كتاب الجنائز 3

الدرس في كتاب الجنائز 3، ألقاها

تحذير النبي من مظاهر الجاهلية عند المصائب

يشرح الحديث النبوي الذي يحذر من مظاهر الجاهلية عند المصائب مثل ضرب الخدود وشق الجيوب. هذه الأفعال تعبر عن التسخط على أقدار الله.

التحذير من التشبه بالكفار وعبادة القبور

المقطع يناقش تحذير النبي من التشبه بالكفار وعبادة القبور، مستشهدًا بحديث عائشة رضي الله عنها. يُبين خطورة اتخاذ القبور مساجد.

تحريم البناء على القبور وفضل اتباع الجنازة

المقطع يحذر من البناء على القبور واتخاذها مساجد، ويبين فضل اتباع الجنازة والصلاة عليها ودفنها. يُذكر أهمية هذه الأفعال في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال إمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوة الجاهلية». وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا»، بعض أهل العلم ذهب إلى أنه ينبغي أن لا يستفصل فيه، وأنه يبقى على ظاهره؛ لأنه أزجر. ومن أهل العلم من ذهب إلى القول بأن معنى قوله: «ليس منا» أي ليس على طريقتنا، وعلى هدينا، وعلى سنتنا التي سنها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا هو المعنى. وآخرون من أهل العلم قالوا: ينبغي أن يذكر هذا الحديث ولا يستفصل فيه؛ لأنه به أزجر. وهذا معنى أنه من حيث المعنى يذهبون إلى ما ذهب إليه أولئك، ولكنهم يحبون أن يبقى اللفظ على ما هو عليه؛ لأنه به أزجر، وأردع للعاصي من فعل تركهم المعاصي. وقوله: «ليس منا»، كذلك ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، أن هذا اللفظ يستخدم في الذنوب التي توصف بأنها من الكبائر. ذكر العلماء رحمهم الله، أو بعض العلماء، أن من ضابطها: إما أن يتبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وإما أن يقول: «ليس منا». وهذا يدل على أن هذه الأفعال من الكبائر، من كبائر الذنوب. وقوله: «من ضرب الخدود»، ضرب الخدود معروف، أن يضرب الإنسان على خده عند المصيبة، عند المصيبة بالموت. «وشق الجيوب» أي شق الثوب، شق الثوب، والجيب هو ما يكون تحت العنق، هو ما يكون أسفل من العنق من جهة الصدر، يقال له الجيب. قال: «ودعا بدعوة الجاهلية»، كأن يفعل ما يفعله الجاهليون من التسخط والجزع الشديد، أو يفعل ما يفعله الجاهليون من ذكر مآثر ومحاسن ذلك الميت، أنه كان وكان، ويفعل ويفعل، وينهى ويذكر إلى غير ذلك مما يذكروه على سبيل الفخر بذلك الميت الذي قد مات. ومن ذلك ما يحصل في أزماننا هذه، وفي أيامنا هذه، ما يحصل عند كثير من الناس بذكر ما يشبه هذا من محاسن ذلك الميت على سبيل الخيلاء، وعلى سبيل الفخر. وكذلك ما يحصل في النساء من ذكر بعض الألفاظ التي كذلك تدل على التسخط والجزع، من قولهن: «من لنا بعده؟ وأنت كنت وكنت»، «ومن يسلدنا بعده؟ وإلى من نحن بعدك؟» وما شابه ذلك من هذه العبارات التي هي داخل في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ودعا بدعوة جاهلية». ومنه النياحة، يدخل كذلك فيه النياحة التي تحصل في النساء، هذه كذلك من دعوة الجاهلية؛ لأنها داخل في هذا المعنى، في معنى التجزع والتسخط على أقدار الله. فالحاصل أن هذه الأمور في حديث عبد الله بن مسعود، وقبله في حديث أبي موسى، وما جاء في معناه من أحاديث، فيها النهي لأمرين: الأمر الأول لأنه فيه تسخط على أقدار الله جل وعلا، وثانيًا لأنه فيه تشبه بالجاهليين. فهذان المعنيان حرم لأجلهما ترك الأشياء المذكورات في الأحاديث؛ لأن الواجب على المؤمن أن يرضى بقضاء الله وقدره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمن بالقدر خيره وشره، أنه كله من عند الله جل وعلا». وإذا كان من عند الله جل وعلا، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط؛ كما في حديث أنس عند الترمذي وغيره. وأيضًا من معاني الإيمان التسليم لأقدار الله جل وعلا بأنها كلها خير. قال نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث صهيب بن الروم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكرًا فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر فكان خيرًا له». فهو يدور بين منزلتين: بين منزلة الشكر عند النعمة، وبين منزلة الصبر عند الابتلاء. فهو يدور بين عبادتين جليلتين إن وفق إلى ذلك. فالحاصل أن هذه المعاني مأمور بها، والمعاني الأولى منهي عنها؛ لأجل ما تقدم من معنى التسخط، ولأجل المعنى الثاني، وهو معنى التشبه بالجاهليين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عمر عند أبي داود وغيره: «من تشبه بقوم فهو منهم». قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأقل أحوال المتشبه أن يكون آثمًا، أو وقع في محرم. أو كما قال رحمه الله تعالى. أي أقل أحواله، وربما يلحق بذلك التشبه بعض الأمور القلبية، فيرتقي ذلك التحريم إلى أن يصل إلى الكفر والعياذ بالله. فالحاصل أنه لأجل هذين المعنيين منع الشرع من هذه الأشياء المذكورات. والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعض نسائه كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها مارية. وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله». وفي هذا الحديث عدة فوائد: الأولى أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم. والشكوى تطلق ويراد بها المرض. لما اشتكى أي لما مرض. وليس معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى إلى غيره؛ فإن الشكوى للمؤمن الكامل يفوض أمره وشكواه إلى الله، كما قال الله جل وعلا عن نبيه ورسوله يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. بهذا الأسلوب الذي يفيد الحصر. ونبينا صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيمانًا، فهو لا يشتكي إلا إلى ربه جل وعلا. وهل إذا اشتكى الإنسان إلى غيره يكون آثمًا؟ الجواب أنه إذا اشتكى إلى غيره من أقدار الله جل وعلا الذي أصابته، أو المصائب التي أصابته، على سبيل التسخط والتضجر، فإنه يكون آثمًا بذلك؛ لأنه ما رضي وما صبر على ما ذاق من المصائب وعلى أقدار الله جل وعلا المؤلمة. وأما إذا كانت شكوى مجرد إخبار عما هو الواقع في حقيقة الأمر دون تسخط ودون تضجر وما شابه ذلك، فهذا لا بأس به. والأولى والأفضل ألا يفعل ذلك. فإن فعله فلا شيء عليه. وقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «كنيسة رأتها بأرض الحبشة»، كنيسة تطلق على المكان المعد للعبادة عند النصارى، كما أن المساجد أو المسجد يطلق على المكان المعد لإقامة الصلاة عند المسلمين. وقولها: «بأرض الحبشة» أي حين كانوا في أرض الحبشة، والحبشة كانت حينها على دين النصرانية. قال: «يقال لها مارية» أي اسمها مارية. يسمون الكنيسة بأسماء. قالت: «وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة». وهذا فيه منقبة لهاتين الصحابيتين رضي الله عنهما؛ إذ أنهما تحكي أنهن من السابقات إلى الإسلام، ومن المهاجرين الأول إلى أرض الحبشة. وأم سلمة رضي الله عنها كانت تحت أبي سلمة، وأم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش. قال: «فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها». فيه أن الإنسان إذا رأى شيئًا يتعجب منه، أو رأى شيئًا فيه شيئًا من حسن، لا بأس أن يذكره، ويخبر به، إن لم يكن فيه تعلق قلب بذلك الشيء، لا سيما إذا كان من أمور التي قد تلهي الإنسان عما هو أهم. قال رحمه الله: أو قالت رضي الله عنها: «فرفع رأسه صلى الله عليه وسلم وقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله». وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح والتبيين، ولو كان في هذه الحالة من المرض. وفيه كذلك، أن من كان على هديه صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون كذلك، أن يكون آمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، وداعيًا إلى الله في كل أحواله، ولو كان على شر الموت. قال صلى الله عليه وسلم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، فجعلوه قبلة، بل وجعلوه إلها يتأله له، وتعبد له، وتقرب إليه». وقوله صلى الله عليه وسلم: «بنوا على قبره مسجدًا» فيه إشارة إلى أنهم جعلوا مكانه مكانًا للتعبد. جعلوا مكانه مكانًا يتعبد فيه. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك شرار الخلق عند الله»؛ لأنهم داعون إلى عبادة غير الله جل وعلا. وفي هذا برهان واضح، وحجة صارعة على تحريم ما يفعله القبورية في زماننا هذا من صوفية، ورافضة، ومن كان على شاكلتهم، من البناء على القبور، ومن بناء المساجد على القبور، وكذلك دعوة الناس إلى عبادة أولئك المقبورين، والتقرب إليهم بأنواع من القرب: من نذر، ومن دعاء، ومن استغاثة، ومن خوف ورجاء، إلى غير ذلك من معاني العبادة. فأولئك القبورية كأشبه ما يكون بأولئك من النصارى الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك شرار الخلق عند الله». إذن من وقع في هذه العلة لحقه ذلك الحكم. قال رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: «ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا». وفيه لعن الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء. وقول: «لعن الله» أن الله طردهم من رحمته؛ لأن اللعن من الله هو الطرد من رحمته والإبعاد. قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لماذا لعنهم؟ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. فمن اتخذ قبر نبيه مسجدًا فإنه ملعون. ومن اتخذ قبر من هو دون النبي مسجدًا فهو كذلك ملعون. بل واللعن فيه قد يكون أشد، لا سيما إذا كان من الزنادقة. قالت: «ولولا ذلك لأبرز قبره» أي خشية أن يتخذ مسجدًا. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لحرصه على أمر التوحيد الذي بعث فيه، وتحذيره وتنفيره وإبعاده الناس عن الشرك، ما استطاع إلى ذلك سبيلا لم يبرز قبره؛ خشية أن يقع الناس فيما وقع فيه الأمم السالفة في البناء على قبور أنبيائهم واتخاذها مساجد. وفي الحديث إلى جانب ما تقدم رد على من قال: إن اليهود والنصارى أو أن النصارى لا سيما النصارى أنهم أقرب من اليهود، وإذا كانوا أقرب لا بأس من التقارب معهم دينًا. بل والزندقة الواضحة الجلية؛ فإن من قال بأن دينًا غير دين الإسلام بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم حق، فإنه كافر يكفر بالله جل وعلا؛ لأن كل إنسان بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وجب عليه أن يؤمن ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وغيره: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار». وهذا أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم. وقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وكما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وكما قال ربنا جل وعلا في حال أولئك اليهود والنصارى أنهم كفار: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أُولَئِكَ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان». قيل: «وما القيراطان؟» قال: «مثل الجبلين العظيمين». ولمسلم: «أصغرهما مثل جبل أحد». وقولهم: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط». وهذا واضح صريح في أن من شهد الجنازة من حيث تجهيزها إلى أن يصلى عليها فله قيراط. من خرج مع جنازة من مكانه إلى حيث يصلى عليها، سواء كان في المسجد أو كان في المصلى، فله قيراط. قال: «ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان». وهذا فيه فضل عظيم لمن شهد الجنازة، ولمن تبع الجنازة. وقوله: «وما القيراطان؟» قيل: «وما القيراطان؟» قال: «مثل الجبلين العظيمين». أي أن القيراط الواحد مثل الجبل العظيم. وهذا من فضل الله جل وعلا الذي يؤتيه من يشاء من عباده. قال: «ولمسلم أصغرهما مثل جبل أحد». فهذا يدل على عظيم فضل الله جل وعلا لمن وفق إلى هذا العمل. وفيه فضيلة واضحة جلية في من اتبع الجنازة، ومن صلى على الجنازة، ومن تبعها كذلك حتى تدفن. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أصلي وأسلم على رسولك، وأتوب إليك.

شاركنا على