الدرس في كتاب الجنائز 5، ألقاها
يستحب المشارعة إلى تجهيز الميت إذا توقنا موته مع مراعاة انتظار جماعة للدعاء له، وينتظر حتى يتيقن موته خاصة إذا مات فجأة. يعتبر بظهور أمارات الموت إذا اشتبه أمره.
يتم تعجيل تجهيز الميت بعد التأكد من وفاته، ويشمل ذلك قضاء دينه وتنفيذ وصيته وغسله وتجريده عن الثياب مع ستر العورة. يُعد ذلك من آداب التعامل مع الميت.
اختلف العلماء في حكم تجريد الميت عند الغسل، واستدلوا بأدلة مختلفة. الراجح هو تجريد الميت عند الغسل لما روي عن عائشة رضي الله عنها في كيفية غسل النبي صلى الله عليه وسلم.
يختم المقطع بذكر الله والاستغفار والتوبة، ويعبر عن تواضع المتحدث واعترافه بعلو علم الله. يشير إلى أهمية الاستغفار في الختام.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ثم أما بعد: مضى معنا أمس ذكر بعض المسائل وهي داخل تحت مسألة الآداب التي ينبغي أن يقوم بها من حضر الميت، سواء قبل موته أو بعد موته. وهذه المسألة كما ذكر حقها أن تكون مسألة عامة وتحتها مسائل، أو تكون كالفصل وتحته مسائل. فمن هذه المسائل أيضًا التي تذكر في هذا الباب أنه يستحب المشارعة إلى تجهيز الميت إذا توقنا موته. قال العلماء رحمهم الله تعالى: إنه أصوب له وأحفظ من أن يتغير، وتصعب معالجته؛ لأنها تحصل له رائحة منتنة يستقذرها الناس ويكرهونها. قالوا: ولا بأس أن ينتظر به مقدار ما يجتمع له جماعة؛ لما يؤمل من الدعاء له إذا صلى عليه، ما لم يخف عليه التغير أو يشق على الناس. نص على هذا القول أحمد بن حنبل رحمه الله. وإن اشتبه أمر الميت، اعتبر بظهور أمارات الموت؛ أي اشتبه هل مات أم لم يمت بعد. فماذا يصنعون؟ قال العلماء رحمهم الله: إن اشتبه أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت، من استرخاء رجليه، وانفصال كفيه، وميل أنفه، وامتداد جلده ووجهه، وانخساف صدغيه. وهذه كما ترون أمارات من أمارات موت الإنسان. قالوا: وإن مات فجأة، كالمصعوق الذي يقتل بصاعقة أو نحوها، ونحن في هذه الأيام يحصل الصعق بماذا؟ الكهرباء. يحصل فيه معنى ماذا؟ معنى صعق. قالوا: أو خائفا من حرب أو سبع؛ يعني رجل من شدة خوف مات. هذا يحصل أم لا يا جماعة؟ يعني فجأة يرى أمامه ماذا؟ عدوه الذي يريد أن يقتله وقد تهيأ لقتله أو نحو ذلك، فيموت دون أن يمسه أو يرى سبعًا، فيموت مباشرة. قال: هؤلاء أو تردى من جبل، أو تردى من جبل معروف. تردى من جبل. قالوا: انتظر به هذه العلامات حتى يتيقن موته؛ يعني من حصل له هذا الأمر لا تكفي هذه العلامات السابقة. هذا في من مات موتًا اعتياديًا واضح يا جماعة. أما إذا مات موتًا بسبب كما مر هؤلاء هنا بالصعق أو الخوف أو نحوها، قال العلماء: ينتظر حتى يتيقن موته؛ لأن الغالب من حصله صدمة، كما يقال من خوف شدة خوف ربما يحصل له ما يحصل للميت. واضح يا جماعة أم لا؟ فمثل هذا هل يعامل معاملة الميت؟ قال علماء: لا يعامل معاملة الميت، بل ينبغي أن يتأنى في أمره، وينظر في أمره. ثم اختلفوا: ما هي المدة التي بها يحصل ذلك اليقين؟ ما هي المدة التي يحصل بها ذلك اليقين؟ قال الحسن البصري رحمه الله: ينتظر به ثلاثًا. واضحة جماعة. ينتظر به ثلاثة أيام، يتأكد هل هو ميت أم لا؟ بعد ثلاثة أيام يقول الحسن رحمه الله تعالى: هذا عندنا يقين بأنه قد مات. قال أحمد رحمه الله تعالى: إنه ربما تغير في الصيف في اليوم والليلة. واضحة جماعة. الإمام أحمد يقول: في الصيف لا سيما في البلاد الحارة ربما يحصل له تغير في اليوم والليلة؛ أي إذا بقي يوم وليلة ربما ماذا؟ تغير ذلك الميت، ظهر منه الرائحة والنتن إلى غير ذلك مما يحصل للميت. فقيل له: فكيف تقول؟ قال: يترك بقدر ما يعلم أنه ميت. يترك بقدر ما يعلم بأنه ماذا؟ ميت. وما هو هذا الضابط؟ الإمام أحمد رحمه الله تعالى ذكر كلامًا ماذا؟ مجملا. واضحة جماعة. لأنه ما هي الفترة المعتادة التي بها يعرف أنه ميت أم لا؟ تحتاج إلى ماذا؟ إلى ضبط. فقيل له: من غدوة إلى الليل؛ أي من الصباح الباكر إلى الليل تقريبًا. قال: نعم. واضحة جماعة. يقول إمام أحمد: يستمر من هذه الحالة من الفجر إلى الليل، هو على هذه الحالة يدل على أنه ماذا؟ أنه قد مات. وفي أيامنا هذه قد يستفاد بماذا؟ يستفاد من الأطباء. الأطباء ومع الأجهزة الحديثة يستطاع أن يعلم أن هذا الميت أو أن ذلك الشخص قد مات أم لا. واضحة جماعة أم لا؟ فإذا جاء الطبيب المختص الخبير الفاهم وقال بأن هذا الشخص قد مات، فيعمل بقوله. يعمل بماذا؟ بقوله. واضحة جماعة أم لا؟ فإذا عمل بقوله، عمل بما تقدم من أول مسألة من أنه يستحب المسارعة إلى تجهيزه إذا توقن ماذا؟ إذا توقن موته؛ أي إذا صار موته يقينًا. طيب ها هنا تنبيه، وهو أن الإمام أبا داود رحمه الله تعالى وغيره رووا عن حسين بن وحوح رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجلوا؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله». واضحة جماعة أم لا؟ وهذا الحديث كما تروا نص في هذه المسألة؛ هذا الحديث نص في هذه المسألة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «وعجلوا»؛ أي عجلوا بمال بتجهيزه. قال: «فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله». وهذا كما تروا نص صريح في هذه المسألة في تعجيل الميت. ولكن هذا الحديث لا يصح، بل هو ضعيف. قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الضعيفة»: وهذا إسناد ضعيف مظلم من دون حسين بن وحوح أو وحوح لا يعرفون، إلى آخر ما ذكر رحمه الله. في الحاصل أن المقصود من هذا أن هذا الحديث لا يصح. طيب المسألة التي تليها، وهي من المسائل الداخلة في الآداب: المسارعة إلى قضاء دين الميت. المسارعة إلى قضاء دين الميت؛ لما روى الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن نبي صلى الله عليه وسلم قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه». فهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني وغيره. وإن تعذر إيفاء دينه في الحال، كأن يكون عليه دين كبير، واضح جماعة، وتركته لم تتف أو لم توفي ما عنده. قال: وإن تعذر إيفاء دينه في الحال، استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه؛ أن يتكفل به عنه؛ أي أن يتحمل عنه. واضح جماعة. كأن يقول: من عنده دين أو لمن عنده دين على فلان، فأنا أنوبه أو دينه عندي. واضح جماعة أم لا؟ أو دينه علي. قال: كما فعل أبو قتادة لما أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فلم يصلي عليها. قال أبو قتادة: صلي عليه يا رسول الله وعلي دينه. وهذا من الإحسان. وهذا من الإحسان. قال: صلي عليه يا رسول الله وعلي دينه. فصلى عليه. رواه البخاري. وهذا كما ترون فيه إحسان من أبي قتادة رضي الله عنه وأرضاه لذلك الميت. فمن فعل ذلك بأخيه، سواء كان ذا رابة أو لم يكن، فهو من المحسنين. فهو من المحسنين في ذلك. وتكون أو بذلك التحمل يلزمه بأداء الدين عن ذلك الميت. قال رحمه الله: ويستحب المسارعة إلى تفريق وصيته؛ ليجعل له ثوابها بجريانها على الموصى له. واضح جماعة. يعني كذلك يستحب المسارعة إلى تفريق وصيته إذا أوصى لماذا؟ ليجعل له ثوابها بجريانها على الموصى لهم؛ أي لا يدخل رجل القبر إلا وقد ماذا؟ قد حصل له من النفقات والأجور ما ينفعه الله جل وعلا به إذا دخل إلى قبره. طيب المسألة التي تليها: يستحب كذلك خلع ثياب الميت؛ أي إذا مات وتأكد أنه مات. قال علماء: يستحب خلع ثياب الميت. قالوا: لئلا يخرج منه شيء يفسد به ويلوث به. قالوا: فإذا نزعت عنه، سجي بثوب يستر جميع جسده. قالت عائشة رضي الله عنها: سجي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب حبرة. متفق عليه كما مر معنا في أحاديث العمدة. قالوا: ولا يترك الميت على الأرض؛ لأنه أسرع لفساده، ولكن على سرير أو لوح؛ ليكون أحفظ له. فائدة كما ترون أن الميت إذا لامس جسده الأرض، أنه يسارع إلى ما ذا؟ إلى إفساد ذلك الجسد، بخلاف ما إذا كان على سرير أو على لوح، فإنه يكون أحفظ. ذكر هذا الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في «المغني». والمسائل العامة مأخوذة من «المغني». طيب المسألة الثانية باعتبار المسائل الأصول في هذا الباب: صفة غسل الميت. ووضعه وتحته مسائل. وهذه المسألة كذلك المسألة الأولى: مسألة الآداب تحتها مسائل، وكذلك مسألة صفة غسل الميت تحتها كذلك ماذا؟ مسائل. الأولى: يستحب تجريد الميت عند غسله، ويستر عورته بمئزر. واضح هذا الجماعة. بمعنى أن الميت إذا أريد تغسيله، يستحب لمن يتولى تغسيله أن يجرده عن الثياب، ولا يقي عليه إلا ماذا؟ إلا إزارًا يغطي ماذا؟ يغطي العورة. وعورة الرجل من أين؟ من ركبته إلى ماذا؟ إلى السرة. من الركبة إلى السرة. وإلى هذا ذهب ابن سيرين ومالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية. ذهبوا إلى هذا الأمر إلى أنه يستحب تجريد الميت عند غسله، وأن يسترى أو تسترى عورته بمئزر. وعن أحمد رواية أخرى: أنه قال: يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب، يدخل يده من تحت الثوب. قال: وكان أبو قلابة إذا غسل ميتًا جلله بثوب. واضح جماعة. أملا. هذه رواية أخرى عن أحمد، أنه يقول: يستحب أن يكون للميت ماذا؟ ثوب. والثوب معروف يا جماعة. أملا أن يكون له ثوب، ويغسل بذلك ثوب. ثم ذكر عن أبي قلابة أنه كان إذا غسل ميتًا جلله؛ أي جعله جميعه ماذا؟ مجللًا ملفوفًا عليه ماذا؟ الثوب من جميع جسده. جعل الثوب ملفوفًا عليه من جميع جسده. ولعل هذا القول منهم رحمهم الله تعالى على سبيل الأفضلية؛ لأنه أستر للميت. وقال القاضي أبو يعلى: السنة أن يغسل في قميص رقيق، ينزل الماء فيه ولا يمنع أن يصل بدنه، ويدخل يده في كم فيمرها على بدنه والماء يصب. فإن كان القميص ضيقًا فتق رأسه والدخاريس؛ والدخاريس هو ما يوسع به البدن. وأدخل يده منه. وهذا مذهب الشافعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غسل في قميصه. وقال سعد: اصنعوا بي كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم. واضح هذا جماعة أم لا؟ أبو يعلى يحكي أن الأولى أو أن السنة أن يغسل الميت بقميصه؛ بقميص لماذا؟ قال الشافعي رحمه الله تعالى: كما غسل الرسول صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بقميصه. واضح جماعة أم لا؟ فيستدلوا بهذا على هذا الأمر. قالوا: وقال سعد بن أبي وقاص: اصنعوا بي كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قال أحمد: غسل النبي صلى الله عليه وسلم في قميصه، وقد أرادوا خلعه، فنودوا أن لا تخلعوا نبيكم. واسروا نبيكم. فالحاصل أن هذا فيه أن هؤلاء يذهبون إلى أن الميت يغسل بماذا؟ بثوبه. يغسل بماذا؟ بقميصه وبثوبه. والقول الأول: أنه يغسل بماذا؟ يغسل فيجرد على سيام ما يبقى، وإنما يستر ماذا؟ تستر عورته بإزار. تستر عورته بمئزر. فما هو الراجح من هذين القولين؟ الراجح والله أعلى وأعلم: القول الأول؛ لأمور. الأول: لما روى أحمد وأبو داود وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: والله ما ندري أن نجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه. وفيه: ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدري من هو، أن يغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه. فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكون بالقميص دون أيديهم. وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسله إلا نساؤه. واضح جمعه. هذا حديث حسن. وهذا الحديث حديث حسن، حسنه العلامة الألباني وغيره من أهل العلم. ثانيًا: أن تجريده؛ أي تجريد الميت، أمكن لتغسيله وأبلغ في تطهيره. هذا المعنى الثاني من المرجحات: أن تجريد الميت أمكن لتغسيله وأبلغ في تطهيره؛ بخلاف ما إذا كان لابسًا ثوبًا. ثالثًا: أن الحي يتجرد إذا اغتسل، فكذلك الميت. وهذا من باب القياس. أن الحي يتجرد إذا اغتسل، فكذلك ماذا؟. فكذا الميت. الرابع: لأنه ربما يتنجس الثوب بما يخرج، وقد لا يطهر بصب الماء عليه، فيتنجس الميت به. واضح هذا الجماعة. إذا كان الميت غسل بثوبه، ربما في أثناء الغسل يخرج من الميت ماذا؟ نجاسة. هذا ممكن. يا جماعة. أملا. وهل هو واقع؟ أملا. واقع. ربما يخرج منه غائط؛ لأن الميت إذا مات استرخت ماذا؟ عضلاته. واسترخى قسمه. فربما ماذا؟ خرج منه النجاسة. فإذا صب عليه الماء، ما يستطاع ماذا؟ تطهير النجاسة. فيتنجس بها ماذا؟ الميت. الأمر الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي إذا قيل: النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بثوبه. فالجواب: أن ذلك خاص به. ألا ترى أنهم قالوا: نجرد كما نجرد موتانا؛ موتانا أو ماذا؟ موتانا. إلى آخر ما جاء في حديث عائشة. واضح جماعة. أم نغسله وعليه ثيابه؟ وهذا يدل على ماذا؟ على أنه محتار: هل يغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يغسل الأموات المسلمين أم أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غسله خاصية؟ فجاء المنادي من جهته أو من ناحية البيت: أن ماذا؟ أن غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه. وهذا يدل على ماذا؟ وهذا يدل على الخاصية. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.