الدرس في كتاب الطهارة 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث ابن عباس في وسوسة الشيطان للمصلي، ويقرر القاعدة الكبرى: اليقين لا يزول بالشك، فلا يخرج المصلّي من طهارته إلا بتحقق يقيني؛ كما يفرق بين حكم الموسوس وغيره في اشتراط سماع الصوت أو وجود الريح، ويستحضر حديث «إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت، فليقل: كذبت» ويُحمل على الموسوس لدفع وساوس الشيطان.
يبيّن أن أعظم سلاح للموسوس هو عدم تكرار العبادة أبداً حتى مع شك الشيطان، ويضرب مثال ابن عقيل بمن اغتسل ست مرات وما زال يشك، ويؤكد على قول الموسوس للشيطان: كذبت، وعدم إعادة الصلاة أو الوضوء لأن وساوس الشيطان تهدف لإفساد العبادة عبر التشكيك في الطهارة.
يوضح أن المصابين بالوسواس في الطهارات ينفذون ما يوسوس لهم الشيطان، فيضحك عليهم ويأمرهم بأفعال يمتثلون لها، وهذا يدل على خطورة الاستجابة للوساوس الشيطانية في العبادات ووجوب مخالفتها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: قال المؤلف: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يأتي أحدكم الشيطان في صلاة فينفق في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث، فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». خرجه البزار، وأصله في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه. قال: عن ابن عباس رضي الله عنه. قال الشارح: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يأتي أحدكم الشيطان في صلاته» أي: حال كونه فيها، «فينفق في مقعدته فيخيل إليه». يحتمل أنه مبني للفاعل، وفيه ضمير للشيطان، وأنه الذي يخيل أي: يوقع في الخيال المصلي أنه أحدث. ويحتمل أنه مبني للمفعول، ونائبه: «أنه أحدث ولم يحدث». فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. قال: خرجه البزار، وهو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير المعلل، أخذ عن الطبراني وغيره، ذكره الدارقطني وأثنى عليه، ولم يذكر الذهبي ولادته ولا وفاته. ضوء الحديث في سنده ضعف، لكنه قد جاءت له شواهد كثيرة بالصحيحين. له شواهد بالصحيحين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أذن المؤذن هرب الشيطان وله ضراط، فإن سكت عاد، فإن ثوب هرب، فإن انتهى عاد، وجاء إلى مقاعد بني آدم يوسوس لهم في الصلاة». إلى مقاعد بني آدم، أنا يأتي إلى مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث، أنا ينفخ في مقعدة الإنسان حتى يريد أن يشكك عليه صلاته. وأيضا في الصحيحين: «الرجل يشكل عليه الشيء في الصلاة»، وقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». وأيضا نحوه من حديث أبي هريرة في مسلم، وقد تقدم معنا. قال: والحديث تقدم ما يفيد معناه، هو إعلام من الشارع من تسليط الشيطان على العباد حتى في أشرف العبادات ليفسدها عليهم، وأنه لا يضرهم ذلك، ولا يخرجون عن الطهارة إلا بيقين. قال: وصل في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، ومسلم من حديث... تقدم حديث أبي هريرة في هذا الباب. هذا كما قال الشيخ الإمام النووي رحمه الله: وأن هذا قاعدة من قواعد الإسلام. هذا الحديث فيه قاعدة من قواعد الإسلام، وهو أن اليقين لا يزول بالشك. أن اليقين لا يزول بالشك. فلابد من يقين، لا يخرج الإنسان إلا بيقين أنه بال، أو أنه قطر بوله، أو أنه أخرج ريحا. فلابد من التأكيد في هذه الأمور، لا بد من اليقين، لا يخرج بمجرد إحساس غير متأكد: هل هو على يقين أو لا؟ فليس مجرد الإحساس يدل عليه، لا بد من يقين وتأكيد يتأكد أنه صحيح. فمجرد الإحساس كما قلنا لا تأثير له، وخاصة إذا كان الإنسان يتشكك، وخاصة إذا كان الإنسان عنده شكوك وساوس. فنقول: أن هذه الأشياء لا تجعله يخرج من الصلاة، لا بد أن يكون خروجه عن يقين. ولهذا يقول بعض العلماء: أن الحديث هذا يحمل على الموسوس، أن هذا الحديث يحمل على الموسوس الذي يشكل عليه دائما. حديث عبد الله بن زيد: الذي يشكل عليه دائما في الصلاة، فيحمل عليه الحديث أنه لا يخرج حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، لا يخرج بمجرد أنه مثلا أحدث. لكن من ليس فيه وسواس وتأكد من الحدث فإنه يخرج من الصلاة، بخلاف من كان فيه الوسواس، لا بد أن يسمع صوتا أو يجد ريحا، فيختلف الحكم. وقيل: أن المراد من الحديث أصلا هو التأكد واليقين، التأكد واليقين. قالوا: للحاكم أن أبا سعيد مرفوعا: «إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت، فليقل: كذبت». وخرج ابن حبان من حديث... فليقل في نفسه. وهذا الحديث أيضا عند أحمد، عند أحمد في المسند، لكن في سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ويتفرد بأشياء لم يتابع عليها. لكن جاء عند الحاكم من طريقة أخرى، من طريق أبان بن أبي كثير موقوفا على أبي سعيد، أنه سئل... أن عياضا سأل أبا سعيد، فقال: أحدنا يصلي فلا يدري كم صلى. لكن ذكر هذا الحديث: «إذا جاء أحدكم الشيطان»، وذكر نحوه. لكن بعض الحفاظ يقول: أن هذا الحديث خطأ، معنى هذا الإسناد الذي ذكره أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير فيه شيء من الخطأ، فقد رواه شُعبة من أبي عبد الله الدُّستَوائي، وعلي بن المبارك، ومعمر وغيرهم عن يحيى بغير هذا الإسناد. وخلاصة هذا الباب: أن الحديث أصلا له شواهد تدل عليه، حتى لو قلنا أنه ضعيف فقد جاء ما يشهد له. لكن قوله هنا: «إنك أحدثت فليقل: كذبت»، هل يقول ذلك صريحا وهو في الصلاة أم يقولها في نفسه؟ ظاهر أنه أراد أنها في نفسه. فإذا جاء الشيطان وقال له: قد أحدثت، يقول: كذبت. وهذه أيضا كذلك تحمل على الموسوس، تحمل على الذي وسوس في الصلاة، فهو يحتاج إلى مثل هذا، يحتاج إلى مثل هذا في صلاة: كلما جاء الشيطان يقول له: ما قرأت الفاتحة، يقول له: كذبت، قد قرأتها. إذا جاء الشيطان يقال له في الوضوء: ما غسلت يدك، يقول: كذبت، قد غسلتها. وهكذا لا يرجع إلى الخلف. معنى الموسوسين: تجد أكثر ما يعانونه هو الرجوع والعادة. لكن إذا لم يعد ولم يرجع، فإنه سيذهب منه هذا الوسواس. أما إذا كان دائما يرجع ويعود، فهذا سيبقى وسواسه. ولهذا يقال: أن أعظم سلاح يتسلح به الموسوس هو عدم العودة، مع الاستعاذة من الشيطان والالتجاء إلى الله. يأخذ هذا معنى: أعظم سلاح للموسوس هو عدم العودة، لا يعود أبدا إلى ما قد فعل، حتى لو قال له الشيطان: أنك ما فعلت. لأن الشيطان أحيانا يسول للإنسان أشياء كثيرة، حتى قال الإمام ابن عقيل: «أني اغتمست في البحر ست مرات ولا أجد نفسي أني قد طهرت من الجنابة، فإذا صليت هل صلاتي صحيحة؟» قال له: ما في شيء، لو صليت ما في شيء، حتى لو لم تغتسل. قالوا: لما يا إمام؟ قال: لي أنك مجنون. أن الإنسان يغتسل ست مرات ويقول: ما اغتسلت، هذا جنون. أن أنت قد رفع عنك القلم، حتى لو ما صليت، فلعلك أن هذا... هذا جنون، نوع من الجنون. إنسان يغتسل ويغتمس في بحر ثم يقول: أنا ما طهرت. اطلع من البحر، كل يمس طيب، كيف الماء مر فيه في أي مكان مر؟ سبحان الله، الشيطان يلعب على الإنسان. بعض الناس سبحان الله حتى يجعلهم يتركون الصلاة. لكن إذا أراد أن يفوز على الشيطان، أنه لا يعود، حتى لو وقع في نفسه أن هذه الصلاة غير صحيحة، لا يعود أبدا. لكن الآن سبحان الله، بعضهم حتى... إيش عملت له؟ تقول له: لا، يكلمه كلام عادي وكذا، ما فيه يرجع. إذا أحد كلمناه، حاولنا معاه كذا، الحمد لله استجاب، راح، لا تكرر أبدا، توضأ حتى ولمر واحد، توضأ بسرعة وكذا، وجاء إلى الصلاة. حتى هو قال: قال الآن لي أكثر من سنتين أو ثلاث ما قربت عند الإمام، هذه أول صلاة أصليها عند الإمام بعد ثلاث سنوات. لكن رجع بعد ذلك، رجع إلى ما هو عليه. الله ما تدري كيف يغلبهم الشيطان. طيب، قال المؤلف رحمه الله: والحاكم عن أبي سعيد هو الخدري، تقدم مرفوعا عن... أبي سعيد بن مالك، قال: مرفوعا: «إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: يوسوس له قائلا: إنك حدثت، فليقل: كذبت». يحتمل أن يقول له لفظا أو في نفسه، ولكن قوله: «وأخرجه ابن حبان» لطيفة: «ليقل في نفسه»، بين أن المراد الآخر منه. وقد روى الحاكم الحديث بالزيادة بعد قول: «كذبت»: «إلا من وجد الريح، أو سمع صوتا بأذنه». وتقدم ما تفيد هذه الأحاديث. ولو ضم المصنف هذه الرواية، الأحاديث بهريرة الذي قدمه وأشار إليه هنا، لكان أولى بحسن الترتيق، كما عرفت معنا. يريد أن هذه تقدمت عند حديث أنس. قال: وهذا الحديث دال على حرص الشيطان على إفساد عبادة بني آدم، خصوصا الصلاة وما يتعلق بها، وأنه لا يأتيهم غالبا إلا من باب التشكيك في الطهارة، تارة بالقول وتارة بالفعل. ومن هنا تعرف أن أهل الوسواس في الطهارات امتثلوا ما فعله الشيطان وما أملاه عليهم، فتجد الشيطان يضحك عليهم ويأمرهم بأشياء يمتثلونها. طيب، هذا إن شاء الله ترجمة... نانسي قنقر