كتاب الأمور المنهي عنها 37

كتاب الأمور المنهي عنها 37

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 37، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

النهي عن الرجوع في الهبة وشراء الصدقة

يبيّن الباب كراهة رجوع الإنسان في هبته سواء سلمها أم لا، ويحرم عليه شراء ما تصدق به أو أخرجه زكاة أو كفارة، مشبهاً العائد في هبته بالكلب يقيء ثم يعود في قيئه، مؤكداً شدة الزجر عن هذا الفعل.

استثناء الوالد في الرجوع بالهبة وجواز التكني

يوضح المقطع أن الرجوع في الهبة والصدقة محرم إلا للوالد في عطية ولده مستدلاً بحديث النعمان بن بشير في العدل بين الأولاد، ويتناول أيضاً جواز التكني بأسماء لا توجد لها أبناء.

تحريم الرجوع في الصدقة والتصرف في الهبة

يشرح حديث عمر رضي الله عنه الذي تصدق بفرس فأراد شراءه بعد ضعفه، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وشبه العائد في صدقته بالعائد في قيئه، مستدلاً على تحريم الرجوع في الصدقة وجواز بيع الهبة والتصرف فيها مع مراعاة أدب حفظ الهدية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد: قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: "باب كراهة عودة الإنسان في هبة لم يسلمها إلى الموهوب له، وفي هبة وهبها لولده وسلمها أو لم يسلمها، وكراهة شرائه شيئاً تصدق به من الذي تصدق عليه، أو أخرجه عن زكاة أو كفارة أو نحوها، ولا بأس بشرائه من شخص آخر قد انتقل إليه". هذا الباب مع هذه الترجمة التي أطال في بيان ما تضمنه هذا الباب من كراهة أن يعود الإنسان في هبة أعطاها لغيره. والهبة هي ما يعطيه الإنسان غيره على سبيل التملك من غير مقابل. وأما إذا كان بمقابل فإنه يعتبر بيعاً. وإذا كان لأجل الانتفاع فترة من الزمن بمقابل ثم يعيده فهذا من باب الأجرة. وإذا كانت هذه الهبة والعطية إنما تسلم لصاحبها بعد الموت فهذه وصية. أما إذا كان يعطيها ويسلمها لصاحبها في حياته فهذه هبة، وتسمى أيضاً عطية. فلا يجوز لشخص أعطى شخصاً آخر شيئاً أن يعود في هذه الهبة، سواء كان قد استلمها الآخر أو لم يستلمها. وجاء في بعض الأحاديث استثناء هبة الوالد لولده. كذلك أيضاً يتصدق الإنسان بصدقة، فيجد هذه الصدقة التي تصدق بها على ذلك الفقير أو المسكين تباع، لا يجوز له أن يدخل ويشتريها. لماذا؟ لأن فيه معنى العودة في الهبة. فذلك الفقير والمسكين الذي عرض هذا الشيء للبيع لو رأى أن المشتري هو من أعطاه هذه الصدقة، ماذا سيكون حاله؟ سيحترج، وما سيساوم فيها، قال: "بمئة"، قال: "خذها، خذها، حتى ببلاش، عادي، لأنك أنت الذي أعطيتني إياها". أرأيت؟ ولهذا قالوا: لا يجوز أن يشتري الإنسان شيئاً هو قد تصدق به، أو أخرجه في زكاة، أو في كفارة، أو نحوها. ثم قال: "ولا بأس بشرائه من شخص آخر"، يعني غير الذي تصدق عليه، أو أعطاها إياه شخص آخر انتقلت إلى ملكه. قال رحمه الله تعالى: قال عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يعود في هبته...". لاحظ كيف صوره النبي صلى الله عليه وسلم ومثله بماذا؟ قال: "كالكلبي"، وليس كالكلبي فحسب، قال: "كالكلبي يرجع في قيئه، يقي ثم ما يلبث إلا ويعود إلى ذلك المقي فيأكله". هل رأيت شيئاً أقبح من هذا؟ متفق عليه. يعني: هكذا الذي يعطي العطية ثم يعود ويراجع عنها، هذا مثله كمثل الكلب يقي ثم يرجع ويعود إلى قيئه. قال: وفي رواية: "مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقي ثم يعود في قيئه فيأكله". قال: وفي رواية قال: "العائد في هبته كالعائد في قيئه، كالعائد في قيئه". وهذا يا إخوان فيه التشديد، وهكذا أبلغ الزجر في تحريم هذا الأمر. فهذا التشبيه يدل على قبح السوء، ومثل السوء ليس للمؤمن، ليس للمؤمن. وهكذا أيضاً فيه أنه لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته. وهذا الحديث وما كان في معناه ظاهره يدل على أن النهي إنما هو للتحريم. وقلنا: يستثنى من هذه الهبة التي لا يجوز العودة فيها ما إذا كانت من الوالد لولده. فقد جاء في حديث ابن عمر، وهكذا أيضاً جاء عن ابن عباس وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده". إلا الوالد إذا أعطى ولده شيئاً جاز له أن يرجع في هذه العطية وهذه الهبة. من يذكر مثالاً من السنة على ذلك؟ من يذكر مثالاً في السنة يدل على هذا المعنى؟ نعم، أحسنت: حديث النعمان بن بشير. نحل وأعطى ابنه... بشير والد النعمان أعطى ولده النعمان نحلة، يعني عطية. فقالت زوجته: لا أشهد على هذا حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب بشير والد النعمان وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل. فقال: "أكل ولدك نحلته مثله؟" قال: لا. قال: "أتحب أن يكون في البر سواء؟" قال: بلى. قال: "فسو بينهم". وفي رواية: "اذهب فأشهد عليه غيري، فإني لا أشهد على جور". فماذا استعاذها بشير رضي الله تعالى عنه؟ استعاذها بشير رضي الله عنه. وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". قال: فرجع فرد عطيته. أما غير الوالد فلا يجوز، غير الوالد لا يجوز أن يعود في صدقته أو يعود في عطيته وهبته. قال: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه... ما كنيته؟ نعم، عمر بن الخطاب، يا أبا تميم ما كنيته؟ أبو الفاروق... أين أبو الفاروق؟ نعم، أبو حفص. أبو حفص. وهل عنده ولد اسمه حفص؟ يا با محمد، لا ليس عنده ولد اسمه حفص، وإنما عنده بنت اسمها حفصة. وذكر العلماء لهذا أمثلة كثيرة في جواز أن يكتني الشخص باسم ليس له مثله ولد، ليس له مثله ولد. بل يجوز أن يتخذ الشخص له كنية ولو كان لم يتزوج، أو تزوج ولم ينجب، ولم ينجب له. مر النبي صلى الله عليه وسلم على أخي أنس بن مالك، وقد كان معه عصفور يلعب به، فمات، فقال له متلطفاً معه: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟" الطائر الذي معك، ما فعل؟. وهكذا يجوز التكني بأسماء البنات: واحد كنيته أبو مريم، آخر كنيته أبو ليلى، آخر كنيته أبو فاطمة، جائز. هذا مما يجوز. قال: عن عمر، ولقبه الفاروق. وذكروا أنه أول من لقب بأمير المؤمنين من الخلفاء الراشدين. قال: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "حملت على فرس في سبيل الله". ومعنى "حملت على فرس": أي تصدقت به، وجعلت غيري يركب عليه. قال: "حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده". فأضاعه، يعني: أهمله، ما أطعمه حق الإطعام. والفرس إذا لم يطعم ويعتنى به ماذا سيصير حاله؟ سيضعف ويتعب. قال: "فأضاعه الذي كان عنده"، أي الذي تصدق به عليه. قال: "فأردت أن أشتريه". يعني: تعب الفرس، وأراد صاحبه أن يبيعه. عمر وجده يباع. قال: "فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص". عمر يقول: ظننت أنه يبيعه برخص. سيبيعه برخص لأمرين اثنين، ما هما يا محمد؟ ما هما؟ الأول: سيبيعه برخص لسببين اثنين. الأول: لأن الفرس... ماذا؟ لأن الفرس... نعم، عبد الرحمن معنا. لماذا سيبيعه برخص لسببين اثنين؟ الأول: أن الفرس ما له أصبح تعبان، أصبح ضعيف، ليس كحاله الأول حين كان مع عمر يعتني به. الأمر الثاني الذي لأجله سيبيعه برخص... يا خان، مجاهد، لماذا؟ لأمر ذكر في أول الباب أنه... ماذا يا أبا طاهر معنا؟ طيب. الأمر الثاني: لماذا عمر الآن سيشتري، وما علاقة عمر بهذا الفرس؟ هو الذي... الأمر الأول: لأن الفرس تعبان أصبح هزيل. الأمر الثاني: لماذا عمر ظن أن صاحب الفرس سيبيعه له برخص؟ لأن عمر هو الذي... طيب، لا، بس يا أبا إبراهيم: لأن عمر هو الذي تصدق به عليه. تخيل شخصاً يعطيك شيئاً ويبقى معك مدة، طيب، مجاناً. ولو أعطاك إياه بمبلغ لكن ساعدك في المبلغ، ثم عزم على بيعه. أثناء عرض السلعة وإذا بك تظهر بين من يشتري، سيستحي صاحب السلعة، يقول: "إيش اللي جابوا هذا الآن؟ إيش اللي جابوا؟ إيش الإحراجات هذه؟". فماذا قال عمر؟ قال: "وظننت أنه يبيعه برخص لأن عمر هو الذي تصدق به على ذلك البائع". لاحظ. قال: "فسألت النبي صلى الله عليه وسلم"، يعني: يا رسول الله، أشتريه أو لا أشتريه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم". خيص جداً. "وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه". متفق عليه. قال: قوله: "حملت على فرس في سبيل الله"، معناه: تصدقت به على بعض المجاهدين، تصدقت به على بعض المجاهدين. فهذا فيه بيان فضل الصدقة في سبيل الله. وهكذا أيضاً الإعانة على الغزو والجهاد بكل ما يستطيعه الإنسان. كذلك أيضاً فيه: تحريم الرجوع في الصدقة. وأيضاً فيه جواز بيع الهبة والعطية والصدقة. وما يقال: "الهبة والهدية لا تهدى ولا تباع"، هذا ليس عليه دليل. شخص أعطى آخر هدية أو تصدق بشيء على آخر، فهذا يعتبر ملكاً له، أن يهدي به غيره، له أن يتصدق به على غيره، له أن يبيعه على غيره. لكن من الأدب يا إخوان أن الشخص... يعني: ماذا؟ يحافظ على الهدية. لأن الشخص الذي أعطاك هذه الهدية يريدك أن تنتفع بها، فلو رآها مع غيرك قد يقع في نفسه شيء. لكن من حيث الجواز يجوز التصرف فيها. طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر