كتاب الجنائز 12

الدرس في كتاب الجنائز 12، ألقاها

صلاة الجنازة وأحكامها

يتناول هذا الفصل صفة صلاة الجنازة والتكبيرة الثانية ووجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها. كما يشرح كيفية الدعاء للميت بالمأثور أو العام.

الدعاء للميت في صلاة الجنازة

يشرح هذا الفصل كيفية الدعاء للميت بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الدعاء العام له، ويبين الأحكام المتعلقة بالدعاء بعد التكبيرة الرابعة.

ختام الصلاة وآداب السلام

يناقش هذا الفصل حكم الدعاء بعد التكبيرة الرابعة وعدد التسليمات عند الانتهاء من صلاة الجنازة، ويختتم بآداب السلام والدعاء والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا فيما مضى الكلام على صفة صلاة الجنازة، وأخذنا كذلك فيما مضى بعض هذه الصفات، وذكرنا بعض المسائل، وكانت آخر تلك المسائل أنه يكبر على الميت تكبيرات، منهم من قال: أربع، ومنهم من قال: خمس، ومنهم من زاد إلى تسع، ومضى معنا أن الصواب في المسألة أن الأربع تكبيرات هي أقل الواجب، وهي كذلك الأحوط والأحرى؛ لأنها كانت آخر ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الأحاديث الكثيرة كانت على ذلك. لكن من زاد عليها، كأن يكبر خمسا كما جاء في حديث زيد بن أرقم عند مسلم، أو زاد إلى تسع تكبيرات، على الثابت على ما جاء وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما جاء من الآثار الموقوفة عن بعض الصحابة، الذي قال بعض أهل العلم: يحتمل لأن تكون من قبيل المرفوع، فالأمر في هذا فيه سعة، والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: ويكبر الثانية، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلي في التشهد. التكبيرة الثانية: أنه يكبر المصلي على الجنازة، إذا كبر التكبيرة الثانية، فإنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلي عليه في التشهد، سواء بسواء. هكذا وصف أحمد الصلاة على الميت، وهو مذهب الشافعي؛ لما روى ابن عباس أنه صلى على جنازة بمكة، فكبر، ثم قرأ، وجهر، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم. واضح أن ابن عباس صلى على جنازة بمكة، فكبر، ثم قرأ، وجهر -أي بالقراءة- وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعا لصاحبها -أي لصاحب الجنازة- فأحسن، ثم انصرف، وقال: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة. رواه الحاكم، وفيه شرحبيل بن سعد، مختلف فيه. وقال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط بأخريات، وشرحبيل هو الذي يحكي هذه القصة، فمثل هذا مما يستدعي ضبطه؛ لهذه القصة. فالأثر حسن إلى ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك روى عبد الرزاق، والنسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر، ثم يقرأ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في الأولى. قال الحافظ رحمه الله في الفتح: إسناده صحيح. وأخرجه الطحاوي بنحوه، وزاد في آخره: قال الزهري -وهو راوي هذا الأثر عن سهل بن حنيف- قال: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من ذلك لمحمد بن سويد الفهري، فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة في الصلاة على الجنازة مثل الذي حدث به أبو أمامة. قال الألباني: وإسناده صحيح. قال الألباني رحمه الله تعالى في أحكام الجنائز: وإسنادها صحيح. وأبو أمامة بن سهل بن حنيف له رؤية -أي من النبي صلى الله عليه وسلم- فهو صحابي صغير، وكذلك حبيب بن مسلمة مختلف فيه، والراجح أنه كذلك له صحبة وله رؤية. وهذا يدل على أن هذا الفعل من السنة؛ لأنهم قالوا: من السنة. والسنة إذا أطلقت لا يراد بها إلا سنة من؟ إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. نقل بعضهم إجماعا على ذلك، نقل الإمام الحاكم رحمه الله تعالى إجماعا على أن السنة إذا أطلقت فإنه يراد بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصواب أن في المسألة خلافا، وأن هذا قول الجمهور، وهذا هو الأصل. فالحاصل أن في هذه الأحاديث دلالة واضحة على وجوب الصلاة على النبي في التكبيرة الثانية. قال ابن قدامة رحمه الله: وصفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كصفة الصلاة عليه في التشهد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سألوه كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك. لا كما في التشهد: «اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». ولها صيغ أخرى. فالحاصل أن معنى الصلاة: ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليه كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد. قال ابن قدامة رحمه الله: وإن أتى بها على غير ما ذكر في التشهد فلا بأس؛ لأن القصد مطلق الصلاة. ولا شك أن الأحسن والأولى والأحوط والأحرى أن يأتي بها على ما هي في التشهد؛ على ما هي في التشهد إن كان يحفظ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن لم يكن يعلم ذلك، فليصل عليه بما علم. فالأولى كما سمعتم: إن كان ممن يحفظ الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد أن يصلي عليه كذلك في الجنازة. فإن كان لا يعلم أو يعجز عن ذلك، فإنه يتق الله جل وعلا ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة في هذا الباب، أو تحت هذا الفصل: يكبر في الثالثة ويدعو للميت. يكبر في الثالثة ويدعو للميت؛ لما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء». مع ما تقدم في حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف وغيره؛ في قوله: ثم يخلص الدعاء للميت. والأولى أن يدعو بالمأثور عنه صلى الله عليه وسلم؛ كحديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على رجل من الأنصار، فسمعته يقول: «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واحفظه، واغفر له بماء وثلج وبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وقه فتنة القبر وعذاب النار». قال عوف: فلقد رأيتني في مقام ذلك أتمنى أن أكون مكان الرجل؛ لما سمع من الدعاء والشفاعة العظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل. وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما، وهو صحيح، قد صححه العلامة الألباني رحمه الله. وكذلك ما جاء في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده». وكذلك صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وجاء كذلك ألفاظ أخرى. قال ابن قدامة رحمه الله: والواجب أدنى دعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء». ولأن المقصود الشفاعة للميت، فيجب أقل ذلك. ويستحب أن يدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين؛ كذلك يستحب من باب قوله: «اللهم اغفر لحينا وميتنا...» إلى غير ذلك في دعوة لنفسه وللمسلمين، ويدخل فيهم كذلك الدعوة للأبوين. وكما سمعتم: الأولى أن يدعو بالمأثور، فإن لم يدع بالمأثور ودعا بدعاء عام لذلك الميت: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم باعد بينه وبين النار، اللهم أدخله الجنة»، وما شابه ذلك، يكون كذلك فعل الذي أمر به؛ إن فعل بالمأثور هو أولى، وإن فعل بالعموم والإطلاق فلا بأس. وإن كان الميت صغيرا، يدعى له بما جاء في حديث أبي هريرة، أو بما تيسر من الدعاء له ولوالديه؛ هذا في جنازة الكبير. فإن كان صغيرا أو صبية صغيرة، فماذا يدعى لها؟ هل بمثل هذه الأدعية؟ قال بعض أهل العلم: يدعى لها بحديث أبي هريرة؛ لأن فيه: «وصغيرنا وكبيرنا». وإن دعى له بأي دعاء له ولوالديه، فكذلك هذا حسن. وبعضهم دعا ببعض الأدعية التي جاءت عن بعض الصحابة، عن أبي هريرة، وعن بعضهم: أنه كان يدعو للميت، فيقول: «اللهم اجعله فرطا وذخرا لوالديه». فهذا الحاصل: أنه يدعى للميت بأدنى دعاء، وإن قام بالمأثور وفعل بالمأثور فهو أولى وأحسن. المسألة السادسة: أنه يكبر في الرابعة. يكبر الرابعة، ويقف قليلا. هذا هو الواجب. وهل يجب عليه دعاء بعدها؟ الجواب: أنه لا يجب. بعد التكبيرة الرابعة قبل التسليم، هل يجب عليه دعاء كما في الثالثة؟ الجواب: لا يجب عليه. فهل يستحب له دعاء؟ قولان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. قولان: منهم من قال: يستحب أن يدعو بدعاء لطيف بين أو بعد التكبيرة الرابعة. بعضهم ذكروا: يقول: «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده». ومنهم من قال: أن يقول: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». ومنهم من ذكر غير ذلك. فالحاصل والشاهد من ذلك: أن بعض أهل العلم استحب أن يدعو دعاء لطيفا بعد التكبيرة الرابعة. ومنهم من لم يستحب ذلك؛ لأنه لم يرد عن نبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذلك. ومن قال بالاستحباب استدل بما روى البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: أنه كبر على جنازة أربعا، ثم قام ساعة -يعني يدعو- ثم قال: أتروني كنتم تكبرون خمسا؟ قالوا: لا. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر أربعا. فالحاصل: أنه استدل بقوله: أنه كبر على جنازة أربعا، ثم قام ساعة يدعو -يدعو ماذا بعد الرابعة؟ فقالوا: فهذا فيه دلالة على أنه يستحب أن يدعو بعد التكبيرة الرابعة؛ لفعل هذا الصحابي رضي الله عنه وأرضاه. وهذا الأثر إسناده صحيح. فالحاصل في هذا: أن من كبر أو من دعا بعد التكبيرة الرابعة فلا بأس؛ لما جاء عن عبد الله بن أبي أوفى. ومن لم يدع كذلك فلا بأس؛ لأنه لم يثبت فيها شيء عن نبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكذا يقال في هذا الأمر: سعة. من دعا فلا بأس، ومن لم يدع كذلك فلا بأس؛ لأن هذا من باب الاجتهاد. المسألة السابعة: ثم يسلم بعد ذلك. وهذا التسليم من واجباتها كبقية الصلوات. هذا التسليم كذلك من واجباتها كبقية الصلوات. وهل يسلم تسليمة واحدة أو تسليمتين؟ قولان لأهل العلم. الأول: تسليمة واحدة، وهذا قول أكثر أهل العلم. الواجب أن يسلم من صلاة الجنازة؛ بمعنى لا ينصرف من صلاة الجنازة إلا بالتسليم. والتسليم ها هنا ركن من أركانها كما سيأتي الكلام عليها. فلا يخرج إلا بالتسليم. وهل التسليم لجنازة تسليم واحد أو تسليمتين؟ قولان لأهل العلم. فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تسليمة واحدة. وحكي في هذا الإجماع، حكى بعضهم إجماع الصحابة والتابعين على أنها تسليمة واحدة. والثاني: تسليمتين. القول الثاني: أنه يسلم تسليمتين. وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي؛ قياسا على الصلاة. وكذلك استدل لهم بحديث ابن مسعود قال: ثلاث خلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن، تركنهن الناس. إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. رواه البيهقي، وقال الألباني: إسناده حسن. ما وجد الشاهد من هذا قوله رحمه الله: إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. قال: فالمثلية تقتضي أنه يسلم تسليمتين؛ لأن عبد الله بن مسعود ممن حكى صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أنه سلم تسليمتين. فالحاصل أن المسألة كما ترون محتملة. وقد ذهب إلى إجماع الصحابة على أن تسليم واحدة. فالأظهر والله أعلم أن الأفضل أن يقتصر على تسليمة واحدة؛ لماذا؟ للإجماع المنقول عن الصحابة. فإن سلم، تسليمتين لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقياسا ببقية الصلوات فلا بأس في ذلك، والله تعالى أعلم. قال ابن قدامة: إذا ثبت هذا، فإن المستحب أن يسلم تسليمة واحدة عن يمينه. قال: وإن سلم إلى القبلة فلا بأس. إن سلم إلقاء وجهه، فقال: «سلام عليكم» فلا بأس. وقال: «سلام عليكم ورحمة الله» فلا بأس. وقال بعض أهل العلم: أنه يبدأ باليمين حتى ينتهي بالشمال، يقول: «السلام عليكم ورحمة الله» حتى ينتهي بالشمال. قال أحمد: يقول: «السلام عليكم ورحمة الله». قال: وروي عنه أنه قال: إذا قال: «السلام عليكم» أجزأه. لو أن يقول: «السلام عليكم ورحمة الله»، ولا أن يقول: «السلام عليكم»، والله تعالى أعلم. وإلى هنا: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على