الدرس في التعليق على كتاب العلم 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد المقطع أن العمل بالعلم هو ثمرة العلم وآدابه، فشبه العلم بالشجرة والعمل بالثمرة، ومن لا يعمل بعلمه كشجرة عقيم. كما بين أن حامل العلم كحامل السلاح، والعمل بالقرآن والسنة بتصديق الأخبار وامتثال الأوامر واجتناب النواهي هو سبيل المؤمنين الذين يسلمون دون اعتراض كما فعل الصحابة.
يؤكد المقطع أن المؤمن الحق يتلقى أخبار الغيب بالتصديق والتسليم دون اعتراض بالعقل القاصر، كما فعل الصحابة مع حديث النزول الإلهي. ويضرب المثل برد الإمام مالك على من سأل عن كيفية نزول الرب، مبينًا أن العقل البشري محدود لا يصلح معارضًا للوحي، وأن الاعتراض يؤدي إلى التعطيل والضلال.
يبيّن المقطع أن العقل البشري محدود لا يدرك كل شيء، فيجب التسليم للنصوص الشرعية دون تدخل العقل في تفاصيل الغيب. كما يوضح أن العمل بالعلم يتحقق بإقامة العقيدة على التسليم، والعبادة على الإخلاص والمتابعة، محذراً من الرياء والبدعة اللذين يبطلان العمل.
يوضح المؤلف أن له رسالة مستقلة في حكم البدع، ويبين أن البدع تنحصر في خمسة أوجه: الهيئة، المكان، الزمان، السبب، والوصف. مع وعد بذكر أمثلة عليها في درس قادم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال العلامة ابن العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب العلم": قال: "الأمر الخامس"؛ أي من آداب طالب العلم التي ينبغي أن يتحلَّى بها. قال: "الأمر الخامس: العمل بالعلم". أن يعمل طالب العلم بعلمه عقيدةً وعبادةً وأخلاقًا وآدابًا ومعاملةً، لأن هذا هو ثمرة العلم وهو نتيجة العلم. فالعلم بمنزلة الشجرة، والعمل بمنزلة الثمرة. فإذا كانت شجرة لا تثمر، هل ينتفع بها صاحبها؟ لا ينتفع بها. وكذلك العلم إذا لم يثمر هذا العلم العمل، فإنه لا ينفع صاحبه. ولذلك قال: "لأن هذا هو ثمرة العلم وهو نتيجة العلم". قال: "وحامل العلم كالحامل لسلاحه، إما له وإما عليه". الإنسان إذا حمل السلاح، فلربما قتل نفسه بسوء استخدامه، ولربما أصاب نفسه وجرح نفسه بسبب سوء استخدامه، وربما أصاب العدو ونكل في العدو، فهنا انتفع بسلاحه. فكذلك العلم. قال: "وحامل العلم كالحامل لسلاحه، إما له إن سدده وضرب به العدو، وإما أن يكون عليه إن ضرب به نفسه". قال: "وليثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: القرآن حجة لك أو عليك". وهذا الحديث حديث أبي مالك الأشعري في صحيح مسلم، الذي أوله: «الطهور شطر الإيمان» إلى آخره. وفي أثناء هذا الحديث قال: «والقرآن حجة لك أو عليك». كيف حجة لك أو عليك؟ قال: «لك إن عملت به، وعليك إن لم تعمل به». فيكون لك إن عملت بهذا القرآن. أنت تقرأ في هذا القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾، فإذا وقعت في الظن فأنت مخالف للقرآن، فهو حجة عليك. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، فإن وقعت في الربا فالقرآن حجة عليك. ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾، إن أطلقت بصرك وفرجك فيما حرم الله عليك، فأنت هذا القرآن حجة عليك. ومتى يكون حجة لك؟ إن عملت بهذا القرآن، وامتثلت ما أمرك الله عز وجل به في هذا القرآن. فإذا القرآن حجة لك أو عليك. قال: "وكذلك يكون العمل بما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". كذلك من العمل بالعلم أن تصدق بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال: "وكذلك يكون العمل بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بتصديق الأخبار وامتثال الأحكام". تصديق الأخبار التي يخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كان الأخبار فيما يقع في المستقبل، أو فيما يقع في يوم القيامة، أو إلى غير ذلك. فمن العمل بالعلم التصديق، وكذلك الامتثال. وامتثال الأحكام بأمرين اثنين: بالإتيان بالمأمور، والانتهاء عن المحظور. قال: "إذا جاء الخبر من الله ورسوله فصدقه، وخذ بالقبول والتسليم، ولا تقل: لِمَ وكيف؟ فإن هذه طريقة غير المؤمنين". فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾. هذا من العمل بالعلم: لا تجادل، ولا تخاصم، ولا كذلك تعترض على ما أخبر به ربك سبحانه وتعالى أو نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "والصحابة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثهم بأشياء قد تكون غريبة وبعيدة عن أفهامهم، ولكنهم يتلقون ذلك بالقبول، لا يقولون: لِمَ وكيف؟". وفي مقدمة أولئك الصحابة من لُقِّب بالصديق، أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فسُمِّي أو لُقِّب بذلك لسرعة ومباشرته للتصديق، أو لسرعة تصديقه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإسراء والمعراج. جاءه المشركون مستهزئين وساخرين، قالوا: "يا أبا بكر، يزعم صاحبك أنه في ليلة واحدة أسري به من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، ثم أتي به إلى مكة، ونحن نقطع هذه المسافة في كذا وكذا من الأشهر". فما كان من أبي بكر إلا أن قال: "إن قال ذلك فقد صدق". عليه الصلاة والسلام: "إن قال ذلك فقد صدق". مباشر التصديق وعدم تردد وتلعثم. وهكذا غيره من الصحابة، ما أن يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بخبر إلا وتلقوه بالقبول والتصديق. قال: "بخلاف ما عليه المتأخرون من هذه الأمة، نجد الواحد منهم إذا حدث بحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وحار عقله فيه، نجده يورد على كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الإيرادات"، يعني الإشكالات التي تستشف منها أنه يريد الاعتراض. ومعنى "تستشف" يعني تستخلص منها وتستنتج منها أنه يريد الاعتراض لا الاسترشاد. يعني ربما يعترض لكن ليس بطريقة مباشرة، وإنما بشيء من المكابرة وبشيء من الخفاء. قال: "تستشف منها أنه يريد الاعتراض لا الاسترشاد". ولهذا يحال بينه وبين التوفيق حتى يرد هذا الذي جاء عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه لم يتلقاه بالقبول والتسليم. هذا حال المعترض الشاك. أما المؤمن فسرعان ما يصدق ولا يعترض، لا بكيف ولا بلِمَ. قال: "وأضرب لذلك مثالًا: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»". وهذا الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. قال: "هذا الحديث حدث به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث مشهور بل متواتر، ولم يرفع أحد من الصحابة لسانه ليقول: يا رسول الله، كيف ينزل؟ وهل يخلو منه العرش أم لا؟ وما أشبه ذلك". وهذا كله حدثت في الأزمان المتأخرة، كما جاء أن أحدهم جاء عند الإمام مالك فسأله: "كيف ينزل ربنا؟" فغضب الإمام مالك رحمه الله تعالى، لأن هذا السؤال لم يسأله السلف من الصحابة والتابعين رحمهم الله ورضي الله عنهم. فقال له: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا". ثم أمر به فأُخرج. لماذا؟ لأنه اعترض على حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وأكد غيرها من المسائل التي ربما يريدها بعض المتفلسفة وبعض المتحيرة وبعض الضلال: "هل يخلو منه العرش أم لا؟" ومن هذه الأسئلة التي كما قال: "تستشف منها أنه يريد الاعتراض". ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: "وما أشبه ذلك من الإرادات التي يريدونها". ولو أنهم تلقوا هذا الحديث بالقبول، وقالوا: "إن الله عز وجل مستوٍ على عرشه، والعلوم لوازم ذاته، وينزل كما يشاء سبحانه وتعالى"، لُدِفِعَت عنهم هذه الشبهة، ولم يتحيروا فيما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه. فالله عز وجل لا يشبه بخلقه، وما أوتي هؤلاء القوم إلا من قبل عقولهم القاصرة، فشبهوا الخالق بالمخلوق، فدفعهم هذا التشبيه إلى التعطيل، فعطلوا كثيرًا من الصفات، ومنها صفة الاستواء والعلو. قال: "إذن فالواجب علينا أن نتلقى ما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب بالقبول والتسليم، وهذا من العمل بالعلم". قال: "وأن لا نعارضها بما يكون في أذهاننا من المحسوس والمشاهد، لأن أمر الغيب أمر فوق ذلك". والأمثلة على ذلك كثيرة، لا أحب أن أطيل بذكرها. إنما موقف المؤمن من مثل هذه الأحاديث هو القبول والتسليم، بأن يقول: "صدق الله ورسوله"، كما أخبر الله عن ذلك في قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال: "فالعقيدة يجب أن تكون مبنية على كتاب الله وسنة رسوله، وأن يعلم الإنسان أنه لا مجال للعقل فيها". لأن العقل له إدراك معين. العقل ما مثله إلا كمثل غيره من الحواس الأخرى في الإنسان. فمثلا: السمع، سمع الإنسان قاصر، وبصر الإنسان قاصر، له مجال محدود. فمثلا، فمثلا، فمثلا: لو أن إنسانًا يتكلم خارج المسجد، هل نستطيع أن نسمعه؟ ما نستطيع أن نسمعه. لماذا؟ لأن سمعنا له مدى محدود يسمع به الأصوات. وكذلك البصر: ما نستطيع أن نرى الشيء البعيد. لماذا؟ لأن هذا البصر له مدى محدد يصل إليه ولا يتجاوزه. فكذلك العقل: العقل له مدى محدود مثل السمع والبصر، فلا يدرك كل شيء ولا يفهم كل شيء. فمن أراد أن يدرك كل شيء بعقله، لا شك أنه سيقع في الضلال، سيقع في الضلال. وهذا ما جعل العقلانيين في ضلال مبين، في ضلال مبين. فلذلك يقول الشيخ هنا: "وأن يعلم الإنسان أنه لا مجال للعقل فيها". لا أقول: "مدخل للعقل فيها"، وإنما أقول: "لا مجال للعقل فيها". لأن ما جاءت به من نصوص في كمال الله شاهدة به العقول. ومعنى كلامه هذا: القاعدة المشهورة عند العلماء: "العقل الصحيح يوافق النقل الصحيح"، وبعض يقول: "العقل الصريح يوافق النقل الصحيح". فلا نقول: "لا مجال للعقل فيها" لماذا؟ لأن العقل السليم يوافق النص الصحيح. ولكن نقول: "لا مجال للعقل فيها"، لا مجال، لا يتدخل، لكنه يقبل هذا الشيء لأنه من الله سبحانه وتعالى. فمجال العقل في هذه الأمور الغيبية: التسليم، هذا مجاله، ولا يتدخل فيما هو أكثر من ذلك. قال: "لأن ما جاءت به من نصوص في كمال الله شاهدة به العقول". وإن كان العقل لا يدرك تفاصيل ما يجب لله من كمال، لكنه يدرك أن الله قد ثبت له كل صفات الكمال. لا بد أن يعمل بهذا العلم الذي من الله به عليه من ناحية العقيدة. فالشيخ هنا يتدرج في ضرب الأمثلة للعمل بالعلم، فذكر أولًا أهم المهمات، وهو العقيدة، وهو العقيدة، وأن الإنسان يسلم بما أخبر الله عز وجل به، وما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: "كذلك من ناحية العبادة: التعبد لله عز وجل". وكما يعلم كثير منا أن العبادة مبنية على أمرين أساسيين: أحدهما الإخلاص لله عز وجل، والثاني المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم. فيبني الإنسان عبادته على ما جاء عن الله ورسوله، يعني يكون في العبادة حتى يكون عاملًا بعلمه: مخلصًا، متبِعًا، مخلصًا، متبِعًا. وهذا من العمل بالعلم. فإن فقد أحد هذين الأمرين، فإن العلم يكون وبالًا عليه، ولو كان عالمًا. وقد مر بكم حديث أبي هريرة في أول من يُقضى عليهم يوم القيامة، وأنهم ثلاثة، ومن هؤلاء الثلاثة رجل آتاه الله القرآن والعلم، فيعرف بنعمة الله عز وجل عليه، ويقال له: "ماذا عملت بعلمك؟" قال: "يا رب، قرأت فيك القرآن وعلمت فيك العلم". فيقال له: "كذبت، إنما تعلمت العلم وعلمته ليقال: عالم". إذن أي شيء فقد هذا؟ فقد الإخلاص. إذن ما عمل بعلمه. الذي لا يخلص في عبادته لا يعمل بعلمه. فلذلك أول من يُقضى عليهم يوم القيامة قبل كل أحد هؤلاء الثلاثة، وكلهم فقدوا هذا الشرط العظيم من شروط العبادة، وهو الإخلاص لله سبحانه وتعالى. ولذلك كان أبو هريرة لما يقرأ هذا الحديث يُغشى عليه، لشدة هول الوعيد الذي جاء في هذا الحديث، وأنه جاء في حق أهل العلم إذا لم يخلصوا، وكانوا يخشون أن يدخل علمهم شيء من الشرك الخفي. قال: "والثاني: المتابع للرسول صلى الله عليه وسلم". فيبني الإنسان عبادته على ما جاء عن الله ورسوله، لا يبتدع في دين الله ما ليس منه. لا في أصل العبادة. هذا الشرط الثاني: قد يكون عالم عنده حفظ للقرآن، وعنده علم بكثير من السنة، ولكن عنده ابتدع في الموالد، في الزيارات، في الحضرات، في الأذكار المبتدعة، إلى غير ذلك. فهذا غير عامل بعلمه. لماذا؟ لأن من شروط العبادة الاتباع. قال: "لا يبتدع في دين الله ما ليس منه، لا في أصل العبادة ولا في وصفها". أصل العبادة يعني الزيادة فيها أو النقصان، ولا في وصفها: أتت بوصف معين فزاد في هذا الوصف أو نقص. وسيأتي زيادة بيان من كلام المؤلف. قال: "ولهذا نقول: لا بد في العبادة أن تكون ثابتة بالشرع في هيئتها، وفي مكانها، وفي زمانها، وفي سببها". لا بد أن تكون ثابتة بالشرع في هذه الأمور كلها. والمؤلف له رسالة مستقلة في حكم البدع، فبينا أن البدع إنما تكون بإحدى هذه الأمور الخمسة: إما في الهيئة، أو المكان، أو الزمان، أو السبب، أو كذلك الوصف. وإن شاء الله سنذكر أمثلة على هذا في درس قادم. فنكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين. شكرًا.