شرح كتاب التوحيد 193

شرح كتاب التوحيد 193

الدرس في شرح كتاب التوحيد 193، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الإيمان بالله والصبر على أقداره

يبدأ المقطع الأول ببيان أهمية الصبر على أقدار الله كجزء من الإيمان، مشيراً إلى أنواع الصبر الثلاثة. يظهر هذا الجزء العلاقة بين الإيمان والعمل.

علاقة الصبر بالتوحيد وأثره في حياة العبد

يشرح المقطع الثاني أهمية الصبر على الأقدار المؤلمة كدليل على قوة توحيد العبد، ويبين أن كل ما يصيب الإنسان هو بقدر الله.

أثر الذنوب والمعاصي في نزول البلاء والمصائب

يتناول المقطع الثالث علاقة الذنوب بنزول المصائب، مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويؤكد أهمية إصلاح النفس والصبر.

خاتمة المقام الأول والدعاء بالنفع

يختتم المقام الأول بذكر الأدلة على أهمية الصبر والصلاة على النبي وآله وصحبه، مع الدعاء بأن ينفع الله بما قيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. هذا باب جديد من المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الكتاب، وهو كتاب التوحيد، بواب عليه بقوله: باب الإيمان، من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. وأشرنا إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى في الأبواب المتأخرة التي نحن فيها أخذ يعرج على ما هو من مكملات التوحيد ومن واجباته، فكان الحديث عن المحبة، وعن الخوف، وعن التوكل، وعن الأمن من مكر الله، وعن القنوط من رحمة الله، وقد مرت معنى هذه الأبواب الآن، فتذكر كيف أن المؤلف رحمه الله تعالى أشار إليها ونبه عليها ونوه عليها لبيان أن السالك إلى التوحيد لا بد أن يتحلى بها، وها هو الآن رحمه الله تعالى يذكر لنا ما يتعلق بباب الصبر، فقال: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. الصبر، إخواني في الله، من مكملات التوحيد، بل هو واجب على الأمة، كما قال ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، إذ أن الإيمان يقوم على شطرين اثنين: على صبر وعلى شكر، الإيمان يقوم على صبر ويقوم على شكر. والصبر من العبادات العظيمة ومن القربات الجليلة التي ينبغي أن يعتني بها أهل الإسلام. ولأدل على ذلكم من كثرة الآيات التي أمر الله جل وعلا فيها بالصبر، حتى أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ذكر أن الصبر ذكر في القرآن في تسعين موضعًا، الصبر ذكر في القرآن في تسعين موضعًا، هذه الأعداد وهذا التكرار لآيات الصبر والاستبار دليل على عظيم هذا المقام الذي ينبغي أن يعتني به المسلمون. والصبر، وقبل العروج على الأدلة التي ذكرها المؤلف، لا بد أن نشير إلى مقدمة تمهيدية لمقام الصبر، الصبر في اللغة العربية بمعنى الحبس، حبس، ويقال في اللغة في حق الرجل أنه قتل صبرًا، قتل صبرًا بمعنى أنه قتل عن طريق الربط وأنه قد قيد وقتل، ما ترك للمبارزة، حبس عن المبارزة، حبس عن الدفاع عن نفسه، حبس فقتل، يقال: فلان قتل صبرًا. ولهذا فالمعنى اللغوي لا يبعد عن المعنى الشرعي، ولهذا فسر العلماء الصبر بأنه هو حبس النفس على ما تكره، هذا معنى الصبر، حبس النفس على ما تكره. ومما يذكر في هذا المقام أن الصبر كما ذكره العلماء ينقسم إلى أقسام ثلاثة: صبر على الطاعات، صبر عن المعاصي، صبر على الأقدار المؤلمة. صبر على الطاعات كونك يا عبد الله لا تأذن لنفسك أن تسترسل في الذنوب والمعاصي وإن كانت مشتاقة لذلك، وإنما تكبتها تحبسها، هذا هو صبر على الطاعة والعبادة. والصبر الثاني: صبر عن المعاصي والذنوب، وهو صبر عن الشهوات، أنك تحجز نفسك عن الملذات وعن الشهوات وإن كانت نفسك تتوق لها تريدها، لكن تمنعها. الأمر الثالث: صبر على الأقدار، ويعبر بعض العلماء على الأقدار المؤلمة، يقدر ربنا عليك الآلام والمصائب والمعايب، فهنا تصبر فلا تتصبر ولا تتذمر. هذه الأنواع الثلاث الشهيرة: صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على الأقدار المؤلمة. من أهل العلم من أضاف صبرًا رابعًا، وهو الصبر على مضلات الأهواء، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إلى أن هذا النوع في الحقيقة يدخل تحت الصبر عن المعصية، أنك لا تفعل الشهوات ولا ترتكب الشبهات، فهي تؤول إلى ثلاثة أنواع من أنواع الصبر. المؤلف رحمه الله تعالى من خلال التبويب إنما أراد نوعًا واحدًا من أنواع الصبر الثلاثة، ألا وهو الصبر على الأقدار التي يقدرها الله على العباد، فقال رحمه الله: باب من الإيمان الصبر على أقدار الله، أراد هذا النوع أن الإنسان يصبر على ما يقدره الله جل وعلا عليه. ولماذا خص هذا النوع بالذات بالذكر في هذا المقام من كتاب التوحيد؟ الجواب: لأن هذا المقام وهذا النوع من أنواع الصبر يتجلى فيه التوحيد سلبًا وإيجابًا، فمن كان صابرًا على أقدار الله المؤلمة هنا يتجلى توحيده، وما يكون من شدة صبره واحتسابه وتعظيمه لربه، ومن ضعف صبره فكان ساخطًا متذمرًا هلعًا فزعًا خائفًا قلقًا، هنا يظهر ضعف التوحيد، يظهر ضعف التوحيد عنده، لما فيه من الوجل والخضوع والخنوع والخوف وعدم الرضا بقضاء الله وقدره. فهذا النوع بالذات فيه تتجلى حقائق التوحيد عند العباد في مسألة الصبر على أقدار الله المؤلمة، ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى بواب على هذا الباب بقوله: باب من الإيمان بالله، أي من شعب الإيمان بالله، الدين شعب الإيمان مراتب، ومن مراتب الإيمان الصبر على أقدار الله المؤلمة. قال: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله، الصبر على أقدار الله. وهذا النوع من أنواع الصبر على أقدار الله، وعبارة المؤلف نقف عندها لنبين بعض المسائل المتعلقة بأقدار الله. ما الذي يقدره الله على العباد؟ الذي يقدره الله جل وعلا على العباد كل شيء، خيرًا كان أو شرًا، قل: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء... الخير والشر بيد الله، الضر والنفع بيد الله، الغنى والفقر بيد الله، الصحة والمرض بيد الله، العزة والمذلة بيد الله، كل شيء بيد الله. فما يبتل به بعض الناس من الآفات، من الأمراض، من الأسقام، من النكبات، من ضيق، من شدة، من مرض، من فقر، من اكتئاب، من عقم لا ذرية، أو كان طريح الفراش، أو كان قد قطعت منه الأعضاء، إلى غير ذلك من المصائب، اعلم أن ذلكم يدخل في باب أقدار الله. ثانيًا: من قول المؤلف رحمه الله تعالى: من أقدار الله، من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله، نعلم إخواني في الله أن الذي قدر علينا ذلك هو الله، هو الله جل في علاه، هو الذي قدر عليك الفقر، هو الذي قدر عليك المرض والعلل، هو الذي قدر عليك ما تبتل به من أنواع البلايا. كيف قلبت هذه المصائب؟ هي في الأخير تعود إلى الله سبحانه وتعالى. والإنسان المسلم إذا علم علم اليقين - ولا بد أن يعلم بهذا واستيقن ذلكم - أن الله جل وعلا هو الذي قدر عليه هذه البلية، حينها يا عبد الله ما لك إلا ملجأ واحد، ألا وهو الصبر، تصبر لأن الله هو الذي قدره عليك. بل إن المسلم الحصيف النجيب يجعل من هذه المسألة، وهي مسألة البلوى، يجعلها وسيلة بها يتقرب إلى ربه، بها يتقرب إلى ربه، لا على العكس، أن من الناس من يجعل المصائب والعثرات وهذه النكبات يجعلها تبعده عن الله، كما نرى من بعض الناس إذا ابتلاه الله بمرض أو بسقم أو بقلة ولد أو بقلة مال، تجده يتراه يصبح ويمسي على المذموم، لا أقول: يذم خلق الله، بل حتى أحيانًا لو أراد بس ما يتجنى على أن يذم الله في قدره: ليش يا رب؟ ليش أنا؟ لا حول ولا قوة. كلما علم وعلم أن فلانًا رزقه الله بمال، قال: أين أنا يا الله؟ أو أعطى فلانًا ذرية، قال: وأين أنا يا الله؟ حتى أن بعضهم يرى أن يدخل في باب التألي على الله، يقول: يا رب، أنا أحسن من فلان، فلان ذاك بعيد، لا يصلي ولا يفعل، وأنا أواظب على الصلاة وأنا ليش ما ترزقني الله مثل فلان؟ فلا ينزل، يحدث نفسه، كل ذلك إخواني في الله، لو أن الإنسان جهله، لو أن الإنسان علم أن ربه هو الذي قدر ذلك عليه، سكت ورضي وصبر. ولهذا كان من أعظم ما ينتفع به المسلم به يدفع أوهام نفسه وضعف قلبه، أنه يعلم علم اليقين أن هذا البلاء من ربه، قال ربنا جل وعلا عن أهل الإيمان قولهم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ انتهى الأمر يا عبد الله. لو أن كل إنسان يردد هذه الآية في كل قضاء، في كل بلاء، من فقر، من ضنك، من شدة، من إعصار، من عدو، من هزائم، من نكبات، من خسارات، وحدث يا عبد الله، لا نهاية لمن يؤمر بالإنسان من هذه المنغصات في حياته، اعلم يا عبد الله أن الله أراد، لو ما أراد الله ما كان، والله ما كان، لكن كل شيء يقع بإذنه. قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، هو ربك، ربك يبتليك سبحانه وتعالى. أختم هذا المقام بمسألة مهمة، إذا قررنا هذه المسألة، وهي أن ما يبتل به الإنسان من المصائب إنما هو بتقدير الله جل في علاه، هو الذي قدر وحده لا شريك له، يشكل عند بعض الناس ما تمر عليهم من الآيات التي فيها أن الله جل وعلا يحيل المصائب إلى أنفسنا، يحيل المصائب إلى أنفسنا، كما في قول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، ويقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. فأخبر ربنا جل وعلا أن ما أصابنا من مصائب فبما كسبت أيدينا، بأنفسنا، بأعمالنا. وهنا يشكل على بعض الناس، يقول: إذا المصائب من أين جاءت؟ هل هي من الله أم هي من عند أنفسنا؟ الجواب يا عبد الله: اعلم أن الذي قدر عليك المصيبة هو الله، وإنما الذنوب وما عملته أيدينا هي السبب الأعظم في أن الله عز وجل أنزل علينا البلاء. الله ينزل البلاء لأسباب، ومن أعظم أسباب نزول البلاء الذنوب والمعاصي والسيئات والجرائم والحرمات، فالإنسان كلما أسرف على نفسه بالمعصية، فالله جل وعلا ينزل عليه من العقوبة والتذكرة بالمصيبة ما يتعظ، ما يعتبر، ما يرتدع، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. ظهر الفساد في البر والبحر، قال العلماء: الفساد هنا بمعنى الإخلال المادي، الإخلال المادي، فساد في البر وفساد في البحر، نشكو الآن من بحرنا، قلة الأرزاق، ما من أحد إلا وهو يعترف بهذا، يقر، ما كانت البحار منذ قبل هكذا، كانت قلة الرزق، أين ذهب؟ يصح أن نعلل ببعض العلل، لكن هي بسبب ذنوبنا. ظهر الفساد في البحر، وظهر الفساد أيضًا في البر، انظر إلى الأراضي الزراعية، دب لها الجدب والقحط والجفاف، وقلة الإنتاج والمزرعات، وبالكاد أن تكتفي قرية ما بمحصولها المحلي، بالكاد، وإن لقد ذهبت المحاصيل أين ذهبت؟ الإنسان يبحث عن عثرات، لكنها ترجع إلى أنفسنا. فالله جل وعلا عندما ينزل البلاء ينزل البلاء لأسباب، ومن أعظم أسباب نزول البلاء المعاصي والذنوب والسيئات. وأختم هذا المقام بهذا الحديث العظيم الذي يوضح لك يا عبد الله هذه الدلالة. الله جل وعلا يقدر علينا المصائب بأسباب المعاصي والذنوب، وما كان من تفريطنا في حق ربنا، قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر المهاجرين، خصال خمس، إن ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض والأسقام التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يروا، وما نقض قوم عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذ بعض ما في أيديهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشد في المؤونة وجور السلطان عليهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم». تأمل في هذه العقوبات وهذه المصائب التي كانت بأعمالنا، ما ظلم الله العباد، ولكن أنفسنا كنا نظلم، بما أثرنا على أنفسنا بفعل المعاصي والذنوب والبعد عن الله جل في علاه. فالحاصل إخواني في الله أن من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله، فالله جل وعلا هو الذي يقدر علينا المصائب لأسباب، ومن أعظمها المعاصي والذنوب، فإذا ابتلينا في هذه الأمور علينا أن نرضى بحكم ربنا جل وعلا، وأن نصلح ونحسن من أحوالنا، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم. وسيأتي معنا في كلام المؤلف رحمه الله تعالى الأدلة التي يستدل بها على هذا المقام العظيم، على مقام الصبر على أقدار الله جل وعلا، وعلى أن من أعظم مقامات الموحدين. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.