كتاب الجنائز 10

الدرس في كتاب الجنائز 10، ألقاها

أحكام اتباع الجنازة والقيام لها

تناولت المقاطع حكم اتباع الجنازة والقيام لها عند مرورها، حيث اختلف العلماء في استحباب القيام أو عدمه. كما ناقشت استحباب عدم الجلوس حتى توضع الجنازة على الأرض.

تفاصيل أحكام الجنازة والصلاة على الميت

ناقشت المقاطع أحكام اتباع الجنازة للرجال والنساء، واختلاف العلماء في بعض هذه الأحكام. كما تطرقت إلى مسألة من أحق بالصلاة على الميت.

الدعاء والتوبة والاستغفار

تضمن المقطع الأخير الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته وطلب المغفرة والتوبة إليه، معبرًا عن التوبة والرجوع إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقبل الدخول في مسائل أخرى، نذكر قيدًا ذكره بعض أهل العلم في المسألة التي مرت معنا أمس، وهي أنه يكره اتباع الميت بالنار. ما المراد بالنار؟ هل المراد بالنار النار المعروفة كما ذكر أمس؟ أم أن المراد بالنار شيء آخر؟ ذكر النووي رحمه الله تعالى أن ابن السباق وغيره قالوا: المراد أنه يكره البخور. المراد بالنار بحمل النار أنه يكره ماذا؟ البخور في المجمرة بين يديها، أي أن تعمل المجمرة فيها نار ويعمل فيها البخور ويمشي بين يدي الجنازة. قال النووي: ولا خلاف في كراهته، كما نص عليه الشافعي والأصحاب، ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على كراهته. وكذا قال ابن قدامة: فإن دفن ليلًا فاحتاجوا إلى ضوء فلا بأس به. إنما كرهت المجامر فيها البخور. هذا يؤيد ما تقدم من كلام النووي، وعلى هذا فلا مانع من أن يحمل على الصورتين: أن يكون حملًا نيران لغير حاجة، مثلًا في النهار تحمل نيران بين يدي الجنازة، ونحن في هذا يكون من الأمور المكروهات، لا سيما إذا كان فيها تشبهًا. والأمر الثاني أن تحمل بين يدي الميت المجمرة فيها البخور، وهذا يحصل ويرى، تجد بعضهم يعمل مجمرة فيها بخور ويتقدم بها بين يدي الميت، وهذا كما ترون من الأمور المكروهة. طيب، ندخل في المسألة التي تليها: هل يستحب القيام للجنازة إذا مرت؟ مثلًا إذا كان قوم جلوسًا في مكان فمرت بهم جنازة، ولم يكونوا تابعين لها وإنما كانوا جلوسًا، هل يستحب لهم أن يقوموا لمرور الجنازة؟ ثم بعد ذلك إذا مرت الجنازة لهم أن يجلسوا؟ هذا خلاف بين أهل العلم. فذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يستحب ذلك، وممن قال به إسحاق بن راهويه رحمه الله، وقال أحمد بن حنبل: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس. الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: إن قام فلم أعبه، أي لا أعيب عليه القيام، وإن قعد فلا بأس. وهذا يدل على أنه عند الإمام أحمد على أنه أمر مباح، إن شاء فعله وإن شاء تركه. وذهب بعضهم إلى استحباب القيام للجنازة إذا مرت، وممن ذهب إليه ابن أبي موسى والقاضي عياض من الحنابلة. ودليلهم في هذا ما جاء في صحيح مسلم: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا». وأصحاب القول الأول يقولون: إن هذا كان في أول الأمر، يقولون: إن هذا أي القيام للجنازة كان في أول الأمر ثم نسخ ذلك. قالوا: والدليل على هذا ما رواه مسلم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد. قام رسول الله صلى الله عليه وسلم أي للجنازة إذا رآها، كان في أول أمره إذا رأى الجنازة قام، قال علي: ثم قعد، أي أن آخر أمره أنه كان لا يقوم للجنازة. لذا قال إسحاق بالنسخ، وقال أحمد: أن ذلك الفعل يحمل على الإباحة والجواز. إذ لو كان على الإباحة لا استمر فعله صلى الله عليه وسلم على هذه الحال، أي لقام تارة وقعد أخرى. أما أنه قام في أول الأمر ثم قعد في آخره ولم يقم بعده، فهذا يدل على أنه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على أن الأمر الأول قد نسخ. من تبع الجنازة استحب له أن لا يجلس حتى توضع. هذه المسألة: أناس تبعوا الجنازة، منهم من حملها ومنهم من تبعها، فهؤلاء يقول علماء رحمهم الله تعالى: أنه يستحب له أن لا يجلس حتى توضع الجنازة، بمعنى أنه لا يجلس حتى توضع جنازة هذا. إن فعل ذلك استحب له ذلك، أي أجر على ذلك. ومن من رأى أن لا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال: الحسن بن علي، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن الزبير، والنخعي، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد. ووجه ذلك ما روى مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع». وحتى الغاية. ورأى الشافعي أن هذا منسوخ بحديث علي السابق. قال ابن قدامة: إذا ثبت هذا، فأظهر الروايتين عن أحمد أنه أريد بالوضع وضعها عن أعناق الرجال، وهو قول من ذكر قبله. أم لا؟ الآن في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع»، هل معنى الوضع أن توضع من أعناق الرجال على الأرض؟ أم أن المراد حتى توضع أي توضع في اللحد؟ الجواب أن ابن قدامة رحمه الله تعالى يقول: أصوب في ذلك أنه حتى توضع عن أعناق الرجال. ما الدليل على هذا؟ قال: دليل هذا أن الإمام الثوري رحمه الله تعالى روى هذا الحديث بلفظ: «إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع بالأرض». ورواه أبو معاوية: «حتى توضع في اللحد». قال: وحديث سفيان أصح. على أن قائلًا قد يقول: لا مخالف بين اللفظين، هذا على من يقول بأن هذه الألفاظ إذا استطيع الجمع بينها فيكون من باب الزيادة التقريرية. فله أن يجلس. قال الأئمة رحمهم الله تعالى: فأما من تقدم الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه. واضح جماعة. وقد قال الترمذي كما ترون: أنه روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتقدمون فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم، فإذا جاءت الجنازة لم يقوموا لها لما تقدم. إذن يكون عندنا كم صور؟ ثلاث صور. الصورة الأولى: من رأى الجنازة ممن لم يكن تابعًا لها، هل له القيام أم لا؟ قلنا: الصحيح أنه لا يستحب له القيام لحديث علي. الصورة الثانية: من تبع الجنازة ممن كان تابعًا للجنازة، فإنه يستحب له أن لا يقعد حتى توضع الجنازة على الأرض. الصورة الثالثة: من سبق الجنازة إلى المقبرة، فله أن يجلس، فإذا وصلت الجنازة فليس له أن يقوم. هل تتبع المرأة الجنازة؟ ذهب جماهير العلماء إلى كراهة اتباع الجنازة للمرأة. وممن قال به: ابن مسعود، وابن عمر، وأبو أمامة، وعائشة، ومسروق، والحسن، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري. وراوية عن أبي الدرداء. وأيضًا هو قول الزهري وربيعة: أنهم لم ينكروا ذلك، ولم يكرهه مالك إلا للشابة. مالك رحمه الله تعالى يقول: إذا كانت المرأة شابة فيكره لها أن تتبع الجنازة، أما غير الشابة فلا. والصحيح الأول: قول جماهير أهل العلم أنه يكره للنساء أن يخرجن في اتباع الجنائز، لحديث أم عطية في الصحيحين قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا». وأقل أحوال النهي ها هنا أنه ماذا؟ أن النهي ذكرًا. وإلا فإن بعض أهل العلم حمله على التحريم. الفصل الرابع في هذا الباب، أي في باب صلاة الجنائز أو أحكام الجنائز: الصلاة على الميت، وتحتها مسائل. الأولى: أحق الناس بالصلاة عليه. من أوصى له أن يصلي عليه أحق الناس بالصلاة عليه، أي على الميت. قال بعض أهل العلم: من أوصى له الميت أن يصلي عليه، وهذا مذهب أنس، وزيد بن أرقم، وأبي برزة، وسعيد بن زيد، وأم سلمة، وابن سيرين، وهو مذهب أحمد. وقال الثوري، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي: الولي أحق؛ لأنها ولاية تترتب بترتب العصبات. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم أي على القول الأول. القول الأول ينقل فيه ابن قدامة الإجماع: إجماع من؟ إجماع الصحابة من أن الوصية نافذة، وأن من أوصى له الميت فهو أحق بالصلاة. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على