الدرس في التعليق على كتاب العلم 57، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين الشيخ ابن عثيمين أن نسيان القرآن ينقسم إلى نوعين: نسيان طبيعي لا مؤاخذة فيه، ونسيان ناتج عن الإعراض والهجر وهو تفريط مأثوم. ويستدل بنسيان النبي صلى الله عليه وسلم للآيات لإثبات أن النسيان الطبعي لا إثم فيه.
يوضح المقطع أن النسيان بمقتضى الطبيعة البشرية لا لوم فيه، بينما النسيان الناتج عن الإهمال وترك المراجعة قد يكون مأثماً. ويحذر من وساوس الشيطان التي تثبط العزائم عن الحفظ، داعياً إلى حسن الظن بالله والاستمرار في المراجعة.
يبيّن أن آية النهي عن السؤال كانت مختصة بزمن الوحي خشية تشريع جديد، أما بعد اكتمال الدين فالسؤال مطلوب لأهل الذكر فيما يحتاجه المسلم. ويحذر من وساوس الشيطان التي تثني عن طلب العلم بحجج السن أو ضعف الحفظ.
يختتم المتحدث الجلسة العلمية بعبارة تدل على الاكتفاء بما ذُكر، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين في ختام التسجيل تقديراً لجهدها.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: سئل فضيلة الشيخ العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله: نحن طلاب العلم نحفظ الكثير من الآيات على سبيل الاستشهاد، وفي نهاية العام نكون قد نسينا الكثير منها، فهل ندخل في حكم من يعذبونه لسبب نسيان ما حفظوه؟ ومعنى السؤال أنهم طلاب في مدارس نظامية في علوم شرعية، فلربما يكون الدرس الذي عليه الأسئلة فيه حفظ بعض الآيات التي يستشهد بها على أمر ما، فيحفظ الطالب هذه الآيات حتى يكتبها في الاختبار، فإذا مر الاختبار أو مضت السنة نسي ما حفظ، فما حكم هذا النسيان؟ فأجاب قائلاً: نسيان القرآن له سببان: الأول: ما تقتضيه الطبيعة. ومعنى ما تقتضيه الطبيعة: يعني يجهد الإنسان نفسه كي يحفظ هذه السورة أو هذا الجزء فيحفظه، ثم بطبيعة البشر وضعف الذاكرة ينسى الإنسان هذه الآيات، فهذا ما تقتضيه الطبيعة. قال: والثاني: الإعراض عن القرآن وعدم المبالاة به، بمعنى أنه لا يراجعه ولا يتعاهده ولا يستمر في النظر والقراءة فيه، فهذا إعراض عن القرآن وهجر للقرآن. فمن ترك القرآن ولم يقرأه ولم يراجعه ولم يتعاهده فهذا تقصير وتفريط منه. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها». فالنسيان كما ذكر له سببان: ما تقتضيه الطبيعة، وهذا الكل يشعر به الإنسان، ربما يحفظ ويراجع ويقرأ ويقرأ، ومع هذا سريع النسيان، سريع النسيان، فهذا سيأتي حكمه. ومنهم من إذا راجع وكرر وتعاهد رسخ المحفوظ في ذهنه، فهذا لا ينبغي له أن يعرض وأن يفرط ويتساهل في مراجعة ومذاكرة القرآن. قال: فالأول، يعني من كان نسيانه بمقتضى الطبيعة، قال: فالأول لا يأثم به الإنسان ولا يعاقب عليه، من كان نسيانه ما تقتضيه الطبيعة. قال: فقد وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى بالناس ونسي آية، فلما انصرف فذكره بها أبي بن كعب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا كنت ذكرتنيها». وهذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه، وحسنه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود. فهذا مما يدل على أن من النسيان ما يكون بطبيعة البشر، فالنبي عليه الصلاة والسلام له من خصائص البشر فإنه بشر، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئًا يقرأ، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئًا يقرأ، فقال: «يرحم الله فلانًا، فقد ذكرني آية كنت أنسيتها». وهذا الحديث متفق عليه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. فقوله: «كنت أنسيتها»، هذا يحمل على نسيان ما تقتضيه الطبيعة. فإذا وقع هذا من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمن غيره من باب أولى. قال: وهذا يدل على أن النسيان الذي يكون بمقتضى الطبيعة ليس فيه لوم على الإنسان. أما ما سببه الإعراض وعدم المبالاة فهذا قد يأثم به. مثال ذلك: إنسان حفظ القرآن وأتقن حفظه ويراجع هذا القرآن فثبت معه القرآن، ثم فرط وأهمل في المراجعة وفي المذاكرة، فلم يراجع ولم يتعاهد، وطال به الزمن حتى نسي هذا القرآن، فهذا لم يكن نسيانه بمقتضى الطبيعة، وإنما بسبب بعده وإعراضه عن القرآن، فهذا قد يأثم، قد يأثم، كما ذكر العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. قال: وبعض الناس يكيد له الشيطان ويوسوس له أن لا يحفظ القرآن لأن لا ينساه ويقع في الإثم، وهذا من حبائل الشيطان، ومن خطوات الشيطان، ومن تلبيس الشيطان. فيأتي إلى طالب العلم ويقول له: ما يدريك تحفظ القرآن ثم تنساه فتقع في الإثم، فتقع في الإثم بسبب هذا النسيان، فلماذا لا تقوى أملك وكذلك ترتفع همتك فتكون ممن أتقن القرآن واستمر في إتقان القرآن وفي كذلك حفظ القرآن حتى تنال الأجور العظيمة التي جاءت في أجر من حفظ القرآن؟ ومن كان ماهرًا بالقرآن فاحذر أن يدخل لك الشيطان من هذا السبيل أو من هذا الطريق، من هذا الطريق. فلتكن همتك أن تحفظ القرآن وأن تتقن حفظه ومراجعته، وأن كذلك تنفع بهذا الحفظ نفسك وغيرك من أبناء المسلمين. فالنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». ألا تحب أن تنال هذه الخيرية؟ فما ذاك إلا بحفظ القرآن والاستمرار على مراجعته. قال: والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾. يعني أن هذا من كيد الشيطان، إذا حدثتك نفسك أنك تترك حفظ القرآن حتى لا تنساه فاعلم أن هذا من كيد الشيطان. قال: فليحفظ الإنسان القرآن لأنه خير، وليؤمل عدم النسيان. لماذا يقدم الشر ويقدم ذلكم التثبيط؟ لماذا لا تكن همته عالية وأمله في الله سبحانه وتعالى؟ قال: والله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به، نعم. فمن ظن خيرًا نال ذلك من الله سبحانه وتعالى. فظن بالله عز وجل خيرًا، وأن الله سبحانه وتعالى يثبت القرآن في قلبك. نعم. قال: ونظير هذا ما يستدل به بعض الناس بقول الله تعالى: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾، فيترك السؤال والعلم والتعلم، يعني بحجة أن هذا السؤال قد يكون الجواب عليه يسوءه. وهذا فهم خاطئ، فهم خاطئ في تفسير هذه الآية، في تفسير هذه الآية. فكثير من الناس ربما يترك السؤال والعلم عن طريق السؤال والتعلم بهذه الحجة: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾، وهذا من قلة الفقه والعلم، من قلة الفقه والعلم. ولذلك يقول العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: ولكن كان هذا حين نزول الوحي والتشريع، يعني تسأل عن أشياء والوحي لا يزال مستمرًا، لا يزال مستمرًا، فلعل هذا السؤال مما قد سكت عنه فيسأل عنه الشخص فيأتي الوحي بالرد على هذا السؤال. هذا في حين نزول الوحي والتشريع، أي في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. أما بعد ذلك فإن التشريع قد أكمل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. فما تسأل عنه ستجده في هذه الشريعة، ستجده في هذه الشريعة، وسيجيب أهل العلم وأهل الذكر عن ذلك السؤال، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. فشاهدنا من الشيخ من هذا أن الشيطان قد يدخل للإنسان من مثل هذه الأبواب فيثبته عن الخير، إما عن حفظ القرآن، وإما عن السؤال والتعلم والتفقه في دين الله عز وجل. وهكذا غير ذلك من وساوس الشيطان، من وساوس الشيطان. بل ربما يأتي إلى الشخص ويقول له: لماذا أنت تجلس في مجالس العلم؟ لماذا أنت تجلس في مجالس العلم؟ فإنك قد جاوزك الزمن وقد كبر سنك، فأنى لك أن تدرك هذا العلم؟ فيأتي له من هذا الباب حتى يترك مجالس العلم. وقد يأتي للصغير ويقول له: أنت لست أهلًا لطلب العلم، لطلب العلم، فأنت ضعيف الحفظ، أو كذلك يعني: ماذا قد سبقك من هو أفضل منك؟ أو إلى غير ذلك من الشبه التي يلقيها الشيطان على بعض الناس فيصرفهم عن الخير وعن العلم وعن مجالس العلم، فيحذر المسلم من مثل هذه الوساوس. قال: ولكن كان هذا حين نزول الوحي والتشريع، فقد يسأل البعض عن أشياء سكت الله عنها فتبين، فتبين لهم، فيكون فيها تشديد على المسلمين بالإيجاب أو التحريم. أما الآن فلا تغيير في الأحكام ولا نقص فيها، فيجب السؤال عن الدين، فيجب السؤال عن الدين. وإنما نهي المسلم عن الغلو في السؤال، يعني يسأل عن أشياء غير واقعة، أو عن أشياء غريبة لا نفع من الجواب عليها، أو إلى غير ذلك، فهنا يمسك الإنسان عن السؤال عنها. أما الأمور التي يحتاجها في عباداته وفي معاملاته وفي سيره إلى الله سبحانه وتعالى فيسأل، ولا يدخل ذلك في قول الله عز وجل: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر