كتاب الأمور المنهي عنها 39

كتاب الأمور المنهي عنها 39

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 39، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحريم الربا وتغليظ عقوبته ولعنة آكله ومعاونيه

يستعرض المقطع آيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين تحريم الربا وتغليظ أمره، حيث عدّه النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه. كما حذر من التعاون عليه متوعداً المتعاملين به بالحرب من الله ورسوله إن لم يتوبوا.

شدة عقوبة آكل الربا يوم القيامة ومحقه في الدنيا

يصف المقطع حال آكل الربا يوم القيامة بأنه يقوم متخبطاً كالممسوس مستدلاً على ثبوت المس والتلبس، ويرد شبهة تشبيه الربا بالبيع بتحليل الله للبيع وتحريمه للربا. ويبين أن الربا يمحق البركة ويؤدي إلى قلة المال وعاقبته الفقر والسجن بينما الصدقات يبارك الله فيها ويزيدها.

أنواع الربا (الفضل والنسيئة) وبدائلهما الشرعية

يوضح المقطع الفرق بين وعد الشيطان بالفقر وأمر الفحشاء ووعد الله بالمغفرة والفضل مبيناً أن الإيمان باليوم الآخر يدفع لاجتناب الربا. يستعرض نوعي الربا: ربا الفضل وربا النسيئة مع أمثلة من الجاهلية والمعاملات المصرفية ويذكر آية الإنظار للمعسر وحديث الأصناف الستة الربوية.

الحذر من مداخل الربا ووسائل الوقوع فيه

يدعو المقطع إلى اليقظة وتعلم صور الربا والمداخل التي يستخدمها المتعاملون به لإيقاع الناس في المحرم، ويؤكد وجوب الحذر والتحذير من هذا الذنب العظيم الذي تساهل فيه الكثيرون. ويختتم بالدعاء بأن يجنب الله الأمة الربا ويصلح أحوال المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع القراءة في أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: باب تغليظ تحريم الربا. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾. قال: وأما الأحاديث فكثيرة في الصحيح مشهورة، قال: منها حديث أبي هريرة السابق في الباب قبله، ويعني به قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا»، فذكر أكل الربا أنه من الموبقات، أي من المهلكات. قال: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا»، ومعنى آكل الربا أي آخذه ولو لم يأكله، «آكل الربا وموكله» أي الذي يعطي، رواه مسلم. قال: زاد الترمذي وغيره: «وشاهديه وكاتبه»، ومعنى ذلك أن الإعانة على الربا تدخل في هذه الكبيرة، لو أعان بكتابة عقد الربا، أو كان موظفاً في إدارة ربوية، أو كان حارساً يحرس بابهم، أو كان شاهداً على شيء من هذه المعاملات وغيرها، فكل ذلك من التعاون على الإثم والعدوان على الباطل، وصاحبه متوعد بلعنة الله عز وجل. والتعامل بالربا يعتبر من كبائر الذنوب الذي توعد ربنا عز وجل صاحبه بأشد الوعيد: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. وكذلك أيضاً المتعامل بالربا حاله شديد في يوم القيامة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ﴾ أي من قبورهم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، من المس، وهذا فيه إثبات حصول المس وتلبس الجن بالإنس، لا كما ينكره بعض العقلانيين أو بعض الأطباء أو غير ذلك، ففيه إثبات المس. وصاحب الربا يقوم من قبره متخبطاً كالذي يتخبطه الشيطان من المس، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، لاحظوا كيف يزين الشيطان لبني الإنسان بعض المحرمات التي تغضب الله عز وجل، يقولون: إيش فيه؟ هذا أرباح، هذه فوائد، هذا بيع وشراء، هذا بيع وشراء. قال الله عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، هذه المعاملة التي تتعاملون بها ليست بيعاً وليست حلالاً، وإنما هي عبارة عن استغلال، عبارة عن مراباة، أخذ مال بغير حق، وإنما بالباطل. ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ثم بيّن ربنا عز وجل حقيقة يغفل عنها ذو الأطماع ومن عنده جشع وتعلق بالأموال تعلقاً زائداً، يظن أحدهم أنه إذا رابا فإن المال يزيد، فإن المال يزيد ويكثر. هذه السنة قالوا: رأس مالك عشر ملايين، وتحصلت على سبعة في المئة، هذه أرباح، هذه أرباح، فماذا فيفرح ويغتر، بينما لو جاءه مسكين طلب منهم مساعدة أو حان وقت الزكاة لجعل يفكر كم سينقص من هذا المال وكم سيخسر. قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، يمحق الله الربا، قال عليه الصلاة والسلام: «ما ازداد أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة»، ما ازداد أحد من الربا، ما هي النتيجة؟ النتيجة أنه يخسر ويقل ماله، وتمحق البركة من ماله، قال: «ما ازداد أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة». ولهذا كم يقرأ الواحد ويسمع عن صفقات تجارية لكنها ربوية، كم يسمع عن أرباب الأموال، بل من أثرياء العالم ممن يتعاملون في البورصة وتجارة الأسهم ونحو ذلك، لكنهم لا يتورعون عن المعاملات الربوية، يمسي أحدهم غنياً فلا يصبح إلا فقيراً، قد يصبح في السجون مطالباً بالأموال والحقوق، كل ذلك بسبب ماذا؟ المعاملات الربوية. ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، ويربي الصدقات، أي أنه سبحانه وتعالى يزيد ويبارك في المال الذي صاحبه يتعامل فيه بالصدقة، يتعامل فيه بالصدقة. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾، مغفرة منه وفضلاً، وهذه من الأمور التي لا يدركها إلا من كان يؤمن بالله عز وجل واليوم الآخر، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر تجده يتحاشى ويبتعد عن التعامل الربوي، يخاف الله عز وجل ويبذل ماله رخيصاً من أجل مرضاة الله عز وجل، من أجل مرضاة الله عز وجل. والربا بنوعيه لا يجوز، سواء كان ربا الفضل أو كان ربا النسيئة. ربا الفضل أي ربا الزيادة، يعطي الشخص مئة ألف، قال له: متى ستعيدها؟ قال: إن شاء الله، أعطني فيها شهرين، طيب كم ستعيدها؟ قال: مئة ألف مثل ما أعطيتني، فيغضب صاحب المال، يقول: إذن إيش استفيد أنا؟ أعطيك مئة وتعيدها مئة، يلا ما سأعطيك شيئاً، قال: طيب والحل؟ قال: تعيدها مئة وخمسين، هذه أو هذا الفضل وهذه الزيادة هذا يعتبر ربا، كان أهل الجاهلية يتعاملون به، يأتي وقت الدين فلا يجد صاحب الدين سداداً، فيأتي إليه المدين فيقول: إما أن تقضي وإما أن تربي، وإما أن تزيد، فيقعون الربا، يقعون الربا. لكن ربنا عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، إذا كان معسر صاحب الدين فاصبر عليه إلى أن يسر الله له، واحتسب الأجر عند الله عز وجل، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾، أضعافاً كثيرة. وهكذا بالنسبة لربا النسيئة، أي ربا التأخير، فهذا كذلك أيضاً لا يجوز، لا يجوز، كالذي يقع مثلاً في باب الصرف، في باب الصرف يأتي معه خمسمائة ريال سعودي يريد أن يصرفها، يقول الصراف: الآن ما عندي المبلغ كاملاً، لكن خمسمائة ريال سعودي هذه تساوي مئتين وخمسين ألف ريال يمني، هاتها الخمسمائة، قد هذه المئة، مئة ألف الآن، وبعد المغرب تمر علي وتأخذ ما تبقى، أي المئة والخمسين، لا ما يجوز. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح»، وذكر الأصناف الربوية الستة، قال: «مثلا بمثل، يداً بيد، يداً بيد». فماذا ينبغي على المسلم لألا يقع في الربا التعامل به؟ ينبغي أن يكون يقظاً، وينبغي كذلك أيضاً أن يتعلم صور الربا وما هي المداخل التي يدخل بها المتعاملون بالربا على الناس فيوقعوهم فيما حرم الله عز وجل عليهم، فالواجب الحذر والتحذير من هذا الذنب العظيم الذي أصبح الكثير من الناس يتساهلون في التعامل به، وأنشئت لأجله البنوك الربوية والمؤسسات الربوية وغيرها مما يدعو إلى التعامل بالربا. أسأل المولى عز وجل أن يجنبنا الربا، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.