كتاب الجنائز 7

الدرس في كتاب الجنائز 7، ألقاها

غسل الميت وتفاصيله

يتم غسل الميت بماء وسدر ويوضأ مرة واحدة، ويستحب تكرار الغسل ثلاث مرات. إذا خرجت نجاسة بعد الغسل، يعاد الوضوء وقد يلزم إعادة الغسل.

كيفية تكفين الميت وعدد الأثواب

يستحب تكفين الميت في ثلاثة أثواب بيض مع وضع حنوط وكافور، ويجعل الحنوط بين الأثواب. الأفضل أن يكون الكفن أبيض كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

تفاصيل تكفين الميت وتوجيهات عند الاضطرار

يشرح كيفية تكفين الميت وفقا للسنة، ويجيز تكفين الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد عند قلة الأكفان، والنظر إلى الميت بعد تكفينه وتقبيله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. فتتميما لمسائل أحكام الجنائز من كتاب عمدة الأحكام، وكانت آخر مسألة معنا في الدرس الماضي المسألة السادسة، وهي: ويصب الماء عليه فيبدأ بميامنه ويقلبه على جنبيه ليعم الماء سائر جسمه. واليوم نأخذ المسائل التي تليها بإذن الله جل وعلا. المسألة السابعة: يغسل الميت أو يغسل الميت بماء وسدر، ويجعل في الآخرة كافورا، ويوضأ مرة فقط. معنى هذه المسألة أن الميت يغسل بماء وسدر كما هو ظاهر حديث أم عطية رضي الله عنها وأرضاها، الذي مر معنا في عمدة الأحكام، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء اللاتي غسلن ابنته: «اغسلنها بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور». وجاء في بعض الرواية أنه قال: «ابدأنا بميامنها وأماكن وضوء منها». ويوضأ مرة فقط، بمعنى أنه يوضأ مرة واحدة في الغسلة الأولى. ولا يوضأ في كل غسلة. قال العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة: الواجب في غسل الميت مرة واحدة؛ لأنه غسل واجب من غير نجاسة أصابت، فكان مرة واحدة كغسل الجنابة والحيض. هذا هو الواجب، وهو أقل المجزئ. وأقل المجزئ أن يغسل الميت غسلة واحدة. ويستحب أن يغسل ثلاثا، كل غسلة بالماء والسدر، ويجعل فيه الماء كافورا في الغسلة الثالثة أو في الغسلة الأخيرة. إن احتاج إلى أكثر من ثلاث، قالوا: ليشده ويبرده ويطيبه الكافور؛ قال: من فوائده أنه يشد جسد الميت، وأيضا يبرده، فإذا أبرده كان سببا لتأخيره عن التعفن، بخلاف ما إذا كان ساخنا، ربما أدى إلى تغير الجسد. وكذلك يطيبه؛ لأن فيه طيبا، فيه رائحة طيبة. قال: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسلنها بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا». حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء ذلك، حينما غسلن ابنته رضي الله عنها ورضي الله عنهن. قال: ولا يجعل في الماء سدر صحيح. ما معنى السدر الصحيح؟ أي: الغير المطحون. السدر الصحيح: الغير المطحون. وقد جاء أو سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن قوم يصلون الميت، فيضعون على الماء سبع ورقات من السدر، قال: «ما هذا؟ أو ما يغني هذا؟». وأنكر ذلك؛ لأن المقصود من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يغسلن بماء وسدر»: أن السدر فيه خاصية على التنظيف. السدر فيه خاصية على التنظيف. وكما مر معنا: أنه إذا كان كذلك، فإنه يستعمل ما كان في معنى السدر من المطهرات التي تعين على تنظيف جسد الميت. المهم أنهم قالوا: لا يجعل في الماء سدر صحيح، وإنما يجعل المطحون؛ لأنه هو المستعمل للتنظيف. قال أحمد: «ويوضأ الميت مرة واحدة في الغسلة الأولى». وما سمعنا إلا أنه يوضأ مرة واحدة. قال ابن قدامة رحمه الله: «وهذا والله أعلم ما لم يخرج منه شيء». ما لم يخرج منه شيء، أي: بقي على علمه وعليه، فلم يخرج منه شيء. قال: «وما خرج منه شيء أعاد وضوءه». أعاد وضوءه؛ لأن ذلك ينقض الوضوء من الحي، ويجب عليه. ويجري عليه. واضح: كأنه يقول: وكذلك ينبغي أن يعاد الوضوء في حق الميت، قياسا على الحي. ولكن هذا من باب ما يقال: ليس من باب الوجوب؛ لأن الميت لا تكليف عليه. ولكن من باب الفضل. وإن رأى الغاسل أن يزيد على ثلاث، لكونه لم ينق بذلك أو غير ذلك، غسله خمسا أو سبعا، ولم يقطع إلا على وتر. واضح: إن غسله وبدأ وزاد، أو ما زال يخرج الخارج كلما غسله، خرج الخارج، أو أنه كان فيه أوساخ كثيرة، في الغسلة الأولى لم تخرج، في الغسلة الثانية والثالثة والخامسة والسبع لم تخرج هذه الأوساخ، لتراكمها وكثرتها على ذلك الميت. فهل يزاد على سبع أم لا؟ قال الإمام أحمد رحمه الله: «ولا يزاد على سبع». وهذا قول طائفة من أهل العلم. وقال ابن قدامة رحمه الله: «وإن لم ينق بسبع، فالأولى غسله حتى ينقى، ولا يقطع إلا على وتر». لقوله صلى الله عليه وسلم: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك». والصحيح: أن الغسل إذا لم ينق الميت بالسبع، فللغاسل أن يزيد على السبع، لكن لا يقطع إلا بوتر. لا يقطع إلا بوتر. فإن خرج منه النجاسة، فإن خرج منه النجاسة أعاد الوضوء والغسل. فإن خرج بعد الثالثة، غسله إلى خمس، بعد الوضوء. وهكذا بعد الخمس إلى السبع. وهكذا على قول أحمد وإسحاق، وهو مذهب ابن سيرين. لكن أحمد وإسحاق يقطعون إلى السبع. واضح: يعني الأصل أنه يغسله إلى سبع، فإن خرج منه شيء غسله إلى خمس، فإن خرج منه شيء غسله إلى سبع غسلات. عند أحمد وطائفة من أهل العلم: أنه يكتفى بذلك، ولا يزاد على السبع. وجاء أو قال آخرون من أهل العلم: أنه يزاد على ذلك إن احتيج إلى ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المغسلات إن رأيتن ذلك فأعاد الأمر إلى رأي المغسلين العالمين بالغسل». وكذلك إلى نقاوة الميت وطهارته. وقال طائفة: إنه يغسل موضع النجاسة، ويوضأ، ولا يجب إعادة الغسل. وهو قول السوري ومالك وأبي حنيفة؛ لأن خروج النجاسة من الحي بعد غسله لا يضره، فكذلك الميت. وعن الشافعي: كالمذهبين. واضح: هذه الجماعة إذا غسله في الثالثة، فخرج منه نجاسة، بعض أهل العلم قالوا: ماذا؟ إذا كان نظيفا من ثلاث غسلات، وخرجت النجاسة، تغسل النجاسة فحسب، تغسل النجاسة فحسب، ويوضأ، ولا يغسل مرة أخرى. ويوضأ، ولا يغسل مرة أخرى؛ لأن حكمه كحكم الحي. الحي إذا اغتسل ثم أحدث، فإنه يجزئه الوضوء، فكذلك الميت. واضح: وهكذا. وكما ترون: هذا قول الثوري ومالك، وأبي حنيفة. وعن الشافعي: كالمذهبين، أي: كمذهب أحمد: أنه يزاد في الغسل وفي الوضوء. وكقول هؤلاء الآخرين: أنه يقتصر على الوضوء. وهؤلاء وتعليل هؤلاء كما ترون قوي. والقول الأول أحوط. والتعليل: من أن الميت إذا اغتسل ثم خرج منه نجاسة، فإنه يتوضأ قياسا على الحي؛ من أن الحي إذا اغتسل ثم أحدث، فإنه يجزئه الوضوء، فكذلك الميت. تعليل قوي. ولكن الأحوط: كما سمعتم أن يزاد في غسله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلناها ثلاثا أو خمسا أو سبعا إن رأيتن ذلك». ففيه إشارة إلى أنه إن احتاج إلى الزيادة، فلهم الزيادة. المسألة الثامنة: فإن زاد الخارج، أي: زاد الخارج، الرجل يغسل وما زال يخرج منه النجاسة. واضح: ماذا يصنع؟ قالوا: «فإن زاد حشاه بالقطن، فإن لم يستمسك فبالطين الحر». فبالطين الحر. واضح: يقول: مثلا ميت يغسل، كلما انتهى من غسله خرجت منه نجاسة، الثالثة، الخامسة، السابعة، كلما فرغ من غسله خرجت منه نجاسة. ماذا يصنع بهذا؟ قال العلماء: أنه يحشى بماذا؟ بقطن. يأخذ قطنا، ويحشى المكان الذي يخرج منه تلك النجاسة، سواء كان غائطا أو بولا، أو كان يخرج منه دما أو ما شابه ذلك. يسد المكان الذي يخرج منه تلك النجاسة. فإن انسد بالطين، فبها ونعمت. وإلا قالوا: «فبالطين الحر». ما معنى الطين الحر؟ أي: الطين الصلب الذي فيه نوع صلابة، بحيث أنه إذا وضع في المكان انسد ذلك الشيء الخارج. قالوا: «إذا خرجت منه نجاسة واستمرت، لم يعد الغسل». إذا خرجت منه نجاسة واستمرت، لم يعد الغسل. قال أحمد: «من غسل ميتا لم يصل أكثر من سبع، لا يجاوزه، خرج منه شيء أو لم يخرج». قيل لهم: «فنوضئه إذا خرج منه شيء بعد السبع؟» قال: «لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذا أمر: ثلاثا أو خمسا أو سبعا». وفي حديث أم عطية. ولأن زيادة الغسل وتكريره عند كل خارج يرخيه ويفضي إلى الحرج. واضح: يرخيه، أي: يسبب رخاوة في جسد الميت. ويفضي إلى الحرج. ما معنى الحرج؟ ربما حصل التفلت في جسد الميت، أو حصل خروج أشياء مستمرة من جسد الميت، بسبب كثرة الغسل. بسبب كثرة الغسل. فلذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: بأنه يفضي إلى الحرج. قال: «لكنه يغسل النجاسة، ويحشو مخرجها بالقطن». واضح: لا يغسل النجاسة، ويحشو مخرجها بالقطن. فيكون حكمه في الحي كحكم من به سلس البول. كمن به سلس البول. من به سلس البول ماذا يعمل فيه؟ يتوضأ، ويصلي. يحشى بشيء، أو يلجم بشيء، ويصلي، ولا يبالي، ولو خرجت النجاسة. واضح: وهذا في حكم الحي. فمن ميت، من باب أولى أن يغني عنه ذلك. من باب أولى أن يغني عنه ذلك. وقيل: «يلجم بالقطن كما تفعل المستحاضة». كما تفعل المستحاضة. يلجم بالقطن كما تفعل المستحاضة. قال: «ومن به سلس البول، فإن لم ينسكهم ذلك حش بالطين الحر». قال: «وهو الخالص الصلب الذي له قوة تمسك المحل». واضح: أي يحتاج إلى ذلك. فيتحرر من هذا المذكور من هذه المسألة: أن من استمر منه خروج النجاسة، فيسد المكان الذي خرجت منه بما يمنع خروجها، بأي شيء كان من الطاهرات. والأولى أن يوضأ ويغسل بعدها وترا؛ لعموم الحديث السابق. فإن لم يستطع سد الخارج، ككونه به جراحة كثيرة ومتفرقة، فيحشى ما استطاع، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. إن خرج شيء بعد ذلك، والله أعلم. واضح: فالخلاصة: أنه يتتبع ما استطاع أن يتتبع من النجاسة، فتحشى وتسد. فإن استمر بعد الحشو والسد، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وهذا يحصل لبعضهم، قد يكون فيه حادث سيارة، مثلا في هذه الأيام، حادث سيارة، يكون كله يخرج منه من كل مكان، تخرج الدماء وتخرج الأشياء من كل مكان. فمثل ماذا يصنع به؟ واضح: يغسل ويحشى ما استطاع، ويكفن على حاله. والله أعلى وأعلم. واضح: وهذا حاصل مثل هذه الأمور تحصل لبعضهم، كذلك قد يحصل له أن تنفجر به شيء، فتقطع أشلاءه وما شابه ذلك. فيغسل ما استطاع، بما استطاع إلى ذلك سبيلا. والقاعدة في هذا: «فاتقوا الله ما استطعتم». المسألة التاسعة: في ذلك، والحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل. واضح: يعني من مات رجل أو امرأة وهو جنب، أو امرأة وهي حائض. فهل يغسل غسلين أم أنه يكتفى بغسل الجنابة، بغسل الميت الغسل الواحدة؟ قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: «أن الحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل». قال: «هذا قول من حفظ عنه من علماء الأمصار». قال: «وقال الحسن وابن المسيب: ما مات ميت إلا جنب». ما مات ميت إلا جنبا، أو كما قال. وروِي عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: «إنه يغسل للجنابة والحيض، ثم يغسلان للموت». واضح: والأول أولى؛ لأنهما خرجا من أحكام التكليف. ولأن الغسل الواحد يغني من وجد في حقه موجبان له، كما لو اجتمع الحيض والجنابة. وهذا واضح. فالحاصل: أنه يغنيهم أن يغسل غسلة واحدة، هي غسلة الميت، سواء كانت جنبا أو كانت امرأة وهي حائض. المسألة العاشرة: ويكفن الميت في ثلاثة أثواب بيض، بعد أن يجمر الكفن ويطيب، فيدرج فيها إدراجا، ويجعل الحنوط فيما بينها، ويجعل الحنوط فيما بينها. واضح: يعني المسألة أن الميت الأفضل في حقه أن يكفن بكم أثواب؟ بثلاثة أثواب. وكذلك أن تكون ماذا؟ أن تكون بيض. فإن كانت من غير البيض، هل هي مجزئة أم لا؟ الجواب: بأنها مجزئة؛ لأن العبرة بالتكفين أن يسترى جسد الميت. قالوا: «بعد أن يجمر أن يبخر». وبعضهم قال: «أن يبخر بالعود». وهو العود معروف. وسواء بخر بالعود أو بما قام مقام العود. قالوا: «ويطيب». ويطيب كذلك أي الكفن. «فيدرج فيه إدراجا». أي الميت. «ويجعل الحنوط فيما بينها». أي فيما بين هذه الأثواب. قال: «الأفضل أن يكفن الرجل في ثلاثة لفائف، في ثلاث لفائف بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة». معروف: اللفافة خرقة تكون مستوية. خرقة مستوية، يعني ماذا؟ ثوب مستوي. قال: «لما روى الترمذي رحمه الله، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم». قال: «وهو مذهب الشافعي». قال: «ويستحب كون الكفن أبيض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض». كما تقدم في حديث عائشة، متفق عليه. ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألبسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا فيه موتاكم». رواه أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وإسناده صحيح. وكذلك جاء من حديث ثمرة عند النسائي بزيادة: «ألبسوا من ثيابكم البيض؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيه موتاكم». وهو كذلك صحيح. رواه النسائي، وإسناده صحيح. وحكي عن أبي حنيفة: أن المستحب أن يكفن في إزار ورداء وقميص. في إزار ورداء وقميص. الإزار معروف: الإزار مثل الإزار الذي يلبسه المحرم من الأسفل. والرداء الذي يكون من فوق، كما يلبسه اليوم المحرم في الحج أو العمرة. والقميص معروف. قال: «لما روى ابن مغلل أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في قميصه». وأضح هذا. وهذا الحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه. فالله أعلم. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله بن أبي قميصه، وكفنه به. وهذا رواه النسائي، وإسناده صحيح. وأصله في البخاري. والصحيح الأول: لحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة». واضح: فحديثها أصح؛ لأنه في الصحيحين. وحديث ابن مغلل إن صح، فيكون هذا وهم أو ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن بقميص. والأمر على خلاف ذلك؛ لأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهي من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه غسل في بيتها، وكفن في بيتها، ودفن في بيتها. أعلم بذلك من غيرها. رضي الله عنها وأرضاها. قالت: «ليس فيها قميص ولا عمامة». وحديثها أصح؛ لأنه في الصحيحين. بل بعض أهل العلم نص على أنه أصح حديث في الكفن. أصح حديث في الكفن: حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها في كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعائشة كما هو معلوم أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرف بأحواله من غيرها. وأما إلباس النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي قميصه، فإنما فعل ذلك تكرمة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان صالحا من الصالحين. واضح: لأن في الحديث جاء أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب منه قميصا، ويلبس أباه قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم. وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاذبه عمر، فقال رسول الله: «كيف أفعل وقد نهاك الله جل وعلا عن ذلك؟» أي: تصلي عليهم. فقال: «إن الله خيرني». فقال: «استغفر لهم ولا تستغفر لهم». ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد أن صلى عليه، نزل قول الله جل وعلا: «ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا، ولا تقوم على قبره». فنهي عن ذلك، فلم يصل على أحد بعده. فالحاصل: أن في حديث عبد الله بن أبي بن سلول، وهو كما سمعتم مفصلا في النسائي، وأصله في البخاري. فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبسه قميصه. فأقر الميت أن يكفن بقميص، إلى جانب ماذا؟ إلى جانب لفافة. فقالوا: «هذا إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تكرمة لابنه عبد الله، وتطييبا لنفسه؛ لأن عبد الله كان صالحا من الصالحين، وأبوه كان رأس المنافقين». فكان كتطييب لخاطره، فعل ما أراد منه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: «إن فعل ذلك جزاء لعبد الله بن أبي عن كسوته العباس قميصه يوم بدر». والله أعلم. بمعنى أن العباس يوم بدر لما أسر، سلب ثيابه، فلم يجد له لباسا؛ لأنه كان طويلا جدا. فبحثوا في القوم ليبحثوا عن إزار، فما وجدوا كذلك إلا عبد الله بن سلول، فأعطوه قميصه، فلبسه. فالحاصل: أن هذا القول المذكور أولا: أنه كفن في ثلاث أثواب بيض، ليس فيها عمامة، وليس فيها كذلك قميص. هذا هو الأفضل. فإن كفن في قميص ومئزر ولفافة، لم يكره. حاجة ما عملا لهذا الحديث، أي: لحديث ابن سلول. فيؤزر بالمئزر، ويلبس، ثم يلف عليهم بلفافة بعد ذلك. وهذا حاجة ما عملا. فهذا كما شاملتهم من باب الأفضلية لا غير. المسألة الحادية عشرة: كيفية تكفين الميت. قال ابن قدامة رحمه الله: «والمستحب أن يؤخذ أحسن اللفاف وأوسعها، فيبسط أولا؛ ليكون الظاهر للناس حسنها». ويجعل عليها حنوطا. ثم يبسط الثانية، ليتسع عليها، ويجعل فوقها حنوطا وكافورا. ثم يبسط فوقها الثالثة، ويجعل فوقها حنوطا وكافورا. ولا يجعل على وجه العليا أو النعش شيء من الحنوط؛ لأن الصديق رضي الله عنه قال: «لا تجعلوا على أكفانكم حنوطا». أو قال: «لا تجعلوا على أكفان حنوطا». هذا الوصف: كما هو واضح. يقول: لو أتي بثلاث لفافات لأجل هذا الميت، وكان بعضها أحسن من بعض، أو كانت متقاربات، ولكن بعضها أجود من بعض. فيقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: أن ما كان أظهر، أي: ما يكون خارجيا، يكون هو أول شيء. واضح: يعني توضع الأولى، ثم توضع الثانية عليها، ثم توضع الثالثة عليها. كل ما كانت أقوى، كل ما كانت من خارج. قال: «ويعمل عليها الحنوط». والحنوط: شيء من الطيب يعمل أو يخلط للميت. واضح: فسواء كان يعني أي نوع من الأنواع الطيب. قال بعض أهل العلم: «أن كل طيب يستخدم للحنوط أو للميت، يسمى حنوطا». فالحاصل: أنه يعمل في اللفافة الأولى حنوط، ثم الثانية، ثم الثالث، ثم يوضع الميت. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ولا يجعل على وجه العليا ولا على النعش شيء بعد أن ينتهي من ذلك». أن يلف في الثلاث. لا يوضع من فوق على وجه العليا حنوطا؛ لماذا؟ ولا كذلك على النعش حنوطا؛ لماذا؟ قال: «لأن الصديق رضي الله عنه أرضاه قال: لا تجعلوا على أكفانكم حنوطا». وهذا الأثر عن الصديق لم أجده كذلك. ولكن وقفنا عليه من حديث أو من قول أسماء بنت أبي بكر الصديق. واضح: ذكره هنا ابن قدامة عن الصديق. والمشهور المحفوظ أنه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق. فالله أعلم: هل روي عن الصديق أيضا أم أنه حصل سقط في بعض النسخ: أسماء بنت أبي بكر، فما بقي إلا من أبو بكر؟ فالحاصل: أنه روى إسحاق بن راهويه بإسناد صحيح في مسنده، قال: «أخبرنا أبو معاوية، قال: حدثنا هشام - هو ابن عروة - عن فاطمة، وهي بنت المنذر زوجته، فاطمة بنت المنذر والدته، كأنها نعم، فاطمة بنت المنذر والدته زوجة عروة، عن أسماء بنت أبي بكر: أنها قالت: إذا مت فاغسلوني وكفنوني وحنطوني واجمروني، ولا تذروا على كفني حنوطا». قالت: «ولا تذروا على كفني حنوطا، ولا تتبعوني بمجمر». وسنده كما سمعتم: سنده صحيح. قال ابن قدامة: «ثم يحمل الميت مستورا بثوب، فيوضع عليه مستلقيا». واضح: بعد أن توضع الثياب في مكان نظيف وجاف. الثياب الثلاث بالوصف المذكور. يحمل الميت، وهو كذلك مستور العورة. فيوضع على هذه الأثواب مستلقيا، أي: على ظهره. قال رحمه الله تعالى: «لأنه أمكن لإدراجه فيها». قال: «ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه». أي: من الثوب. أي: من عند الرأس يكون أطول مما عند الرجلين. قال: «ويجعل من الطيب على وجهه ومواضع سجوده ومغابنه؛ لأن الحي تطيب هكذا». قال: «ويجعل بقية الحنوط والكافور في قطن، ويجعل منه بين إليتيه برفق، ويكثر ذلك؛ ليرد شيئا إن خرج منه حين تحريكه». واضح: يقول: يوضع على جنبه؛ لأجل إذا خرج شيء يسد. إن خرج شيء يسد. هذا من باب الاحتياط. قال رحمه الله تعالى: «قال: ويجعل بقية الحنوط والكافور في قطن، ويجعل منه بين إليتيه برفق، ويكثر ذلك؛ ليرد شيئا إن خرج منه حين تحريكه». قال: «ويشد فوقه خرقة مشقوقات الطرف كالتبان». وهو السراويل بلا أكمام؛ لماذا؟ ليشد هذا الأمر حتى لا يخرج منه شيء. قال رحمه الله تعالى: «قال: ويجعل الباقي على منافذ وجهه: في فيه ومنخريه وعينيه؛ لئلا يحدث منهن حادث». أي: يضع على أنفه خشية أن يخرج منه الدم، أو الفم خشية أن يخرج منه الشيء. وهكذا. قلنا: هذا إن فعله من باب الاحتياط. وأما إذا رأى الميت نظيفا ليس فيه شيء، فلا يفعل. واضح: لا يحتاج إلى أن يفعل ذلك. لكن إن كان أثناء الغسل رأى أن الميت ربما خرج منه شيء من الدم أو شيء من الأوساخ من فيه أو من أنفه، أو خرج أيضا شيء من الأوساخ من أسفل. فإنه يعمل هذا الحشو حتى لا يتسخ الكفن أثناء التقليب وأثناء التنقيل. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك الجراحة النافذة». أي: الجراحة إذا كان فيه جرح طعنة أو نحوها. كذلك يحشى. قال: «ويترك على مواضع السجود منها». ويترك على مواضع السجود منها؛ لأنها أعضاء شريفة. أي: من الطيب والحنوط نحوه. ثم يسنى طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ثم يردها، ثم يسني طرفها الآخر على شقه الأيسر. على شقه الأيسر. ثم يسنى طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن. يلف الأيمن إلى الأيسر، والأيمن إلى الأيمن. قال رحمه الله تعالى: «ثم يسني طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر». وإنما استحب ذلك لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر. ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك. ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك. يبدأ من جهة اليمين إلى جهة الشمال. ويسني السد إلى جهة اليمين. يعني: يشد من اليمين، يشد السد من الشمال، فيلفه إلى جهة اليمين. ثم طرفه يجعله إلى جهة اليسار؛ لأنه يكون أمكن. لأنه يكون أمكن إذا وضع في القبر. قال رحمه الله تعالى: «وإنما سحب ذلك؛ لأن لا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر». ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك. ثم يجمع ما فضل عند رأسه ورجليه، فيرد على وجهه ورجليه. وإن خاف انتشارها، عقدها. إن خاف انتشارها أن تنفتح، لو أنه يعقدها. قال: «وإذا وضع في القبر حلها، ولم يخرق الكفن». واضح: عملا. وكذلك إن احتاج مثلا إلى أن يربط جهة اليدين حتى لا ينفتح الكفن، وجهة رجلين حتى لا ينفتح الكفن. فعلى ذلك. واضح: لأن اللفافة ربما مع التحرك تنفتح. فإن كشف الميت، فإن احتاج إلى الربط، لا بأس أن يربط من جهة العضدين، ومن جهة كذلك الفخذين والساقين؛ لأجل أن لا تنفتح، لأجل أن لا ينفتح الكفن. فإن وضع في القبر، فتحت تلك الخيوط. قال: «وإن خرج منه شيء يسير بعد وضعه في أكفانه، لم يعد إلى الغسل». وحمل. قال ابن قدامة: «لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا». واضح: يعني يمضون على ما حصل، وعلى ما غسلوا. فيكونوا قد امتثلوا الأمر، وغسلوا الميت على وفق السنة. المسألة الثانية عشرة: ويجوز تكفين في ثوبين. قلنا: الأفضل في الأموات في ثلاث أثواب. ويجوز تكفين في ثوبين؛ لقصة النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته دابته. «يصلى بماء والشجر، وكفن في ثوبين». متفق عليه. قال الأوزاعي: «يجزئ ثوبان». وأقل ما يجزئ ثوب واحد يستر جميعه. يستر جميعه. وذهب القاضي إلى أن أقل من ثلاثة أثواب لا يجزئ. وروي مثل ذلك عن عائشة رضي الله عنها. والصحيح الأول: الحديث السابق. أشهر. الحديث السابق: «كفنوه فيما لا في ثوبين». كفنوه في ثوبين. ولأن المخصوص ستر الميت. الميت بكفن. وأقل ذلك: ثوب واحد ساتر. والله أعلم. المسألة الثالثة عشرة: والصبي يكفن في خرقة. وإن كفن في ثلاثة، فلا بأس. واضح: الصبي يجوز كذلك أن يكفن في خرقة. وإن كفن في ثلاثة، فلا بأس. وبه قال أحمد وإسحاق. وبنحوه قال ابن المسيب. وقال أبو حنيفة: «يكفن في خرقتين». ويجزئ إزار واحد. ويجزئ إزار واحد. وقال الثوري: «يجزيه ثوب واحد». وروي عن الحسن أنه قال: «يكفن في ثوبين». يكفن في ثوبين. قال ابن المنذر رحمه الله: «يكفن في ثلاثة أثواب أو خرق على قدر الكفاية». ويجزئ ثوب. ويجزئ ثوب. هذا والصحيح: واضح. ابن قدامة رحمه الله أو ابن المنذر رحمه الله تعالى في الأوسط يقول: «يكفن في ثلاثة أثواب غير أسن على الكبير الذكر». واضح: أو خرق، أي: إن كفن بخرقة أو بخرق، فأجزأه ذلك. قال: «ويجزئ ثوب». ولو كفن في ثوب واحد، لف فيه وماذا وستر. كذلك أجزأه ذلك؛ لأن المقصود والعبرة في ذلك ما هو؟ ستر الميت. واضح: والصغير ليست فيه عورة حتى يحتاج إلى مزيد. بخلاف الكبير إن احتاج إلى ذلك. المسألة التي تليها: فإن لم يجد ما يستر جميع جسده. واضح: كأن يكون في أرض معركة، أو يكون في سفر، وليس عندهم أثواب زائدة. قالوا: «فإن لم يجد ما يستر جميع جسده، ستر رأسه، وجعل على رجليه حشيشة أو أوراقا». واضح: لما روى خباب: أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة. إلا نمرة. فكنا - قال - إذا وضعناها على رأسه خرجت رجله، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه من الإذخر. رواه البخاري. واضح: فإن لم يجد ما يستر، فإن لم يجد إلا ما يستر عورة، سترها. واضح: ما هناك إلا قطعة صغيرة تستر عورة. فتغطى العورة؛ لأنها أهم في الستر. بدليل حالة الحياة. فإن كثر القتلى وقلت الأكفان - معركة مثلا - كما يذكرون في يوم أحد. كثر القتلى وقلت الأكفان. فماذا يصنعون؟ قالوا: «يكفن الرجلان والثلاثة في الثوب الواحد». كما صنع بقتلى أحد. واضح: أكفان قليلة، وقتلى كثيرون. ما عندهم أكفان. ماذا يصنعون؟ يضعون الكفن، يمدونه، ويضعون في الكفن الواحد ماذا؟ اثنين أو ثلاثة. على قدر ما يغطون به أولئك القتلى. فذلك حاصل ما ذكر هنا في مسألة الأكفان. المسألة الخامسة عشرة: وإن أحب أهله أن يروه أو يقبلوه، لم يمنعوا. بمعنى: إذا كفن وقهر، وأراد أهله أن ينظروا إليه أو أن يقبلوه، لم يمنعوا. بمعنى أنهم يمكنوا من ذلك. قال: «وذلك لما روي عن جابر، قال: لما قتل أبي، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهاني». واضح: جابر أبو عبد الله بن حرام كان رضي الله عنه وأرضاه من أفاضل الصحابة، ومن أجلة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد قاتل قتالا شديدا، ومثل به المشركون. فلما أراد جابر أن يفتح الثوب عن أبيه، نهاه الناس. ثم تراجع، ثم أراد فنهاه الناس. ثم رجع فرآه. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، جاء في بعضها

شاركنا على