الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 40، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المحاضر تحريم الرياء باعتباره من الكبائر التي تبطل العمل، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تشترط الإخلاص لله والمتابعة للنبي لقبول العبادة، مبيناً أن الله غني عن أعمال العباد وأن من أشرك في عمله غير الله تركه الله وشركه.
يسرد المقطع أحاديث نبوية تبين أن أول من يُقضى عليهم يوم القيامة هم من قاتلوا أو تعلموا أو أنفقوا رياءً، فيُكذبون ويُسحبون إلى النار، كما أن من تعلم العلم لغير وجه الله حرم رائحة الجنة، مع تأكيد وجوب الإخلاص في القول والعمل واجتناب الشرك الخفي.
يختتم المتحدث المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكان آخر ما تكلمنا عنه هو باب في تغليظ تحريم الربا. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: باب تحريم الرياء. باب تحريم الرياء. والرياء كما هو معلوم لدى الجميع هو أن يحسن المرء العبادة لأجل نظر الناس إليه، وهذا يعتبر من أكبر الكبائر التي يجب على المسلم أن يبتعد عنها وأن يجتنبها. فكما هو معلوم لدى الجميع أيضًا أن العمل لا يقبل، وأن العبادة لا تصح إلا إذا اجتمع فيها شرطان اثنان: الأول الإخلاص لله عز وجل، والثاني المتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة. هؤلاء الثلاثة عملوا أعمالًا عظيمة، وقدموا عبادات جليلة، لكن حين أن فقدت الإخلاص ووجد فيها الرياء كانت وبالًا على أصحابها، وكان صاحبها من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. وهكذا غيرها من الأمور التي تجعل الرياء من أعظم وأشد المحرمات التي حرمها ربنا تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. ولهذا عمل المرائي يعتبر باطلًا وغير مقبول عند الله تبارك وتعالى. وقال تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهذا في صفة أولئك المنافقين. المنافقون يعملون أعمالًا لكنها تفتقد الإخلاص لله عز وجل، يصلون لكنهم يراؤون، وهكذا لربما يتصدقون لكنهم يسمعون، وهكذا لربما يخرجون يجاهدون لكن ما تخفي صدورهم أكبر من الحقد على الإسلام وأهله. ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. وفيكم سماعون لهم. ولهذا وصفهم ربنا عز وجل ها هنا قال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». قال: رواه مسلم. وهذا الحديث القدسي يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أهمية الإخلاص وخطورة الشرك، ومنه الرياء. ربنا عز وجل يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك». وهذه حقيقة يا إخوان ينبغي ألا نغفل عنها. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. الله غني عن أعمالنا وعباداتنا، وإذا عمل العامل منا فإنما يعمل لنفسه، وإنما ينفع نفسه. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي على نفسه. والنبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل في حديث أبي ذر الطويل أنه تعالى يقول: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا». أرأيتم إلى غنى ربنا تبارك وتعالى عن عباده، وفقر العباد إلى الله تبارك وتعالى. قال: «من عمل عملًا» أي عمل كان، صغر أم كبر، ظهر أم خفي، «أشرك فيه معي غيري» أي أنه قصد بهذا العمل غير الله عز وجل كالرياء والسمعة، وهكذا أيضًا لربما كان فيه من العجب ما فيه إلى غير ذلك. ما هي النتيجة؟ قال: «تركته وشركه». ومعنى ذلك أنه يحبط أجره، وهكذا أيضًا عمله ويذهب بثوابه، يذهب بثوابه. قال: وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت». ويا لله يا إخوان ما أعظم أثر الإخلاص على العمل والعبادة، ولو كانت شيئًا يسيرًا، فإن الإخلاص يجعلها عظيمة ويجعل ثوابها كبيرًا عند الله عز وجل. ولهذا الإخلاص يا إخوان سر بين العبد وربه عز وجل، كما قيل: لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيزيغه، ولا غير ذلك، ولا غير ذلك. وهكذا أثر الرياء والسمعة والشرك على العمل والعبادة. العبادة العظيمة والعمل الجليل الكبير إذا دخل عليه الرياء وفقد الإخلاص فإنه يكون صغيرًا، بل يكون وبالًا على صاحبه وفاعله. قال: «كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء». ومعنى جريء أي شجاع وعندك إقدام في الساحات والحروب. قال: «ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل» أي في الدنيا الناس تتحدث عنك وعن شجاعتك. «وإنما لكل امرئ ما نوى، وإنما لكل امرئ ما نوى». قال: «ثم أمر به» إلى أين يا إخوان؟ يؤمر بهذا الذي قتل في ساحة الجهاد والقتال. قال: «ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». مع أن الجهاد في سبيل الله عز وجل من أعظم وأكثر أسباب دخول الجنة، لكن انظر رحمك الله وإياك إلى العمل العظيم إذا فقد الإخلاص لرب العالمين تبارك وتعالى. قال: «ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن». قال: «فأتي به» إلى أين يؤتى به يا إخوان؟ ليس إلى مسجد أو إلى محكمة من محاكم الدنيا، يؤتى به لكي يقف بين يدي الله عز وجل والأولون والآخرون يشاهدون ويسمعون. قال: «قال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت وقرأت فيك القرآن». وقرأت فيك يعني لأجلك، يعني لأجلك القرآن. قال: «كذبت». والذي يقول له كذبت هو الله تبارك وتعالى. قال: «كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قار، فقد قيل» أي في الدنيا قيل عنك ذلك، وكان يشار إليك بالبنان، وهكذا يثني عليك آه ماذا الطلاب وغيرهم. قال: «فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». نسأل الله العافية والسلامة. يا إخوان ما أحوجنا جميعًا إلى الإخلاص فيما نقول، وهكذا فيما نفعل. قال: «ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك». لاحظ كلمة «لك» أي من أجلك، أي من أجلك. والدعاوى إذا لم تقم عليها بينات فأهلها وأصحابها ليسوا إلا مجرد أدعياء. كلا يدعي وصلا بليلى، وليلى لا تقر لهم بذاك. قال: «كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل» أي في الدنيا. «ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار». قال: رواه مسلم. وهذا الحديث يا إخوان فيه من الزواجر البالغة عن الرياء وإرادة غير الله عز وجل بأعمال الآخرة والعبادات، وأهمية الإخلاص ووجوده في العمل والطاعة. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن ناسًا قالوا له: إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم. إذا دخلوا على المسؤولين الأمراء السلاطين فيقولون لهم من الكلام الذي فيه من الإرضاء لأولئك خلاف ما يتكلمون به إذا خرجوا من عندهم. قال ابن عمر رضي الله عنهما: «كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». رواه البخاري. وصفات المنافقين كثرت، الرياء والعمل لغير الله عز وجل. قال: وعن جندب بن عبد الله بن سفيان رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به». متفق عليه. قال: ورواه مسلم أيضًا من رواية ابن عباس رضي الله عنهما. و«سمع» بتشديد الميم، ومعناه أظهر عمله للناس رياء، ليس من باب التحدث بنعمة الله عز وجل، وإنما من باب أن يسمع الناس أنه فعل وعمل. وكل ذلك رياء. يقول: البارحة تدرون قمت الليل من الساعة الواحدة والنصف إلى أن أذن أذان الفجر الأول، ما شاء الله عليك قمتها وصليتها. قال: نعم، ليس من باب التحدث بالنعمة، وإنما من باب إظهار العمل للناس رياء. ما جزاؤه؟ قال: «سمع الله به». قال: أي فضحه يوم القيامة. ومن أعظم الفضيحة التي تكون في ذلك اليوم. ممكن يا إخوان في الدنيا نغالط ونخفي عن الناس ما لا يرون، ممكن يا إخوان نتظاهر بأشياء إلى غير ذلك، لكن الفضيحة تكون في ذلك اليوم، ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾. قال: ومعنى «من راء» أي من أظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم، ليعظم عندهم. قال: «راء الله به» الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. قال: «راء الله به» أي أظهر سريرته على رؤوس الخلائق. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا». والعرض يا إخوان هو متاع من متاع الدنيا وحطامها. قد يتعلم العلم من أجل المال، وقد يتعلم العلم لأجل الشهادة والعمل والوظيفة، قد يتعلم العلم لأجل الوجاهة والسمعة. قال: «لا يتعلم» لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا. ما جزاؤه يا إخوان؟ قال: «لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» يعني ريحها، لم يجد رائحة الجنة يوم القيامة. قال: رواه أبو داود بإسناد صحيح. قال: والأحاديث في الباب كثيرة ومشهورة. وحديث أبي هريرة ها هنا خرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة وغيرهم من طريق فليح بن سليمان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة به. ما حال هذا الإسناد يا أبا محمد؟ فليح بن سليمان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة، ما حاله؟ وإذا لم تعرف أحوال الرجال ما سيعرف حاله؟ ماذا أحسنت عندك يا أبا تميم؟ يا أبا تميم عندك رفعت يدك، نعم من فيه؟ نعم يا أبا محمد. موقوف؟ كيف؟ أبو هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي نعم، عند من يا إخوة؟ نعم يا أبا عبد الرحمن، من هو؟ الحديث ضعيف، من في سنده؟ أحسنت، هو من طريق فليح بن سليمان، وفليح هذا قالوا فيه: صدوق سيء الحفظ، سيء الحفظ. أخرج له البخاري، لكن قالوا: البخاري انتقى من حديثه، كذلك أيضًا لم يخرج له في الأحكام وإنما أخرج له في الرقاق وغيرها وغيرها. لكن فليح بن سليمان تابعه أبو سليمان الخزاعي كما عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، فلهذا صحح الحديث جماعة من أهل العلم، فالحديث يصلح للاحتجاج به. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب الهام الذي يتعلق بباب تحريم الرياء. فأوصي نفسي أولًا ثم إياكم ثانيًا بالعناية بالعمل ولزوم الإخلاص في القول والعمل، واجتناب الرياء والسمعة، وهكذا الشرك بأنواعه وصوره. أسأل المولى عز وجل أن يحفظ أعمالنا وعباداتنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن لا يجعل فيها رياء ولا سمعة ولا عجبًا ولا غير ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.