شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري  28

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 28

الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 28، ألقاها

شرح قول حذيفة في المنافقين اليوم وشرهم

يفسر المقطع أثر حذيفة بن اليمان بأن المنافقين في عهده كانوا يسرون الكفر والنفاق خوفاً من قوة الإسلام، بينما بعد وفاة النبي وظهور الفتن صاروا يجهرون بالشر والخروج على الأئمة. ويناقش العلماء إشكال جهر المنافق بالنفاق، موضحين أن المراد إظهاره عند قوم وإسراره عند آخرين، أو جهرهم ببعض المنكرات، وأن خروجهم على الإمام بعد البيعة والطاعة هو صورة من صور النفاق المذكورة في باب: "إذا قال عند قوماً شيئاً ثم خرج فقال بخلافه".

حكم النفاق والكفر بعد عهد النبي وأثر الفتنة

يشرح المقطع حديث حذيفة رضي الله عنه بأن النفاق في عهد النبي كان مستوراً، أما بعده فظهر الكفر الصريح بعد الإيمان، ويناقش العلماء احتمالين: استحلال قتال المسلمين أو ظهور الكفر الحقيقي بسبب تزعزع الأمن. ويبين ابن حجر أن حذيفة لم ينف وجود النفاق بل اختلف الحكم، فالمعاصرون يعاملون بظواهرهم ويحاسبون على ما يظهرون.

تمني الموت عند كثر الفتن وحكمه

يشرح المقطع حديث "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه" مبيناً أن الغبطة تختلف عن الحسد، وأن تمني الموت بسبب الفتن جائز عند بعض السلف والعلماء كالنووي إذا خيف على الدين. لكن الصبر على الفتن والثبات عليها أفضل وأعلى درجة، ويستحب الدعاء المأثور: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي".

خاتمة الشرح والدعاء بالختم

يختتم المتحدث شرحه للحديث والباب المذكور وما سبقه من أبواب، مكتفياً بما ذُكر، ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وأصحابه والتابعين، مفوضاً العلم لله تعالى. ويؤكد الاكتفاء بالقدر المذكور من الشرح والدعاء بالخير للجميع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: قال: "وَلَزِلْنَا فِي بَابِ إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ". وسبق معنا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: "يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". ثم تكلمنا حول ما يتعلق بما ذكره أبو المنهال في قصة خروج من خرج على بني أمية، وقصة أبي برزة رضي الله تعالى عنه. قال البخاري رحمه الله تعالى: قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة عن واصل، وواصلها هنا هو ابن حيان الأسدي الكوفي ثقة ثبت، قال: عن واصل الأحدب عن أبي وائل، وقد تقدم معنا أنه شقيق بن سلمة، قال: عن حذيفة بن اليمان، وحذيفة بن اليمان حليف الأنصار صحابي ابن صحابي رضي الله تعالى عنهما، وقد كان يلقب بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يُجْهِرُونَ". وقول حذيفة رضي الله تعالى عنه هاهنا: "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، ثم بيّن وجه كونهم اليوم شرًّا من حالهم بالأمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: "كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ"، أي: على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان المنافقون يسرون الكفر فلا يظهرونه، وكذلك يخفون الشر فلا يعلنونه. "فَلَا يُعلِنُونَهُ"، وأما اليوم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وبعد ظهور الفتن وتتابعها، فإنهم أصبحوا يجهرون. وكما ذكر بعض أهل العلم أن هذه تعتبر سنة إلهية، وذلك أنه إذا قوي الحق ضعفت راية الباطل، إذا قوي الحق فإن راية الباطل تضعف، وهكذا قل: إذا كثر العلم ضعف الجهل، وهكذا كل من ظهر العدل قل أو ضعف الظلم، إلى غير ذلكم من هذه الأمثال والنظائر. فالإسلام أصبح قويًّا بعد انتصار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر، أصبح من كان مشركًا من أهل المدينة لا يظهر ذلكم الشرك، وكذلك الكفر، وإنما يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق، وكذلك البغضاء والعداوة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى المسلمين. وقوله رضي الله تعالى عنه: "وَالْيَوْمَ يُجْهِرُونَ"، هذا قد ذكر بعض أهل العلم أن فيه إشكالًا، ووجه الإشكال أن حقيقة النفاق هو الخفاء: يخفي الكفر ويظهر الإسلام، يخفي الشر ويظهر الخير، فكيف أصبح حال المنافقين أنهم يظهرون هذا النفاق؟ فمتى ما ظهر النفاق فعندها لا يعد نفاقًا، وإنما يصبح كفرًا بواحًا. ذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى في هذا الإشكال، فذكر أنه يحمل على أنهم يجهرون عند قوم ويسرون عند آخرين، أنهم يجهرون بهذا النفاق عند قوم ويسرون عند آخرين، أو أنهم يجهرون ببعض الأشياء المنكرة دون الأشياء الأخرى. قال رحمه الله تعالى: ويجب أن يحمل كلامه على ذلك أو نحوه، لأن من يجهر ليس بمنافق، لأن من يجهر يعني بالكفر فإنه لا يعتبر منافقًا، وإنما يعتبر كافرًا كفرًا معلنًا، وهكذا كفرًا بواحًا. وقد نقل الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى عن الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى أنه قال: "إنما كانوا شرًّا ممن قبلهم لأن الماضين كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم، وأما الآخرون فصاروا يجهرون بالخروج على الأئمة ويوقعون الشر بين الفرق، فيتعدى ضررهم لغيرهم". قال: ومطابقته للترجمة من جهتي أن جهرهم بالنفاق وشهر السلاح على الناس هو القول بخلاف ما بذلوه من الطاعة حين بايعوا أولًا، ثم خرج عليه آخر. اليوم الناس لربما يختارون أميرًا لهم، ومعنى اختيارهم له أنهم يلتزمون له بالسمع والطاعة، وأنهم لا ينازعون الأمر أهله. ثم بعد ذلك ماذا؟ ثم بعد ذلك يخرجون عليه بإشهار السلاح وإعلان راية الخروج، وهكذا نزع الطاعة من ذلك الإمام. فهذا وجه كون هذا الفعل نفاقًا: أظهروا الطاعة، ثم بعد ذلك ماذا؟ بعد ذلك خالفوا ما كانوا قد أظهروه وعاهدوا عليه. وهذا وجه إيراد البخاري رحمه الله تعالى لهذا الأثر في باب: "إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ". ثم أورد رحمه الله تعالى في خاتمة أحاديث وآثار هذا الباب: قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا خلاد، وهو ابن يحيى أبو محمد الكوفي نزيل مكة، قال الحافظ رحمه الله تعالى: صدوق، رمي بالإرجاء، وهو من كبار مشايخ البخاري رحمه الله تعالى. قال: حدثنا مسعر، ومسعر هو ابن كدام الهلالي أبو سلمة الكوفي، قالوا فيه: ثقة ثبت فاضل. قال: عن حبيب بن أبي ثابت، وهو الأسدي مولاهم أبو يحيى الكوفي ثقة فقيه جليل، كثير الإرسال والتدليس. قال: عن أبي الشعثاء، وأبو الشعثاء هاهنا هو سليم بن الأسود المحارب الكوفي، قالوا فيه: ثقة باتفاق. قال: عن حذيفة قال: "إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ". وذلك يعني لظهوره، لكونه أصبح بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم أصبح ظاهرًا، فعندها لم يعد حال المنافقين الأولين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو الكفر الصراح الذي ماذا؟ أتى بعد الإيمان، الكفر بعد الإيمان. وهذا الحديث الذي أورده البخاري رحمه الله تعالى يعتبر صريحًا في أنهم يظهرون الكفر. وهذا الكفر الذي يظهرونه يحتمل أحد أمرين: الأمر الأول: أن يكون المراد به استحلال قتال المسلمين، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"، وقتاله كفر. وقد مضى معنا هذا الحديث، وأن من أهل العلم من حمله على أنه إذا استحل قتال المسلم فعندها يعتبر كافرًا كفرًا أكبر يخرجه عن ملة الإسلام. وحمله بعض أهل العلم على أن المراد به أنهم يظهرون الكفر الحقيقي، وذلك نظرا لتزعزع الخلافة والولاية. ولا تسل يا عبد الله عما إذا تزعزع الأمر واضطرب وتخلخل النظام والوضع، فعندها يفعل من شاء ما شاء، يظهر أهل النفاق راياتهم التي لربما كانت مخفية، لماذا؟ لعدم وجود الأمن، ولعدم وجود من يضبط البلاد والعباد، فعندها يطيب لمن أراد أن يفعل الفجور، وهكذا أن يقترف المخالفات، وأن يسفك الدماء، وينهب الأموال، وينتهك الأعراض، أن يفعل ما بدا له. ولهذا العلماء دائمًا وأبدًا يحذرون الأمة من الفتن، لماذا يحذرون الأمة من الفتن؟ لأن كثيرًا من الناس لربما لا يدرك ما غاب، وهكذا عاقبة هذه الفتن إلا بعد أن تحل، فيقول: يا ليت أن فلانًا لم يفعل كذا، وأننا لم نفعل كذا. لكن العلماء رحمة الله عليهم ينظرون بنور الكتاب والسنة، فلربما أدرك الفتنة وهي قادمة من بعيد، فيحذر الناس: انتبهوا، هذه فتنة مقبلة، كحال السيل العرمرم الجرار المتدفق الذي يوشك أن يأتي أهل الوادي فيجتاحهم، فيأتي النذير فيقول لأهل الوادي: ترفعوا، فمن ترفع نجا، ومن عاند وخالف وأعرض أتى عليه السيل فأخذه بما معه من أموال، وهكذا بهائم، وهكذا لربما أنفس وأرواح. فهذا من الأمور التي ينبغي علينا معاشر أهل الإسلام أن نتفطن لها وأن نتنبه لها. وقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كذلك عن الإمام ابن التين رحمه الله تعالى قال: "كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وأما من جاء بعدهم فإنه ولد في الإسلام وعلى فطرته، فمن كفر منهم فهو مرتد". قال: "ولذلك اختلفت أحكام المنافقين والمرتدين". ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، بينما لم يأمر بقطع رأس ابن سلول، وهكذا غيره من كبار المنافقين الذين كانوا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ رحمه الله تعالى: قال: والذي يظهر أن حذيفة لم يرد نفي الوقوع، وإنما أراد نفي اتفاق الحكم، لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن في كل عصر. حذيفة رضي الله تعالى عنه حين أن قال في هذا الأثر: "فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ"، ليس مراده أن النفاق لا يوجد بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر هذا حاصل في كل زمان وفي كل مكان، متى ما وجدت أسبابه وجد. لكن أراد حذيفة رضي الله تعالى عنه أن المنافقين بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليس حكمهم كحكم المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، في أول الأمر كان النبي عليه الصلاة والسلام يتألفهم ويستميلهم، ولرب ما أعطاهم ما أعطاهم من باب التأليف، أما اليوم فمن أظهر شرًّا حوسب عليه وعومل به. ولهذا قال عمر: "إن الناس كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخذون بالوحي، وأما اليوم يعني بعد انقطاع الوحي فمن أظهر لنا خيرا أمن، ومن أظهر لنا شرًّا أخذناه بذلك الشر"، أو كما قال رضي الله تعالى عنه. فهذا وجه، أو هذا مراد حذيفة رضي الله تعالى عنه بنفي النفاق بعد عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم أورد رحمه الله تعالى قال: "بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْبِطَ أَهْلَ الْقُبُورِ". والغبطة كما ذكر ذلك أهل العلم أنها تمني مثل حال المغبوط مع بقاء حاله: فلان عنده مال تغبطه عليه، كيف تكون الغبطة؟ أنك تتمنى أن يكون عندك من المال مثل ما عنده، لكن لا تتمنى زوال هذا المال عنه، فإذا تمنى زوال هذا المال عن صاحبه تطور الأمر فيكون حسدًا لا غبطة. قال: حدثنا إسماعيل، وهو ابن أبي أويس، متكلم فيه إلا أن البخاري قد انتقى من حديثه. قال: حدثني مالك، وهو ابن أنس إمام دار الهجرة. قال: عن أبي الزناد، وهو عبد الله بن ذكوان. قال: عن الأعرج، عبد الرحمن بن هرمز، لقبه الأعرج. قال: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ"، فيقول: "يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ". أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب، ووجه مناسبة إيراد هذا الحديث عند هذا الباب: وذلك أن هذا الرجل بسبب كثرة الفتن التي يتعرض لها، لربما كانت فتن الدنيا أو كانت فتن الدين، فيتمنى أنه لو صار من أهل القبور، وأنه لا يتعرض لهذه الفتن التي قد تضره في دينه. فالمسلم يسأل ربه عز وجل الزيادة من العمر، لماذا؟ لكي يعمرها بطاعة الخير، ولكي يستزيد من الأجور والحسنات. وأما إذا كانت الحياة ليس فيها زيادة خير، وليس فيها كثرة في الطاعة والأعمال الصالحة، فعندها الحياة لا تكون مرغوبة، بل لربما كان الموت خيرا لصاحبه من الحياة، التي لربما فتن فيها، وهكذا ماذا؟ ضر دينه. ولهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد ثبت عنه أنه نهى عن تمني الموت، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ إِحْسَانًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ"، لعله يتوب، لعله يرجع إلى ربه عز وجل. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أنس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ أَصَابَهُ"، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: "اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي". لكن ذكر بعض أهل العلم أن إذا كان تمني الشخص الموت من باب المحافظة على الدين، وهكذا الخوف من الفتن، فعندها يجوز أن يتمنى العبد الموت. ولهذا جاء عن بعض السلف تمني ذلك، ولهذا ذكروا في هذا الحديث أن فيه إيماء وإشارة إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال النووي رحمه الله تعالى: "لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن الخطاب، وعيسى الغفار، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم". انتهى كلامه رحمه الله تعالى، كما نقل ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. لكن قد يقول قائل: أيهما أفضل؟ إذا كانت هناك فتن، لربما فتن في باب الدين، تأتي الفتن الأولى فيخاف العبد على نفسه، ثم ينجيه الله عز وجل، ثم تأتي الأخرى، وهكذا فتن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَرِقُّ بَعْضُهَا بَعْضًا"، فأيهما أفضل: تمني الموت، أم أن العبد يجاهد نفسه، وهكذا يصبر، وهكذا يثبت أمام هذه الفتن؟ لا شك ولا ريب إخواني في الله أن صبر المؤمن أمام هذه الفتن أعظم وأفضل، لأن في صبره على هذه الفتن رفعة في الدرجات، وزيادة في الحسنات، وهكذا محو للخطايا والسيئات. وأما من علم من نفسه الضعف، وهكذا خاف على نفسه الهلاك، وهكذا الانحراف بسبب هذه الفتن، فيشرع له أن يدعو بذلكم الدعاء المأثور الذي مضى معنا في حديث أنس: "اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي". فالله عز وجل هو العليم بمصالح عباده، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الحديث، وبهذا الباب، وبما سبق في الباب الذي قبله. وبه نكتفي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والله تعالى أعلم.

شاركنا على