كتاب المنثورات والملح 13

كتاب المنثورات والملح 13

الدرس في كتاب المنثورات والملح 13، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

قصة هاجر وإسماعيل ونشأة بئر زمزم وأصل السعي

ترك إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل في وادي مكة غير ذي زرع، فتوكّلت هاجر على الله وسعت بين الصفا والمروة سبع مرات حتى تفجرت زمزم تحت قدمي إسماعيل. ويُعد هذا الحدث أصل مشروعية السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة.

نزول جرهم عند زمزم وزواج إسماعيل وطلاقه بأمر إبراهيم

نزلت قبيلة جرهم بجوار بئر زمزم بشرط عدم حقهم في الماء، وتعلم إسماعيل العربية منهم وتزوج امرأة منهم. أمر إبراهيم ابنه بطلاق زوجته بعد شكواها من الضيق، فطلقها إسماعيل امتثالاً لأمر أبيه.

زيارة إبراهيم لإسماعيل وبناء الكعبة

زار إبراهيم ابنه إسماعيل مرتين، وفي الزيارة الثانية أمره بالتمسك بزوجته (العتبة) ثم بنيا الكعبة معاً رافعين القواعد وداعين الله بالقبول. تروي القصة أيضاً هجرة هاجر وإسماعيل إلى مكة وتفجر زمزم ببركة دعاء إبراهيم.

الخاتمة والدعاء

يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين مع الإقرار بعلم الله تعالى. ثم يوجه الشكر لشخص يدعى محمد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع كتاب المنثورات والملح من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى ابن شرف النووي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. ونحن لا نزال مع أحاديث تتعلق بالدجال وأشراط الساعة وغيرها. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه. ما اسم أم إسماعيل؟ ما اسمها يا أبا العباس؟ أم إسماعيل. طيب، نعم عندك: هاجر. اسمها هاجر. قال: وهي ترضعه حتى وضعها عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء. وقوله: "حتى وضعها عند البيت"، أي عند المكان الذي بني فيه البيت. قال: "عند دوحة"، والدوحة المقصود بها الشجرة العظيمة، الشجرة العظيمة. قال: "فوق زمزم"، يعني في المكان أو فوق المكان الذي إذا تفجر منه ماء زمزم. قال: "في أعلى المسجد"، أي الحرام. "وليس بمكة يومئذ أحد"، أي لا أنيس ولا جليس. وصفه الله عز وجل بواد غير ذي زرع. "وليس بها ماء"، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، يعني كيس فيه تمر، وسقاء فيه ماء. ثم قفى إبراهيم منطلقًا. قال: فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، قال: وجعل لا يلتفت إليها. قالت له: آله الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا، إذن لا يضيعنا. وهذا فيه توكل عظيم من قبل إبراهيم، وهكذا من أم إسماعيل. نعم، من أم إسماعيل هاجر. قال: ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه. والثنية كما مر معنا، ما هو المقصود بها يا أبا عبد الرحمن؟ الثنية هي عبارة عن الطريق الذي يكون في... أحسنت، الذي يكون في الجبل، الذي يكون في الجبل. وكون إبراهيم انطلق، أي راجعًا إلى بلاد الشام من حيث أتى. قال: حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، أي المكان الذي سيبنى فيه البيت، أي البيت الحرام. قال: ثم دعا بهؤلاء الدعوات، فرفع يديه فقال: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع... قال: حتى بلغ "يشكرون". قال: وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أي ابنها إسماعيل، أو قال: يتلبط. قال: فانطلقت كراهية أن تنظر إليه. قال: فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ قال: فلم ترى أحدًا. قال: فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، يعني حتى إذا استوى بها الوادي، نزلت المنحدر الجبلي حتى إذا استوت في الوادي. قال: رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان الجهد، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، أي الجبل الذي يقابله. قال: فقامت عليه فنظرت هل ترى أحدًا؟ فلم ترى أحدًا. ففعلت ذلك سبعًا، سبع مرات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: هنا رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فذلك سعي الناس بينهما، أي هذا أصل السعي الذي يفعله الناس اليوم في حجهم وعمرتهم. "إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما". قال: فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صه، صه. اسم فعل الأمر بمعنى اسكت أو أنصت. قال: تريد نفسها، تسكت نفسها. قال: ثم تسمعت، قال: فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غواث، أي إن كان عندك غوث، مساعدة لإنسان نزل به البلاء. والغوث يكون في حق من نزل به البلاء، في حق من نزل به البلاء، والعوذ في حق من يخاف من البلاء لكن لم ينزل به بعد. قال: فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء. قال: فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، تحوضه، أي تعمل له مثل الحوض. قال: وجعلت تغرف الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. قال: وفي رواية: بقدر ما تغرف. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عينًا معينا، أي لكانت نهرًا جاريًا، لكانت نهرًا جاريًا. قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافا الضيعة، فإنها هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، يبنيه هذا الغلام وأبوه. قال: وإن الله لا يضيع أهله، لا يضيع أهله. قال: وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله. قال: فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كذا. قال: فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، ووجود الطير يدل على وجود سبب الحياة من الماء والكلأ، أي العشب والنبات وغير ذلك. وجرهم هي قبيلة من قبائل اليمن، من قبائل اليمن، وهي أول من حكم مكة بعد أولاد إسماعيل، بعد أولاد إسماعيل. ثم بعد ذلك تتابعت الحكومات على مكة، أتى بعد جرهم خزاعة، وأتى بعد خزاعة قريش، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. قال: فأرسلوا جريًا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا، وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ رأيتم أدب العرب كيف هم؟ أقوى وأكثر، وهي امرأة ومعها رضيعها، لكن أدب عند النزول: قالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم، لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم، أي على هذا الشرط، الماء ليس لكم فيه حق. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألف ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس، يعني ارتاحت لذلك وأنست بوجود أناس عندها. ولهذا قيل: قيل سمي الإنسان إنسانًا لأنه يأنس بالجلوس والحياة مع غيره. قال: فنزلوا، فأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات، أي مجموعة من الأبيات. وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم، أو وأنفسهم. وأعجبهم حين شب، من هذا الغلام؟ يا أبا طاهر: إسماعيل عليه الصلاة والسلام. تعلم من جرهم العربية، إذن ماذا؟ ليس بعربي. إسماعيل كان يتحدث بالسريانية، ثم تعلم العربية من جرهم. ولهذا مر معنا أن علماء التاريخ يقسمون العرب إلى ثلاثة أقسام، من يأتي بها؟ من يأتي بها يا أبا نصر؟ العرب البائدة التي بادت وهلكت، فهل ترى منهم باقية؟ فيهم، فهل ترى لهم من باقية؟ يعني عاد وثمود وغيرهم. والقسم الثاني: العرب المستعربة، وهم من كان من ذرية إسماعيل، من ذرية إسماعيل، الأصل ليس بعربي، لكن ماذا؟ استعربوا بعد ذلك. والثالث: العرب العاربة، أحسن، وهم أصل العرب، وهم من كان من ذرية قحطان، يعني سكان اليمن وعمان، ومن كانوا جنوب الكعبة، جنوب الجزيرة العربية. والعرب المستعربة: من كان من ذرية ونسل عدنان، وهم من كان شمال الجزيرة العربية. قال: فلما أدرك، زوجوهم امرأة منهم. فلما أدرك، أي شب وبلغ، زوجوهم امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل. قال: فجاء إبراهيم بعد، بعد، بعد، بعدما تزوج إسماعيل، يطالع تركته، أي ما خلفه بمكة، يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل. فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، أن يطلب لنا، وفي رواية: يصيد لنا. وإسماعيل كان صيادًا، لكن ماذا كان يصيد؟ صيد بحر أم صيد بر؟ يا أبا بدر: صيد بر، نعم، صيد البر، صيد البر. قال: ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، أو نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك، اقرأ عليه السلام، وقُل له: يغير عتبة بابه. وهذا كناية عن ماذا؟ كناية عن الطلاق، كناية عن الطلاق. قال: فلما جاء إسماعيل، كأنه آنس شيئًا، أي شعر بأن شيئًا حصل، وشخصًا أو شخص قدم. قال: فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا، فأخبرته أن في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي، الحقي بأهلك. قال: فطلقها، وتزوج منهم أخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد، فلم يجده. قال: فدخل على امرأته، أي الثانية. قال: فسأل عنه، قالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله تعالى. قال: فما طعامكم؟ قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، وهذا يدل على أن إسماعيل كان يصيد في البر. قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حب، يعني زرع وحبوب. قال: ولو كان لهم دعا لهم فيه. قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقه. قال: وفي رواية: فجاء، فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد. فقالت امرأته: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ قال: وما طعامكم وما شرابكم؟ فقال: قال: طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: بركة دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ولهذا البعض يتعجب اليوم من ماء زمزم، وكيف أنه ماذا؟ يكفي الملايين، يكفي الملايين يشربون، ولربما البعض، بل جلهم، يحملون معهم إلى بلدانهم وإلى أهليهم. قال: فإذا جاء زوجك، فاقرئي، فقرأت عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه. قال: فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه. قالت: فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا، فأخبرته أن بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبرئ نبلا له تحت دوحة قريبة من زمزم. قال: فلما رآه قام إليه، قام، أي إسماعيل إلى أبيه. قال: فصنع كما يصنع الولد بالوالد، فصنع كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، يعني ماذا؟ مما يدل على احترام الولد للأب، كمثلا تقبيل الرأس أو تقبيل اليد، من غير انحناء، من غير انحناء، الحفاوة والترحاب، وهكذا ما يكون من الوالد من المحبة والعطف والشفقة وغير ذلك. قال: قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتًا هاهنا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه، أي إبراهيم. قال: وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم. قال: وفي رواية: إن إبراهيم خرج بإسماعيل وأم إسماعيل معهم شنة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة، فوضعهما تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله. قال: فاتبعته أم إسماعيل، حتى لما بلغوا كذا، نادته من ورائه: يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله. قالت: رضيت بالله. فرجعت، وجعل تشرب من الشنة، ويدر لبنها على صبيها، حتى لما فني الماء، قالت: لو ذهبت فنظرت، لعلي أحس أحدًا. قال: فذهبت، فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت، هل تحس أحدًا؟ فلم تحس أحدًا. فلما بلغت الوادي سعت، وأتت المروة، وفعلت ذلك أشواطًا. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي. قال: فذهبت، قال: فذهبت ونظرت، إذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت. قال: فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت، لعلي أحس أحدًا. قال: فذهبت، فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت، فلم تحس أحدًا، حتى أتمت سبعًا. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل. قال: فإذا هي بصوت، فقالت: أغث، إن كان عندك خير. قال: فإذا جبريل صلى الله عليه وسلم، فقال بعقبه هكذا، وغمز بعقبه الأرض. قال: فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تحف، وذكر الحديث بطوله. قال: رواه البخاري بهذه الروايات كلها، والحديث حديث عظيم، فنكتفي به لدرس هذا اليوم. وأسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. محمد، محمد، شكرًا.