التعليق على كتاب العلم  41

التعليق على كتاب العلم 41

الدرس في التعليق على كتاب العلم 41، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم الاحتجاج بأقوال العلماء المعذورين في العقيدة

بيّن ابن عثيمين أن العلماء السابقين كابن حجر والنووي يُعذرون في أخطائهم العقدية لعدم قيام الحجة عليهم وشيوع مذهب الأشاعرة في زمانهم، أما من جاء بعدهم وبلغه الحق ووضحت له عقيدة السلف ثم تمسك بالخطأ محتجًا بأقوالهم فلا يُعذر. كما حذر من الغلو في تكفير أولئك العلماء أو إحراق كتبهم، مؤكدًا أن الحق واضح لمن صلحت نيته وحسن منهجه.

تحذير من التعصب للأشياخ ووجوب دراسة العقيدة والقدر

يحذر المقطع من اتباع الهوى والتعصب لآراء الأشياخ والآباء رغم ظهور الحق، ويؤكد على وجوب تجرد طالب العلم للحق وسؤاله لأهل العلم. كما يشدد على ضرورة دراسة العقيدة عمومًا وباب القدر خصوصًا، لأن قوة العقيدة سبب للثبات، وضعفها يورد المهالك، ولا يُعذر المرء بترك دراستها خوفًا من الزلل بل عليه أن يتعلمها على يد أهل الاختصاص وفق منهج أهل السنة.

أهمية تقديم علم العقيدة على سائر العلوم والتركيز على القدر والإخلاص

يؤكد المقطع على وجوب الاهتمام بعلم العقيدة وتعلمها من علماء راسخين، وأن تأخير علوم أخرى غير العقيدة جائز إذا كان الهدف التفرغ للعقيدة. كما يبين أن مسائل القدر ليست مشكلَة بل وساوس، وأن الخلل يكمن في غفلة الناس عن الإخلاص (لمَ) وانشغالهم بالمتابعة الشكلية (كيف) فقط.

خاتمة الدرس وتأجيل تفصيل مسائل العقيدة والإخلاص والتوحيد

يختتم المتحدث الدرس مشيرًا إلى أن التساؤل بـ"لم" يرتبط بجوانب العقيدة والإخلاص والتوحيد، ويؤكد أنه سيزيد في بيان هذه المسألة في درس قادم، مختتماً بقوله: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: الحصر الثاني، فتاوى حول العلم. قال: سئل فضيلته حفظه الله: هل يُعذر طلبة العلم الذين درسوا العقيدة على غير مذهب السلف الصالح، محتجين بأن العالم الفلاني أو الإمام الفلاني يعتقد هذه العقيدة؟ فأجاب فضيلته بقوله: «هذا لا يُعذر به صاحبه حيث بلغه الحق». فقوله: «حيث بلغه الحق»، أن العالم الفلاني الذي وقع عنده خلل في العقيدة يُنظر؛ لعل سبب هذا الخلل وسبب هذا الخطأ أنه لم يُبين له، ولم تُقم عليه الحجة، فلذلك وقع في هذا الخطأ. فمن أتى بعده ممن بُيِّن له ووضِّح له عقيدة السلف ثم يتعمد مخالفتها، فهذا لا شك يختلف. فمثلًا الحافظ ابن حجر والإمام النووي وغيرهما من علماء أهل السنة، ولكن وقعوا في شيء من الأخطاء في باب الأسماء والصفات، أو في باب الصفات، فأول بعض الصفات أو إلى غير ذلك. فاعتذر لهم العلماء بأنه لم يُبين لهم في وقتهم مذهب السلف، فكان المذهب السائد في زمانهم مذهب الأشاعرة، فوقعوا في شيء من هذه الأخطاء. فما يأتي مثلًا طالب بعدهم ويقول: أنا مثل الحافظ أو مثل الإمام النووي، كما يفعل بعض المتصوفة إذا حاجه شخص وبين له عقيدة السلف، قال: لي سلف في هذه العقيدة، يعني عقيدة الأشاعرة، ويستدل ويحتج بمثل هذين الإمامين، فهذا خطأ. وكذلك من الخطأ أن يُعدَّ الحافظ والإمام النووي من علماء أهل البدع كما يفعل الحدادية الغلاة؛ فإنهم يعدونهم من المبتدعة، وربما أمروا بحرق كتبهم، كفتح الباري، وكذلك شرح النووي لصحيح مسلم. فهذا أيضًا من الخطأ. فلا يُعتذر بزلة العالم على الاستمرار في الخطأ؛ يُعتذر للعالم في خطأه، ولكن لا يُعتذر للمتبع له على الاستمرار في ذلك الخطأ. فهذا معنى قوله: «هذا لا يُعذر به صاحبه حيث بلغه الحق»؛ لأن الواجب عليه أن يتبع الحق أينما كان، وأن يبحث عنه حتى يتبين له. ولله الحمد والمنة في هذه الأزمان علماء السنة كثر ومنتشرون، وعقيدة السلف سائدة، فما ينبغي لمبتغي الحق وطالبه أن يُعتذر بمثل هذه الأعذار. قال الشيخ: والحق ولله الحمد ناصع بين لمن صلحت نيته، فالذي نيته الحق وإصابة الحق فإنه يقنع بما بينه أهل الحق، يقنع بما بينه أهل الحق. قال: والحق ولله الحمد ناصع بين لمن صلحت نيته وحسن منهاجه؛ فإن الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾. فالحق سبله ميسرة، لكن لمن يسر الله عز وجل له ذلك، وذلك بصلاح نيته وحسن منهجه. قال: ولكن بعض الناس كما ذكر الأخ السائل يكون لهم متبوعون معظمون لا يتزحزحون عن آرائهم، مع أنه قد ينقدح في أذهانهم أن آراءهم ضعيفة أو باطلة، لكن التعصب والهوى يحملهم على موافقة متبوعيهم، وإن كان قد تبين لهم الهدى. وهذا هو الواقع في حال كثير من هؤلاء الذين جانبوا طريقة السلف ومنهج السلف. فلو بيّنت له يقر أمامك، ففي النهاية يقول: هذا ما وجدنا عليه الأشياخ، وهذا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد، فيحتج لك بهذه الحجة، وربما في قرارة نفسه أن منهج أشياخه وطريقة أشياخه طريقة غير صحيحة ولا يقبلها العقل، وفيها من الخرافات، وفيها كذلك من الأمور التي لا تقبلها الفطرة فضلًا عن الدين والشرع. ومع هذا يحمله التعصب والهوى على الاستمرار في هذا الخطأ. فيحذر طالب العلم من اتباع الهوى، فيجب عليه أن يتجرد للحق، وأن يبحث عن الحق، وأن يسأل أهل الحق سؤال مسترشد، سؤال طالب للحق. وسئل فضيلته، أو وسئل فضيلة الشيخ، عن من لا يحب دراسة العقيدة، خصوصًا مسألة القدر، خوفًا من الزلل. فأجاب بقوله: هذه المسألة كغيرها من المسائل المهمة التي لا بد للإنسان منها في دينه ودنياه، ولا بد أن يخوض غمارها، وأن يستعين بالله تبارك وتعالى على تحقيقها ومعرفتها حتى يتبين له الأمر؛ لأنه لا ينبغي أن يكون على شك في هذه الأمور المهمة. فأمور العقيدة ينبغي لطالب العلم أن يوليها جل اهتمامه، لا يغفلها، ولا يقصر في دراستها. لا بد أن يكون له ولو درس واحد في اليوم في العقيدة، والاهتمام بأمر العقيدة، سواء أكان في توحيد الألوهية، أو في توحيد الأسماء والصفات، أو في أفعال العباد، أو في القدر، أو في غيرها من مسائل العقيدة، فهذا أمر لا بد منه. فعقيدة المرء من أعظم أسباب ثباته. أما إذا كان مزعزع العقيدة وضعيف العقيدة، ربما أي شبهة وأي فتنة تكون سببًا في انحرافه، وفي زيغه وضلاله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهنا الشيخ أشار إلى أهمية تعلم العقيدة، خصوصًا باب القدر، وأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء بقدر، وأن الإنسان لا يستدل على القدر، أو لا يستدل على فعل المعاصي بالقدر، وإنما يتخذ الأسباب الشرعية، ويعلم أن مشيئته تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، فيحقق مسائل القدر كما جاءت في منهج أهل السنة والجماعة بمراتب القدر الأربعة، وهذه لها تفاصيل تدرس في كتب العقيدة. فلا تقول: أنا لست بحاجة إلى دراسة هذا الباب لأنني أخشى من الزلل وأخشى من الخطأ. نعم، تخشى من الزلل إذا درستها وحدك، أو درستها عند شخص ليس بمتمكن في العقيدة. أما إذا سمعت كبار العلماء ومن رسخت قدمه في علم العقيدة، فاطمئن واعلم أن هذا العالم سيبين لك هذه العقيدة صافية نقية كما جاءت عن نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: أما المسائل التي لا تخل بدينه لو أجلها، ولا يخشى أن تكون سببًا لانحرافه، فإنه لا بأس أن يؤجلها ما دام غيرها أهم منها. يعني العلوم الأخرى غير علوم العقيدة، أو غير علم العقيدة، لو أخرها الإنسان لا بأس. لكن يؤخر أمر العقيدة، ويهمل أمر العقيدة، ولا يهتم بدراسة العقيدة، فهذا أمر خطير. ليس عليك جناح لو أجلت علم الفرائض، أو أجلت مثلًا علم الأصول، أصول الفقه، أو أجلت علم النحو، أو أجلت علم مثلًا... ماذا يعني: علوم الآلة الأخرى، المصطلحة وغيره، فلا جناح عليك إذا كان قصدك من ذلك التركيز والاهتمام على جانب العقيدة. وإلا فطالب العلم يرتب وقته، فيجعل من وقته نصيبًا في دراسة العقيدة، ويجعل من وقته نصيبًا كذلك في دراسة العلوم الأخرى التي ينتفع بها. قال: ومسائل القدر من الأمور المهمة التي يجب على العبد أن يحققها تمامًا حتى يصل فيها إلى اليقين. نعم، فهذا حث من الشيخ رحمه الله على تعلم العقيدة، وخاصة مسائل القدر، وتدرسها عند عالم من علماء السنة، أو عند طالب علم متمكن من علم العقيدة. قال: وهي في الحقيقة ليس فيها إشكال، والله الحمد، وإنما هذا وساوس من بعض الناس، يقول: دراسة القدر فيه إشكال، وربما تزل فيها الأقدام، وأنا أخشى أنني أزل إذا درست وتعمقت في دراسة هذا الباب، وإلى غير ذلك. فالشيخ يقول: وهي في الحقيقة ليس فيها إشكال، والله الحمد. والذي يثقل دروس العقيدة على بعض الناس هم أنهم، مع الأسف الشديد، يرجحون جانب كيف على جانب لِمَ. ومعنى كيف: يسأل بها عن المتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام. وَلِمَا: يسأل بها عن الإخلاص. ومعنى قول الشيخ: أن بسبب عدم إخلاص كثير من الناس في عباداتهم، وعدم رسوخ العقيدة الصحيحة في قلوبهم، كان هذا سببًا في إيراد مثل هذه الشبه، ومثل هذه الإيرادات. قال: والإنسان مسؤول عن عمله بأداتين من أدوات الاستفهام: لِمَ وكيف. فَلِمَ عملت كذا؟ هذا الإخلاص. لِمَ عملت كذا؟ هذا الإخلاص. وكيف عملت كذا؟ هذه المتابعة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وأكثر الناس الآن مشغولون بتحقيق جواب كيف، غافلون عن تحقيق جواب لِمَ، يعني غافلون عن الإخلاص، غافلون عن الإخلاص وعن العقيدة؛ لأن الإخلاص بمعنى توحيد الله عز وجل في ألوهيته، وفي ربوبيته، وفي أسمائه وصفاته، وفي كذلك القصد. قال: ولذلك تجدهم في جانب الإخلاص لا يتحرون كثيرًا، وفي جانب المتابعة يحرصون على أدق الأمور. فالناس الآن مهتمون كثيرًا بهذا الجانب، غافلون عن الجانب الأهم، وهو جانب العقيدة وجانب الإخلاص وجانب التوحيد. فهذا هو الذي يسأل عنه بِـلِمَ: لِمَ فعلت كذا؟ جانب العقيدة، جانب الإخلاص، جانب التوحيد. وسيبين زيادة بيان في هذه المسألة، فنؤجل ذلك إن شاء الله إلى درس قادم. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر