الدرس في كتاب الصيام 41، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عن أحب الصيام والصلاة إلى الله وهما صيام داود وصلاته، ويوضح كيفيتهما المعتدلة في إعطاء الجسد حقه. كما يبين ضابط التفريق بين كبار التابعين وصغارهم بحسب كثرة الرواية عن الصحابة أو التابعين.
يُعد صيام داود عليه السلام -صيام يوم وإفطار يوم- أحب الصيام إلى الله وأفضله، وهو يعادل صيام نصف الدهر. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو أن هذا هو الحد الأقصى للصيام المشروع، فقال: «لا صوم فوق صوم داود»، مستدلاً بذلك على النهي عن صيام الدهر كله.
يبيّن المقطع أن أفضل الصيام التطوع هو صوم داود عليه السلام، ويسوق أحاديث عبدالله بن عمر حيث نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإفراط في الصوم والقيام، ورشده إلى صوم ثلاثة أيام من كل شهر أو صوم داود. ويذكر أسانيد الرواة وتراجم بعضهم لتوثيق النقل.
يعبر المتحدث عن ندمه الشديد لعدم الأخذ برخصة النبي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، مؤكداً أن هذه الرخصة تخفف عن النفس وتجنب إثقالها مع الاستمرار في العبادة والطاعة لله. ويرى أن اتباع الرخصة كان أرفق بالبدن وأقوم للعبادة المستمرة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم. وقال زهير بن حرب، وهو أبو خيثمة النسائي. قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة، وهو سفيان بن عمر بن عيينة، أبو محمد الهلالي، كان من الحفاظ الثقات، وهو من أثبت الناس في عمرو بن دينار. قال: عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، وهو الثقفي، تابعي كبير. كيف يفرق بين التابعي الكبير والتابع الصغير؟ متى يقال لهذا التابعي من كبار التابعين، ومتى يقال من صغار التابعين؟ ما هو الضابط في ذلك؟ نعم، أحسنت. يعرف هذا بالرواية: إذا كانت روايته أكثر روايته عن الصحابة فهو من كبار التابعين، وإذا كان أكثر روايته عن التابعين وروايته عن الصحابة قليل فهو من صغار التابعين. نعم، هذا هو الضابط في التفريق بين كبار التابعين وصغار التابعين. قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود. عليه السلام كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً». في هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن أحب الصيام إلى الله جل وعلا صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود. فكان عليه السلام ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، وينام السدس. وكما تلاحظون أن هذا القيام هو قليل، لكنه معتدل؛ فيعطي جسده حقه من الراحة، ثم يقوم بالعبادة لله جل وعلا قدر الثلث، ثلث الليل، ثم ينام السدس. أو يراد بالثلث ثلث النصف الآخر؛ أنه قال: ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. إذن ينام نصف الليل، ثم النصف الآخر يقوم ثلثه وينام سدسه، فيقوم فيصلي، ثم يرجع ينام حتى يعطي جسده شيئاً من الراحة بعد قيام الليل، فحينئذ يقوم للفجر وهو نشيط. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام هذه الصلاة من أحب الصلاة إلى الله، يعني في قيام الليل. وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وهذا أيضاً من أحب الصيام، لكن هذا كذلك أيضاً في حق من لا يضره الصوم أو لا يضعفه عما يجب عليه من حقوق الواجبة. وقال: وحدثني محمد بن رافع، وهو القشيري النيسابوري، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، قال: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز، قال: أخبرني عمرو بن دينار أن عمرو بن أوس أخبره عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم نصف الدهر، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، عليه السلام كان يرقد شطر الليل، ثم يقوم، ثم يرقد آخره، يقوم ثلث الليل بعد شطره». يعني بعد النصف ينام النصف الأول، ثم النصف الثاني يقوم ثلثه. وقال: قلت لعمرو بن دينار: أعمرو بن أوس كان يقول: يقوم ثلث الليل بعد شطره؟ قال: نعم. وفي هذه الرواية أن صيام داود عليه السلام يعتبر صيام نصف الدهر، يعني نصف السنة؛ لأنه يصوم يوماً ويفطر يوماً، فكأنه صام بهذا يكون قد صام نصف السنة وأفطر نصفها. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا من أحب الصيام إلى الله؛ لما فيه من كثرة الصيام، ولا يمكن للمسلم والصائم أن يصوم صوماً شرعياً أكثر من هذا. هذا أكثر ما يمكن أن يصومه، أن يصوم يوماً ويفطر يوماً. وأما صيام الدهر فهو منهي عنه كما في روايات هذا الحديث. وقال: وحدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله، وهو الواسطي، عن خالد بن مهران الحذاء، عن أبي قلابة، وهو عبد الله بن زيد الجرمي، قال: أخبرني أبو المليح، وهو الهذلي، قال: دخلت مع أبي على عبد الله بن عمر، فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له صومي، فدخل علي، فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف. أدم يعني من جلد. قال: فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه. وهذا من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام أنه جلس على الأرض، ما تكبر أن يجلس على الأرض، ويقول: يعني أنه يريد فراشاً أو يريد سريراً أو كذا، لا، كان متواضعاً عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضاً في قوله: «فألقيت له وسادة»، هذا في إكرام الضيف والكبير؛ إذا نزل الإنسان يكرمه بما يتيسر من فراش أو وسادة أو نحو ذلك يجلس عليها أو يتكئ عليها. قال: فقال لي: «أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟» قلت: يا رسول الله. قال: «خمساً». قلت: يا رسول الله. يعني يقول: ما يكفيني، أريد الزيادة. قال: «سبعاً». قلت: يا رسول الله. قال: «تسعاً». قلت: يا رسول الله. قال: «أحد عشر». قلت: يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صوم فوق صوم داود، شطر الدهر، صيام يوم وإفطار يوم». انظروا هذه الرواية: «لا صوم فوق صوم داود». هذه الرواية يسدل بها على النهي عن صيام الدهر. «لا صوم فوق صوم داود» يعني: من صام الدهر فهنا لا يكون قد صام صوماً شرعياً، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صام من صام الأبد»، أي: ما صام صوماً شرعياً يؤجر عليه ويثاب عليه. وهنا يقول: «لا صوم فوق صوم داود»، يعني: لا صوم مشروع أو جائز أو مستحب فوق صوم داود، يعني أكثر ما يشرع للإنسان أن يصومه من الصوم أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وهو شطر الدهر، أي نصف السنة. وقالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، وهو محمد بن جعفر، وهو ربيب شعبة. ربيب شعبة فشعبة متزوج على أمه، ولهذا لازمه عشرين سنة. غندر لازم شعبة عشرين سنة. قال: عن شعبة، وهمام، والحجاج. وحدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي، الملقب بالزمن. نعم، الملقب بالزمن، أي المريض مرضاً مزوماً، كان مريضاً مرضاً مزوماً، أي ملازماً له، ثم شفاه الله عز وجل وعافاه، وهو من مشايخ رجال كتب الستة. قال: حدثنا محمد بن جعفر. ما لقب محمد بن جعفر؟ ما لقبه؟ عند من... آآ... من يجيب؟ ما لقب محمد بن جعفر؟ غندر. نعم، لقبه غندر. قال: حدثنا شعبة عن زياد بن فياض قال: سمعت... سمعت أبا عياض. أبو عياض هذا هو عمرو بن الأسود القيسي، كان مخضرماً. ماذا معنى مخضرم؟ ما معنى مخضرم؟ نعم، أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يلقَ النبي عليه الصلاة والسلام، فيعد من أي طبقة؟ نعم، من كبار التابعين. يعد المخضرمون من كبار التابعين. قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «صم يوماً ولك أجر ما بقي» يعني من أيام. قال: «إني أطيق أكثر من ذلك». قال: «صم يومين ولك أجر ما بقي». قال: «إني أطيق أكثر من ذلك». قال: «صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقي». قال: «إني أطيق أكثر من ذلك». قال: «صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي». قال: «إني أطيق أكثر من ذلك». قال: «فأفضل الصيام عند الله صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً». وحدثني زهير بن حرب، ومحمد بن حاتم، جميعاً عن ابن مهدي. وعبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة الجرح والتعديل. قال زهير: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان بن حيان، قال: حدثنا سعيد بن ميناء، قال: قال عبد الله بن عمر: قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن عمر، بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل، فلا تفعل، فإن لجسدك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً. صم وأفطر، صم من كل الشهر ثلاثة أيام، فذلك صوم الدهر. قلت: يا رسول الله، إني أطيق قوة. قال: «فصم صوم داود عليه السلام، صوم يوماً وأفطر يوماً». فكان يقول: «يا ليتني أخذت بالرخصة». يعني أنه ما شدد على نفسه، وقبل ما أُشدد إليه النبي عليه الصلاة والسلام من صيام ثلاثة أيام من كل شهر، يقول: يا ليتني أخذت بالرخصة، وعملت بنصيحة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن فيها تخفيف على النفس، وعدم إثقال عليها، مع الاستمرار على هذه العبادة والطاعة التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. طيب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً.