الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 35، ألقاها
استصحاب الحال يعني البقاء على الأصل عند عدم وجود دليل شرعي ناقل، مثل اعتبار الأشياء طاهرة أو مباحة إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك. يُستخدم هذا المبدأ عند عدم وجود دليل واضح على حكم شرعي معين.
يناقش هذا المحور مفهوم الاستصحاب وأدلته وتطبيقاته في مسائل فقهية مختلفة، مثل زكاة المال الناقص وتيمم المصلي عند فقدان الماء، مع التركيز على الخلاف بين المذاهب الفقهية حول حجية الاستصحاب.
يتناول هذا الفصل مفهوم الاستصحاب المشهور وتطبيقه في حالة وجود نزاع حول صحة الصلاة بالتيمم عند حضور الماء، ويبين الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة وكيفية التعامل معها وفق القواعد الأصولية.
يتضمن هذا المحور الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته وطلب المغفرة والتوبة إليه، معبراً عن توبة صادقة واعتراف بالذنب ورغبة في التطهر والخضوع لله تعالى.
الحمد للرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومعنى استصحاب الحال الذي يحفظ به -كما سيأتي- أن يستصحب الأصل، أي العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي، بأن لم يجده المجتهد بعد البحث الشديد عنه بقدر الطاقة. قال: كأن لم يجد دليلا على وجود صوم رجب، فيقول: لا يجب باستصحاب الحال، أي العدم الأصلي، وهو حجة جزما. وأما الاستصحاب المشهور الذي هو ثبوت أمر في الزمن الثاني لثبوته في الأول، فحجة عندنا دون الحنفية. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: ومعنى استصحاب الحال. ومعنى استصحاب الحال الذي يحتج به -كما سيأتي- أن يستصحب الأصل، أي العدم الأصلي. طيب، أولا قوله رحمه الله تعالى: ومعنى استصحاب الحال، أعترض عليه هذا الأسلوب في التعبير، إذ قوله: ومعنى استصحاب الحال، فيه معنى من معاني التفسير لشيء متقدم، وذكره لاستصحاب الحال لم يكن إلا في هذا الموضع، فكان اللائق فيه أن يقول: الاستصحاب، أو يعنون بقوله: ودليل الاستصحاب، أو دليل الاستصحاب، ثم يقول: ومعنى استصحاب الحال. معنى استصحاب الحال يقول: معناه أن يستصحب الأصل، أن يستصحب الأصل، أي العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي. ما معنى أن يستصحب الأصل؟ أي ينظر في المسألة الطارئة، جاءت مسألة نظر فيها، لم يجد فيها دليلا على إيجاب شيء أو على سلب ذلك الشيء، لا على الثبوت ولا على النفي، فماذا يصنع؟ يستصحب الأصل. ما معنى يستصحب الأصل؟ يقول: الأصل فيه كذا وكذا، فالأصل بقاء الشيء على ما كان، وهو المعبر عنه: الأصل بقاء ما كان على ما كان، حتى يأتي الدليل المخرج له عن هذا الأصل. الأصل بقاء ما كان على ما كان، واضح. لأنه ما هناك دليل يدل على ثبوت شيء خلاف ذلك الأصل، ولا على سلب شيء كان عليه ذلك الأصل، إذن يبقى على ما هو عليه. وقوله رحمه الله تعالى: أي العدم الأصلي، فيه أن المقصود بالاستصحاب المذكور ها هنا البقاء على الأصل، البقاء على الأصل عند عدم الدليل الناقل لذلك الأصل. يعني مثاله: تقدم معنا في دروس الأصل، أن الأصل في الأعيان أو في الأشياء قبل أو بعد ورود الشرع، ما حكمها؟ أشيء حكمها؟ بعد ورود الشرع: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ الإباحة. يأتي إنسان يأتي إلينا بحيوان أو يأتي إلينا بنبات لا تعرف فيه مضرة، فيقول لنا: ما حكم هذا الشيء؟ نقول: الأصل الحل. وما دام أنه ليس هناك دليل ناقل، إذن نستصحب هذا الأصل. واضح. مثلا الأصل في الأعيان الطهارة، الأصل في الأعيان الطهارة. جاء إنسان رأى ثوبا أراد أن يصلي فيه، ما درى قد يكون نجسا وقد يكون طاهرا، فيقال الآن: ما هو الأصل؟ الأصل الطهارة. لماذا استصحب؟ استصحب الأصل الآن. فالحاصل من هذا أن دليل الاستصحاب -كما ذكر- أن يستصحب الأصل، أي العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي. واضح. عند عدم الدليل الشرعي، قال: بأن لم يجده المجتهد بعد البحث الشديد عنه بقدر الطاقة. قال: كأن لم يجد دليلا على وجوب صوم رجب، يأتي إنسان يقول له: ما حكم صوم رجب؟ واجب؟ يبحث المجتهد ما يجد دليلا يدل على وجوب الصوم في شهر رجب، فيقول: لا يجب. واضح. لا يجب بماذا؟ باستصحاب الحال. ما هو استصحاب الحال؟ أي لعدم الأصل، لعدم الأصل وهو حجة جزما. عدم الأصل الناقل، واضح. ثم قال: وهو حجة جزما. لماذا هو حجة جزما؟ لأن القاعدة عند العلماء: الأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل في العبادات التوقف، والأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الأشياء الطهارة، إلى غير ذلك. هذه قاعدة ترجع إليها المجتهد عند عدم الدليل، هذا واضح. وأما الاستصحاب المشهور الذي هو ثبوت أمر في الزمن الثاني لثبوته في الأول، فحجة عندنا دون الحنفية. وقول: حجة عندنا دون الحنفية، في إشارة إلى الخلاف في المسألة. والأمر كما قيل، وهذه المسألة خاصة في هذه الصورة، من مسائل الاستصحاب، وقع فيها النزاع، والناظر فيها يجد أنه لا يستطيع أن يجزم بحكم مطرد فيها. لاختلاف أنظار المجتهدين، وكذلك القراءة التي تدور مع كل قضية بحسبها. فكما ذكرها هنا مثلا، فيقول مثلا: فحجة عندنا دون الحنفية، فلا زكاة عندنا في عشرين دينارا ناقصة -يعني ولو ناقصة الشيء يسير- على العشرين دينار. واضحة. يقول: ناقصة ولو كانت تروجه -أي: تعامل معاملة- رواج الكامل، بالاستصحاب. يعني مثاله: هؤلاء يقول: ألمعروف أن الزكاة كانت في عشرين دينارا، نصاب الزكاة عشرون دينارا. لو نقص الشيء يسير من عشرين دينار، بحيث أن هذه العشرين دينار لو وضعناها في السوق، نزلناها في السوق، عملت معاملة الكاملة، عملت في السوق في البيع والشراء معاملة الكاملة. مثلا: أردت أشتري سلعة، بكم هذه السلعة؟ قال: بعشرين دينار. قلت له: خد هذه -وهي ناقصة الشيء يسير- ماذا سيقول التاجر؟ سيعامل معاملة الكاملة، واضح؟ فهذه المسألة الآن، الشافعية يقولون: لا زكاة في هذا المال. لماذا؟ استصحابا للأصل. ما هو الأصل ها هنا؟ الأصل عدم، أو قل: الأصل براءة الذمة من الزكاة، واضح. لا يقول: أنا بقي على الأصل، لا أخرج عن هذا الأصل إلا بالمقدار الشرعي، بالنصاب الشرعي. ولو نقص أدنى شيء منه، ماذا؟ أنه ليس بعشرين دينار، فليس عليه زكاة، واضح. تأتي الحنفية يقول: لا، الشيء اليسير الذي لا يؤثر في حقيقة المقدار لا يقدح في تمام النصاب. والأصل في هذا الباب أن الإنسان كذلك: أن يبرئ ذمته، واضح. براءة الذمة، الأصل أن يبرئ ذمته. لماذا؟ أن هذا عشرين دينار، ويعامل في الأسواق معاملة العشرين دينار، فكيف لا نخرج فيه زكاة؟ وهو يعامل معاملة العشرين دينار، فالشيء اليسير لا يلتفت إليه. فهذه القاعدة تنطبق على المثالين، هذا استصحب أصلا، وهذا استصحب أصل أن هذا عنده عشرين دينار، إذن الأصل في العشرين دينار لنا فيه زكاة. هو لو ناقص الشيء اليسير الغير مؤثر، فلا عبرة به، واضح. وهؤلاء يقول: لا معتبر، لأنه لم ينقص، لأنه لم يكتمل النصاب. هذه مسألة ما مترددة، مترددة. فهذا كما هو معلوم أن المجتهد قد يجتهد فيقول: الأصل كذا، والأصل كذا، فمثل هذا الدليل في هذا المقام لا يصلح أن يكون دليلا يحتج به على المخالف، واضح. وهذا هو الذي وصفه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأنه من أضعف الأدلة. مثال آخر كذلك يذكره الفقهاء والأصوليون في هذا الباب، معلوم أن الإنسان إذا لم يجد الماء ماذا يصنع؟ إذا حضرت الصلاة يتيمم. تيمم، دخل في الصلاة، حضرت الماء، حضر الماء، جاء إنسان يقول: يا جماعة، وصل الماء، الماء عند الباب، عند باب المسجد، مجان، واضح؟ يأتي هذا المصلي يقول: هذه المسألة، أنا دخلت الصلاة بماذا؟ بتيمم، وتيمم بإجماع يصح عند فقدان الماء، إذن هذا كما سمعه بماذا؟ الحالة الأولى. لذا قال: وأما الاستصحاب المشهور الذي هو ثبوت أمر في الزمن الثاني لثبوته في الزمن الأول. الآن الزمن الثاني، الزمن الأول ماذا؟ مجمع عليه أنه تيمم في وقت يصح منه التيمم. النزاع الخلاف ماذا؟ في الزمن الثاني؟ في كونه أثناء الصلاة بتيمم، وحضرت الماء، أو وحضر الماء، هل ينتقل وينتقض وضوءه، ويجب عليه أن يخرج من الصلاة وأن يتوضأ؟ أم أنه يستصحب الأصل؟ ما هو الأصل هاهنا؟ يقول: أصل إجماع، وهما يعبر عنه الأصوليون باستصحاب الإجماع في محل النزاع، واضح. استصحاب الإجماع، الإجماع متى؟ في الزمن الأول؟ في محل النزاع؟ النزاع في الزمن في الزمن الثاني، واضح. عمله الآن، هذه مسألة، الشافعي يقول: ما صلاة صحيحة، يستمر ولا يخرج منها. لماذا؟ استصحابا للإجماع في محل النزاع. وغيرهم يقول: لا. لماذا؟ للأصل. ما هو الأصل؟ يقول: الأصل أن التيمم يصح عند عدم وجود الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم، بطلت الصلاة، إذن يجب عليه أن يخرج ويتوضأ ويصلي. ثم وقع الخلاف: هل يبني أم يستأنف؟ واضحة أم لا؟ ولا شك ولا ريب أن الإنسان في مثل هذه المسألة ماذا يصنع؟ من اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. والقاعدة ها هنا تأتي قاعدة أخرى، ما هي؟ عند النزاع نعمل بماذا؟ بالأحوط، واضحة. والأحوط هو ماذا؟ الأشد. فماذا نصنع؟ نخرج، نتوضأ ونصلي، ثم هل نبني أم نستأنف؟ كذلك نزاع؟ والأحوط كذلك أن يبدأها من بداية، أن يبتدئ الصلاة من البداية، خروجاً كذلك من الخلاف، واضحة. قال صاحب الحاشية رحمه الله: قوله: وهو حجة جزما، قال: وفيه أن بعضهم حكى الخلاف فيه للشافعي. وإنما لم يلتفت إليه لأن تعارفهم ينافيه، أي: أنه غير معتبر. الخلاف غير معتبر هنا. قوله: المشهور، أي: المنصرف إليه الاسم عند الإطلاق. ولثبوته في الزمن الأول، أي: وهو ما قبل ذلك من الزمن، كما تقدم في التيمم في الصلاة. قوله: تروج إلى آخره، بأن يرغب فيها بقيمة الكاملة. نعم. قال: قوله: وهذا كذلك المثال: يذكره الشارح، يدخل في هذه القاعدة، أي: أنه هل في الزمن الثاني نعمل فيه أو نستصحب الحال كما في الزمن الأول؟ تقدم أنه محل نزاع. قوله: بالاستصحاب، أي: العدم. قال: أي: لعدم وجوب الزكاة فيها في عهده صلى الله عليه وسلم. وسيق الاستصحاب للطالب. ومعناه أن الناظر يطلب الآن صحبة ما مضى. وأما عكس الاستصحاب المشهور، وهو ثبوت الأمر في الأول لثبوته في الثاني، فاستصحاب مقلوب. كأن يقال: في المكيال الموجود الآن، كان على عهده صلى الله عليه وسلم باستصحاب الحال في الماضي. قال السبكي: ولم يقل بالأصحاب به إلا في مسألة واحدة، تركتها خوف الإطالة. وهذا كما ذكر، أي: استصحاب المقلوب، يعني: يأتي إنسان يقول: هذا المكيال ما دام أنه موجود الآن، فيدل على أن المكيال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك. فالآن استصحاب الزمن الثاني، واستدل به على الزمن الأول. وهذا ضعيف، وهذا حاجة معه، وهذا ضعيف. لماذا؟ لأنه استدل بالفرع على الأصل، في دليل ضعيف أصلاً، دليل استصحابه أصل دليل، فكيف تقلبه؟ والقلب لا يصح إلا إذا كان في دليله قوة ومعنى. أما هذا الدليل لا يصح فيه. لماذا؟ لضعفه أولاً، وعكسه يضعفه أكثر وأكثر. ثم التلازم ليس بلازم في هذه المسألة. وإلا لو فتح هذا الباب، لمن أغلق كل شيء؟ فعله الإنسان اليوم، يقول: إذن في الزمن الأول كان كذلك، فيكون زمننا دليل على ما كان في الزمن الأول، وهذا يفتح باباً لا يغلق. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.