعض، والله المستعان. لا، كانوا على صفة الإيمان والتقوى والاستقامة على هذا الدين العظيم وعلى السنة. قال أيضاً سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. هذا وصف الصحابة -رضي الله عنهم- من المهاجرين والأنصار. منهم -رضي الله عنهم- كيف آوى الأنصار المهاجرين؟ أولئك هاجروا وتركوا بلادهم وأموالهم وأهليهم وأحب الناس إليهم، وتلقفهم أولئك الرجال المحبون لهم، المناصرون، الموالون، وواسوهم، وأعطوهم، وآثروهم في الله جل وعلا. أولئك بعضهم أولياء بعض. إلى قوله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾. يعني بعد ذلك من جاء مهاجراً وهو مؤمن، فإنه يكون من أولئك المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم. فالمؤمنون مأمورون من ربنا سبحانه وتعالى بالمناصرة، بأن ينصر بعضهم بعضاً، ويحب بعضهم بعضاً، ويتآخون في الله، ويتآلفون، لا يتفرقون، حتى ما يسهل أعداؤهم، يسهلون على أعدائهم، ويكونون بعد ذلك متفرقين متناحرين. قال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. انظر يا عبد الله، سماهم الله مؤمنين مع أنه قد حصل خلاف بينهم. يحصل الخلاف، لكن ما دام على مسمى الإيمان، فإن المؤمن ينبغي أن يوالي المؤمن، وينبغي أن يحب المؤمن. فالمؤمن، سواء كان قوياً أو ضعيفاً، فهو أحب إلى الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يواليه. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. إذن ما دام الله عز وجل ولي المؤمنين، فأنت كذلك يا عبد الله تكون ولياً للمؤمنين. ينبغي أن يكون صدرك -أن يكون صدرك فيه المحبة لأهل الإيمان، والخير لأهل الإيمان- ما دام على الإسلام الصحيح، وعلى الإيمان الذي يشمل الأعمال الصالحة، الذي يشمل الأعمال الصالحة. وما حصل من زلل أو من خطأ، فإنه لا يوافق عليه، هو لا يؤيد عليه، بل ينبغي أن يناصح ذلك المسلم أو المؤمن الذي يقع في زلل أو خطأ. ومعلوم أنه ليس أحد معصوماً، ليس أحد معصوماً، والمعصوم من عصم الله عز وجل من الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-. فإذا كان أخوك يستقيم تارة ويعوج تارة، فكن معه على الخير، كن معه على الخير، وأعنه على الخير. والشر لا توافقه ولا تؤيده عليه، بل عليك بتحذيره منه، والنصح له، والاستمرار بذلك، لا تيأس. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. هذا قد حصل في زمن الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- في وقعة صفين. فاقتتل الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- وهم مؤمنون. الله عز وجل قضى ذلك أن يتقاتلوا، وحكم بذلك سبحانه وتعالى. ﴿إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. وما حمل ذلك منهم إلا عن اجتهاد، رضوان الله تعالى عليهم. ثم قال -رحمه الله-: الصحاح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ». متفق عليه عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-. كيف مثل الرسول -عليه الصلاة والسلام- المؤمنين؟ قال: بالجسد الواحد في التواد والتراحم والتعاطف، كالجسد الواحد. هؤلاء المؤمنون كلهم جسد واحد. إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بماذا؟ بالحمى والسهر. أنت جسدك واحد، إذا اشتكيت من أصبعك، أو من رجلك، أو من رأسك، ظللت طول الليل سهراناً، ظللت طول الليل وأنت لا تنام. انظر يا عبد الله كيف الجسد كله يصبح في حمى وقلق، وشغل شاغل، لأن هذا العضو من هذا الجسد مؤلم، خرج عن ماذا؟ خرج عن المألوف. فإذا المؤمنون كذلك، إذا خرج واحد، وشذ واحد منهم، يصيرون ماذا؟ فيه تناقص، فيه تناقص. فإذا نحن بإخواننا، نحن بإخواننا المؤمنون جميعاً، مثل الجسد الواحد، إذا كانوا متعاطفين، وإذا كانوا متحابين، وإذا كانوا متآلفين، كمثل الجسد الواحد. ومن شذ شذ في النار، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-. احذر يا عبد الله أن تخرج وتشذ، تشذ بآرائك، وبأفكارك، وبهواك عن جماعة المسلمين، جماعة الحق. فالمؤمنون هكذا، مثلهم الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنهم لا يرضون. المؤمنون لا يرضون في صفوفهم من يكون فيه ماذا؟ من يكون فيه خلل، بل يناصحونه، ويشدون من أزره. بل وإن استطاعوا أن يمنعوه من الوقوع في الظلم، أخذوا على يديه، أخذوا على يديه. ما يرضون بالغش في صفوفهم. هكذا حال أهل الإيمان بهذا الوصف. أهل الإيمان إذا اتصفوا بهذا الوصف من الإيمان بالله ورسوله، وبكتابه، وكذلك بالقدر خيره وشره، وباليوم الآخر، وبالملائكة، كانوا على هذا الوصف من الاستقامة على الدين والعمل الصالح، فإنهم لا يرضون من يكون في صفوفهم من يؤلمهم، من ماذا؟ من يؤلمهم. ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً». اتفق عليه عن أبي موسى. كالبنيان، انظر إذا كان معك بنيان، ماذا؟ هذا البنيان متكامل، هذا البنيان متكامل، لبنة فوق لبنة، ومدرة فوق مدرة، متراصة مترابطة. إذا خرج منه، خرجت منها شيء، أصبح البنيان مهزوزاً، أو أوشك على السقوط، خصوصاً في الأماكن الحساسة، كالأركان أو الأساس. إذن هؤلاء المؤمنون يشكلون بنياناً. المؤمنون في أي مجتمع، في أي مجتمع، في هذا المجتمع الصغير، أو فيما كان أكبر منه، في أي مجتمع يشكلون بنياناً. المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، يتماسك. وشبك -عليه الصلاة والسلام- بين أصابعه، شبك بين أصابعه لأجل أن يدل الصحابة على قوة الترابط بين أهل الإيمان. هكذا يشبك بين أصابعه، لا يمكن أن يفتك، مثل ما تشبك بين أصابعك لا تفتك بسهولة. وهكذا أهل الإيمان إذا كانوا على هذا الوصف، فإنه يصعب على أعدائهم تفرقتهم، يصعب على أعدائهم تفرقتهم، لأنهم مترابطين، بنيان قوي، لا يستطيعون أن يهدموه، لا يستطيعون أن يهدموه. وأما في الصحيحين عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو من حديث أنس، متفقاً عليه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». لا يؤمن الإيمان الكامل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. من ماذا؟ يحب له من أمور الخير، الخير، الاستقامة. وقد جاء هذا الحديث مفسراً في رواية أخرى عند النسائي: «مِنَ الْخَيْرِ». لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أي من الخير. هكذا تحب لإخوانك الخير كما تحب لنفسك الخير. حب لإخوانك الخير يكمل إيمانك، يكمل إيمانك. أما إذا أحببت لهم السوء، والوقوع في الفاحشة، أو نحو ذلك، عياذاً بالله، فأنت ما تحب لإخوانك الخير. بل من أسباب دخول الجنة كما بين -عليه الصلاة والسلام- في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهم-، وعند الإمام مسلم: «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَأَنْ يُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ». يأتي إلى الناس بماذا؟ يأتي إلى الناس، فعلى الذي يحب أن يؤتى إليه، يأتي إلى الناس بالذي يحب أن يؤتى إليه. يحب أن يؤتى إليه بالسلام، يسلم عليه الناس. يحب كذلك أن يؤتى إليه بالكلام الجميل الطيب. يحب أن يؤتى إليه بالزيارة، يحب أن يوصل، ونحو ذلك من أمور الخير. يحب هذا كل إنسان لنفسه. ما يحب أن يكون منقطعاً، مبتوراً، مهجوراً، مذموماً بين الناس. وإنما يحب أن يكون على درجات رفيعة، وثناء عليه بالخير، يوصل، يسلم عليه، يكلم. هذا هدف المسلم في هذه، ماذا؟ الحياة. وهدفه الأعظم أن يصل إلى ماذا؟ إلى رضوان الله عز وجل. فإذا كنت تريد ذلك لنفسك، فأيضاً حبه لإخوانك، وبادر أنت كذلك ببذله لإخوانك المؤمنين المسلمين المستقيمين، من السلام، والكلام الطيب، والأخلاق الحسنة، والآداب الكريمة، والمعاملة الطيبة، والصدق في الحديث، ونحو ذلك مما يحبه عباد الله عز وجل. وقال -عليه الصلاة والسلام-: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ». المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه. المسلم أخو المسلم، ينبغي أن تستشعر في قلبك أن هذا المسلم أخوك، أخوة إيمان، وأخوة إسلام. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وهكذا أيضاً قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. وهذا أخونا الذي يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ويفعل الطاعات. وأخونا في الإسلام، ماذا؟ من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. إذا كان كذلك، فإن لهذا الأخ المسلم حقوقاً، له حقوق، أوجبها الله عز وجل على كل مسلم تجاه أخيه المسلم. منها كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ». في رواية خمس. وهناك أوامر أخرى. أمرنا -يقول البراء بن عازب-: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ». هذه من حقوق المسلمين. أيضاً في هذا الحديث هناك نواهي. نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يفعلها المسلم تجاه أخيه المسلم. منها: لا يسلمه. منها: لا يسلمه إلى الشر. لا يسلمه، يقوده إلى ماذا؟ إلى الشرور، كما يفعل بعض الناس، عياذاً بالله. ربما قاد هذا المسكين الذي ما يعرف الطريق، قاده في حفرة من حفر النيران. ما يجوز أن تغش أخاك المسلم، وتسلمه إلى عذاب الله عز وجل، أو سخطه، أو عقابه، أو تسلمه إلى أعدائه من الذين يبغضون، والذين يريدون الشماتة به. وهكذا لا تظلمه. لا يجوز أن تظلم أخاك المسلم. أخوك المسلم لا يجوز أن تظلمه. وإن أساء إليك، فكن أنت ذا عفو وذا صفح، تقابل الإساءة بالإحسان، وتقابل السيئة بالحسنة. فإذا الذي بينك وبينه عداوة، كأنه ولي حميم، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم. قالوا: أمثال هذه النصوص في كتاب الله والسنة كثيرة، قد جعل الله فيها عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعلهم إخوة، وجعلهم متناصرين، متراحمين، متعاطفين، وأمرهم سبحانه في كتابه بالائتلاف، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف. وهذه مسألة عظيمة، إن شاء الله تعالى يأتي ذكرها، وهي مسألة الائتلاف. الائتلاف: أن يكون المسلمون مؤتلفين على الكتاب والسنة، ولا يتفرقوا شيعاً وأحزاباً. فإن هذا مما نهى الله عز وجل عنه في كتابه الكريم، كما نهى عنه نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. نسأل الله أن يوفقنا، ويأخذ بما يحب ويرضاه. الحمد لله. اشتركو في القناة، ترجمة نانسي قنقر.