كتاب الجنائز 8

الدرس في كتاب الجنائز 8، ألقاها

تفاصيل تكفين المرأة والجارية ومعالجة شعرها

يتناول تكفين المرأة بخمسة أثواب والجارية بثلاثة، مع شرح كيفية التعامل مع شعر المرأة بعد الغسل. يُضفر شعر المرأة ثلاثة قرون ويُلقى خلفها.

حكم الإسراع بالجنازة وضابطه

يستحب الإسراع بالجنازة بعد وضع الميت فيها، مع اختلاف العلماء في ضابط هذا الإسراع بين المشي المعتاد والمشي السريع.

اتباع الجنازة وأنواعه وأحكامه

اتباع الجنازة على ثلاثة أضرب: الصلاة عليها، اتباعها حتى الدفن، والوقوف بعد الدفن للدعاء. يُستحب اتباع الجنازة مع اختلاف آراء العلماء في الأفضل بين المشي قبلها أو خلفها.

ختام الدرس والدعاء والاستغفار

يشير إلى انتهاء الدرس ويختم بالدعاء والاستغفار، ويُظهر المساواة في فهم الأمور الواضحة، ويتوجه إلى الله بالتسبيح والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس الماضي كلام على عدة مسائل من مسائل غسل الميت، وكذلك تكفينه. ومن المسائل التي لم تأخذ معنا بعد مسألة وهي أن المرأة تكفن بخمسة أثواب. مر معنا أن المستحب للرجل أن يكفن بثلاثة أثواب، وأما المرأة فذهب كثير من أهل العلم إلى أنها تكفن بخمسة أثواب. وهذا القول قول النخعي والشعبي وابن سيرين والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وهو قول جماهير أهل العلم من السلف والخلف. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وكذلك نقول يكون درع وخمار ولفافتان وثوب لطيف يشد على وسطها يجمع ثيابها. هذه مسألة فيها أن المرأة تكفن بخمسة أثواب، المرأة تكفن بخمسة أثواب بخلاف الرجل كما مر معنا أنه يكفن بثلاثة أثواب. وما هي هذه الأثواب؟ قال ابن المنذر رحمه الله: يكون درع، الدرع هو الثوب الذي تلبسه المرأة، وقد يكون سابغا غليظا وقد يكون خفيفا. وخمار، الخمار معروف ما يخمر به الرأس. ولفافتان، كما تقدم معنا في درس أمس أنها كذلك تغطى بلفافتان، وهي الأثواب المعروفة، وهي تكون مفتوحة كالإحرامات. الأكفان معروفة الآن عندنا الحمد لله. وثوب لطيف يشد على وسطها يجمع ثيابها. وكان عطاء بن أبي رباح يقول: تكفن في ثلاثة أثواب، درع وثوب تحت الدرع تلف به، وثوب تلف فيه. وهذا قول عطاء. وقال سليمان بن موسى: درع وخمار ولفافة تدرج فيها. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: وإنما استحب ذلك، أي استحب أن تكون المرأة تكفن بخمسة أثواب، قال: لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت. فالحاصل أن هذا هو كفن المرأة، وهذا الذي عليه العمل، وهذا الذي عليه عمل الناس اليوم. أن المرأة تكفن بدرع سابغ وهو الثوب، وكذلك خمار، وكذلك لفافتان، وثوب بعد أن تلبس هذه الأشياء تكفن كما يكفن الرجل، وكما ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله، هذا من المبالغة في ستر المرأة أثناء التكفين أشد من ستر الرجل. طيب، المسألة التي تليها: في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ؟ الجارية إذا لم تبلغ في كم تكفن؟ أي هل تكفن كالمرأة أم أنها دون المرأة؟ قال أحمد رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله: في لفافتين وقميص، لا خمار فيها. قال: وكفن ابن سيرين بنتا له قد أعصرت، أي قاربت المحيض، في قميص ولفافتين. واضح هذا. لماذا لم تخمر؟ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لأنها لم تبلغ، لأنها لم تبلغ. وإنما الخمار للمرأة إذا بلغت، في الصلاة. الحديث المشروح: «لا صلاة لحائض إلا بخمار»، حديث أم سلمة. وقد جاء من طريقين يتقوى بمجموعهما. المسألة أن البنت إذا لم تبلغ وقاربت السن المحيض فإنها تكفن كتكفين المرأة إلا القميص، فيكون على ذلك تكفن بثلاثة أو بأربع قطع، بلفافتين وقميص كما قال رحمه الله تعالى، لا خمار فيها. وهل يحتاج إلى وسط؟ إن يحتاج إلى ذلك كذلك يفعل بذلك الوسط، أي الثوب الذي يستر وسطها. المسألة التي تليها، وهذه يا جماعة المسائل تحتاج إلى نوع تصور، تحتاج إلى نوع ماذا؟ تصور، لأن بالتصور يظهر الحكم عليها. طيب، مسألة: ألصقت لها شعر المرأة يضفر ثلاثة قرون ويزدل من خلفها. واضح جماعة، المرأة إذا غسلت، تغسيلها كتغسيل رجل كما مر معنا فيما سبق، إلا أن تغسيل المرأة يزاد على ذلك أن شعرها إذا كان معقوصا يفتح وينشر ويغسل بماء وصابون، ثم بعد ذلك يعمل لها ثلاثة ضفائر. قال أهل العلم في هذا: قالوا إن شعر الميتة يغسل، وإن كان معقوصا نقضا ثم غسل ثم يضفر ثلاثة قرون، قرنيها وناصيتها، القرنين الذين هم في وسط الرأس، عن جانبي الرأس. قال: وناصيتها، أي مقدمة الرأس، فيكون من ثلاثة قرون، من قرنيها ومن ناصيتها. قالوا: ويلقى من خلفها، أي بعد أن تعمل هذه الضفائر تلقى من خلف المرأة، وهي تكون مستلقية عند التكفين. وبهذا قال الشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم. وأما الأوزاعي رحمه الله وأصحاب الرأي فقالوا: لا يضفر، ولكن يرسل مع خديها من بين يديها من الجانبين. واضح جماعة، الأوزاعي وأصحاب الرأي يقولون: لا يضفر، ولكن يزدل، يجعل من جهة خدها الأيمن ومن جهة خدها الأيسر، من بين يديها، أن يكون على صدرها. قالوا: لأن ظفره يحتاج إلى تسريحها، لأن ظفرها يحتاج إلى تسريحها، فيتقطع شعرها ويتنتف. فهذان قولان في المسألة، القول الأول أنها تضفر إلى ثلاثة قرون، والقول الثاني أنها تزدل، أنه يغسل ويزدل ويكون على من بين خديها، وبين يديها. وما هو الصحيح من هذين القولين؟ الصحيح من هذين القولين القول الأول، لحديث أم عطية رضي الله عنها في صفة غسل بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها أنها قالت: «ظفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها»، متفق عليه. وفي لفظ مسلم قالت: «فظفرنا شعرها ثلاثة قرون، قرنيها وناصيتها». وهذا نص كما ترون في المسألة أن شعرها قد ظفر وأنقي من خلفها. قال: وللبخاري: «جعلنا رأس بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة قرون، نقضناه ثم غسلناه ثم جعلناه ثلاثة قرون». وهذا كما هو ظاهر بإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي علمهم صفة الغسل، هو الذي علمهم صفة الغسل كما في حديث أم عطية، قال لهم: «اغسلها»، أو قال لهم: «ابدأوا بميامنها وأماكن الوضوء منها». وقال: «اغسلناه ثلاثا أو خمسا أو سبعا، إن رأيتن ذلك». وفي رواية: «وإن رأيتن أكثر من ذلك». فالحاصل أن هذا هو الصحيح لحديث أم عطية رضي الله عنها وأرضاها، من أن المرأة تظفر شعرها إلى ثلاثة قرون. فإن ماتت وهي وكان شعرها على ثلاثة قرون، فماذا يصنع بها؟ الجواب: نعم، الدليل ما ذكرناه الآن في حيث في رواية البخاري أنه قال: «جعلنا رأس بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة قرون، قالت: نقضنه ثم غسلنه ثم جعلنه ثلاثة قرون». يحتمل أن تكون ماتت على هذه الهيئة، ويحتمل أن تكون ماتت وكان شعرها معقوصا ففتح ثم غسل ثم عمل على هذا الوصف. فالحاصل أن هذا الوصف يستحب، فإن لم يفعل فلا شيء، أن هذا الفاعل من مستحبات الغسل. فإن فعل فهو أمر مستحب، وإن لم يفعل، بمعنى أنها إذا غسلت المرأة فالعبرة بماذا؟ بالغسل. واضحة جماعة، فهو أمر من مستحبات الغسل، إذا بدأنا المسألة بأنه يستحب ذلك. طيب، المسألة التي تليها: يستحب الإسراع بالجنازة إذا وضع الميت في الجنازة، فإنه يستحب الإسراع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرع بالجنازة». واختلف العلماء في الإسراع المستحب، أي في ضابط ذلك الإسراع المستحب. فقيل: المستحب إسراع لا يخرج عن المشي المعتاد، لا يخرج عن المشي المعتاد، وهو قول الشافعي واختيار القاضي من الحنابلة. وقال أصحاب الرأي وغيرهم: يخب ويرمل، ومعنى الخب والرمل: المشي بخطى سريعة متقاربة. قال أصحاب الرأي وغيرهم: يخب أو يرمل، لما روى أبو داود عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: كنا في جنازة عبد الرحمن بن سمرة، فكنا نمشي مشيا خفيفا، أي معتادا على العادة. قال: فلحقنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فرفع صوته فقال: لقد رأيتنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لنكاد نرمل رملا، أي نكاد نسرع إسراعا. فهذا حديث كما هو ظاهر فيه دلالة على أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الإسراع بالجنازة على هذا الوصف، وهو الذي كما ترون أمر به أبو بكر وحث عليه. والحديث أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم بإسناد صحيح. واضح جماعة، الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وإسناد صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. أصحاب القول الأول، أصحاب القول الأول الذين قالوا: يمشى بمشي المعتاد، استدل كذلك بأدلة. من هذه الأدلة ما رواه أحمد وغيره عن أبيء موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بالقصد في جنائزكم». معروفة جماعة، المخض: تهتز في اهتزاز كما يمخض الماء، أي التحرك تحركا واضحا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالقصد في جنائزكم». وهذا الحديث رواه كما سمعتم أحمد وغيره، ولا يصح لأنه من طريق بن أبي سليم، وهو ضعيف. وأيضا استدل هؤلاء بحديث ابن مسعود رضي الله عنهم قال: «سأل نبينا صلى الله عليه وسلم عن السير بالجنازة، فقال: السير ما دون الخبر، فإن يكون خيرا تعجل إليه، وإن يكون سوى ذاك فبعدا لأهل النار، الجنازة متبوعة ولا تتبع، ليس منها من تقدمها». رواه أحمد وأبو داود. وقال أبو داود: وهذا كوفي، وأبو ماجد بصري، قال أبو داود: لا يعرف. وقال الترمذي: سمعتم محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، أي حديث أبي ماجدة. فالحاصل أن الحديث ضعيف، حديث عبد الله بن مسعود أيضا ضعيف. استدلت ذلك أصحاب القول الأول بحديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تبع جنازة قال: انبسطوا بها، ولا تدبوا دبيب اليهود بجنائزها». واضح هذا جماعة، انبسطوا: أي اسرعوا بها، ولا تدبوا: أي امشوا مشيا منبسطا، امشوا مشيا معتدلا، ولا تدبوا دبيب اليهود بجنائزها. وهذا الحديث أيضا رواه أحمد وغيره، وإسناده ضعيف جدا، فيه عبد الحكيم قائد سعيد بن أبي عروبة، وهو متروك الحديث. واستدل كذلك أصحاب القول الأول بما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس، وهو أصح ما استدل به أصحاب القول الأول. ما جاء عن ابن عباس في جنازة ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، أم المؤمنين، أنه قال: «فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا ولا تزلزلوا، وارفقوا». واضح جماعة، أي معناه: أنكم قال في الحديث: «فإنها أمكم». ومعنى هذا أنه ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه أوصاهم بماذا؟ بأن لا يزعزعوا، وأن لا يزلزلوا، وأمرهم بماذا؟ بالرفق. وهذا كما ترون أصح ما استدل به أصحاب هذا القول. وعلى كل، فالقول الثاني أقوى من حيث الدليل، والقول الأول قوي من حيث التعليل، أي لما يحصل للميت من الزعزعة وكذلك الزلزلة، فهذا ليس مطلوبا. مع ما جاء في أثناء ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه الذي يدل على هذا المعنى. فإذن، الرمل الذي هو الرمل، الرمل الذي هو المشي وهو الهرولة بالجنازة، مع مراعاة عدم الزعزعة بالجنازة، هذا هو المطلوب، وهذا هو السنة. واضحة جميع عملاء، أي المشي السريع مع المحافظة على ماذا؟ على أن لا تتزعزع الجنازة، على أن لا تتزعزع الجنازة، فهذا مطلوب. ويدل عليه ما ترون مجموع هذين القولين، القول الأول من حيث المعنى، والقول الثاني من حيث الدليل. ومن حيث كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في زمن الصديق. فإذا في هذه المسألة يكثر فيها كما ترون ونرى من بعض الإخوان شيء من هذا، ربما حركت الجنازة يمينا وشمالا، وهذا طويل وهذا قصير، ساعة الميت ينتقل إلى الجهة اليمنى، وأخرى ينتقل إلى الجهة اليسرى، فهذا ليس بمستحسن. فينبغي أن يراعى في حمل جنازة القصد والاعتدال، مع مراعاة الإسراع، مع مراعاة الإسراع دون زعزعة، ودون كذلك زلزلة بالميت. والله تعالى أعلم. المسألة التي تليها، وهي مسائل كثيرة يشملها مسائل اتباع الجنازة، وتحتها مسائل، وتحتها مسائل. الأولى: يعني في اتباع الجنازة، تحتها ماذا؟ تحتها مسائل كثيرة، فيما يتبع الجنازة، تحتها مسائل كثيرة. نأخذ منها ما تيسر. أولى هذه المسائل: مسائل اتباع الجنازة، أن اتباع الجنازة على ثلاثة أضرب. أن اتباع الجنازة على ثلاثة أضرب، والأصل في هذا حديث البراء في الصحيحين، حديث البراء بن عازب في الصحيحين، قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنازة». وكما سمعتم، ذكى العلماء رحمهم الله تعالى هذا الاتباع، قالوا: على ثلاثة أضرب. الأول: أن يصلي عليها ثم ينصرف، هذا يقال بأنه تبع الجنازة. واضح جماعة، أن يصلي عليها ثم ينصرف. قال زيد بن ثابت: «إذا صليت فقد قضيت الذي عليك»، لأن المطلوب الدعاء والشفاعة له بالصلاة. وقال الإمام أبو داود: «رأيت أحمد ما لا أحصي صلى على جنائز ولم يتبعها إلى القبر، ولم يستأذن أهل الميت»، يقول لهم: «أنا سأنصرف»، بل يصلي وماذا وينصرف. ويدل عليه ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «من تبع الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط». فالشيء منه: «من تبع الجنازة حتى يصلى عليها»، فحتى غاية. «فمن صلى عليها ثم انصرف فله قيراط». وهذا هو الضرب الأول من الاتباع للجنازة. الضرب الثاني: أن يتبعها إلى القبر، أن يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان». قيل: «وما القيراطان؟» قال: «مثل الجبلين العظيمين»، متفق عليه. هذه أو هذه الحالة الثانية: أن يتبعها من البيت إلى ماذا؟ إلى المسجد، ثم من المسجد إلى ماذا؟ إلى أن تدفن. هذه الصورة الثانية، وله قيراطان. فإن تبعها من المسجد، أي صلى عليها وتبعها من المسجد حتى تدفن، فله ماذا؟ فله قيراط، لحديث أبي هريرة: «ومن صلى عليها ثم تبعها حتى تدفن فله قيراط». واضح جماعة، فإذن هذه أو هذه الصورة الثانية من الاتباع. الضرب الثالث: قالوا: أن يقف بعد الدفن فيستغفر له ويسأل الله له التثبيت ويدعو له بالرحمة، لما روى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان إذا دفن الميت وقف وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل»، رواه أبو داود وغيره، صححه العلامة الألباني وغيره. وهذا أكملها وأتمها، وهذا أكملها وأتمها. واضح هذا جماعة. إذن عندنا ثلاث حالات: الأولى أن ينطلق معها فيصلي عليه ثم ينصرف، أو يتبعها فيصلي عليها ثم ماذا؟ ينصرف. إما أن يخرج معها من البيت، وإما أن يلحقها في المصلى أو في المسجد فيصلي عليها ثم ينصرف. هذا يقال بأنه ماذا؟ قد حصل له معنى الاتباع. الثاني: أن يتبعها من البيت إلى أن تصلى إلى المقبرة حتى تدفن كذلك، هذا اتباعه، وهو أتم وأكمل من الثاني، وله ماذا؟ وله قيراطان. وأتم من هذا أن ينتظر بعد الدفن، فإذا دفنت وفرغ من الدفن، بقي واستغفر لذلك الميت. وهذا أكملها، وهذا أكملها وأتمها. والكل يشمله لفظ اتباع، والكل يشمله لفظ الاتباع والاتباع. واتباع الجنازة كما هو معلوم: اتباع الجنازة من أمور مستحبة، وحمل الجنازة من الأمور أو من الواجبات الكفائية. اتباع الجنازة مستحب، وحملها من الواجبات الكفائية، كما تقدم أن مسألة غسل الميت وتكفينه واتباع الجنازة وحمل الجنازة، وكذا الصلاة عليه، وكذا دفنه من فروض ماذا؟ من فروض الكفايات. إن قام بها البعض سقط عن الآخرين، وإن تركها الكل سقط على من كان قادرا على القيام بها. أو من إذا لم يعمل أو لم يقم بها أحد، كان الإثم على من كان قادرا على القيام بها وتركها، لأن من فروض كفاية. طيب، مسألة أخرى، أو المسألة الثانية من مسائل اتباع الجنازة: الأفضل المشي قبل الجنازة أو خلفها؟ واضحة جماعة، ما هو الأفضل أن يمشي الإنسان في الجنازة قبلها أو أن يمشي خلفها أو أن يمشي معها عن يمينها أو عن شمالها؟ واضحة جماعة. ذهب كثير من أهل العلم إلى الأول، إلى أن الأفضل المشي قبل الجنازة. ويروى هذا عن الخلفاء الأربعة إلا علي رضي الله عنهم أجمعين. وبه قال ابن عمر وأبو هريرة، وفي طائفة آخرين من الصحابة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. هؤلاء كلهم يقول: أفضل ماذا يا جماعة؟ أن يمشي بين يدي الجنازة، أن يمشي قبل الجنازة. وذهب علي بن أبي طالب إلى أفضلية المشي خلفها، وبه قال الأوزاعي وأصحاب الرأي. واضحة جماعة، وقد استدل كل فريق بأدلة، ولا يخلو شيء منها مما قال. وعلى هذا، فلو أن يمشي قبلها أو بعدها، ولا دليل على أفضلية أحدهما. والله تعالى أعلم. هذا هو الذي رجحه شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، من أنه لا دليل على أفضلية المشي بين يدي الجنازة أو من خلفها. وعلى هذا، فمن مشى قبلها فلا شيء عليه، فقد أدى الذي عليه. ومن مشى خلفها كذلك. واضحة جماعة، فلا فضل في هذا لأحد على أحد. والله تعالى أعلم. طيب، إلى هنا... سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على