كتاب الطهارة 41

كتاب الطهارة 41

الدرس في كتاب الطهارة 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في نواقض الوضوء

ناقش المقطع الأول نواقض الوضوء وأقسامها، حيث قسمها إلى أحداث وأسباب، وتناول تفصيل الأحداث التي تنقض الوضوء بنفسها مثل البول والغائط والنوم.

الخلاف في ناقضية النوم للوضوء

تناول المقطعان الثاني والثالث آراء الفقهاء حول تأثير النوم على الوضوء، حيث عرضا أربعة أقوال مختلفة واستدلالاتها، ثم بينا أن الراجح هو القول بنقض النوم للوضوء لحديث صفوان.

تتمة الكلام عن نواقض الوضوء المتعلقة بزوال العقل

المقطع الرابع يتناول نواقض الوضوء المتعلقة بزوال العقل مثل الإغماء والسكر والجنون، ويشير إلى أن النوم المستغرق ينقض الوضوء بينما النوم غير المستغرق لا ينقضه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب نواقض الوضوء. نواقض الوضوء، قال: النواقض جمع ناقض، والنقض في الأصل حل المبرم، ثم استعمل في إبطال الوضوء بما عينه الشارع مبطلا مجازا، ثم صار حقيقة عرفية. وناقض الوضوء ناقض للطهارة، فإنه بدل عنه. فالنقض هنا معنى إبطال، النقض هو الإبطال، النقض في الأجسام إبطال تركيبها، وفي المعاني إخراجها عن إفادة ما هو المطلوب منها، فهذا نقض للمعنى. ثم نقض للمعنى أو نقض، فإذا كان جسمًا فنقضه إبطال تركيبه. فنواقض الوضوء هي العلل التي تؤثر على إخراج الوضوء عن ما هو المطلوب منه، أي علل تؤثر في إخراج الوضوء. ثم على كلام المؤلف: ثم استعمل في إبطال الوضوء بما عينه الشارع مبطلا، والنواقض قسمان. النواقض قسمان، القسم الأول: أحداث، ومعنى أحداث: تنقض الوضوء بنفسها. هناك أحداث تنقض الوضوء بنفسها، وهناك أسباب ليست تنقض الوضوء بنفسها، لكنها بسببها، مثل ما كان مضنة لخروج الحدث، كالنوم مثلا، والمس وغيره. والأحداث كثيرة، أحداث كثيرة، كما سيذكر المؤلف رحمه الله. قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون. أخرج أبو داود، والنسائي، وأصله في مسلم. قال عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهد ينتظرون العشاء حتى تخفق. قال: من باب ضرب يضرب، خفق يخفق، فقال: تخفق. أي بكسري آخره أو قبل آخره من باب ضرب يضرب. طيب، فقال: تخفق رؤوسهم، قال: أي تميل رؤوسهم، أي من النوم. معنى: كانت تخفق رؤوسهم، تميل رؤوسهم، مثل ما يفعل النائم. قال: ثم يصلون ولا يتوضؤون. قال: أخرج أبو داود، وصححه دارقطني، وأصله في مسلم. قال: وأخرج الترمذي، وفيه: يوقظون للصلاة، وفيه: حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطا، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون. قال: وحمله جماعة من العلماء على نوم الجالس، ودفع هذا التأويل بأن في رواية عن أنس: يضعون جنوبهم، رواه يحيى القطان. قال ابن دقيق العيد: يحمل على النوم الخفيف. ورد بأنه لا يناسب ذكر الغطيط والإيقاظ، فإنهم لا يكونان إلا في نوم مستغرق. وإذا عرفت هذا، فالأحداث قد اجتمعت على خفق الرأس، وعلى الغطيط، وعلى الإيقاظ، وعلى وضع الجنوب، وكلها وصفت بأنهم كانوا لا يتوضؤون من ذلك. فاختلف العلماء في ذلك على أقوال ثمانية، أي في النوم: هل هو ناقض أو ليس بناقض؟ لكن حتى لم يدل عليه هذا الحديث، فهناك أحاديث أخرى تدل على أن النوم ناقض، منها حديث صفوان بن عسال، المراد في مسح الخفين كما تقدم معنا: إلا من بول أو غائط أو نوم، فذكر النوم من الأحداث. قال: فاختلف العلماء في ذلك على أقوال ثمانية. الأول: أن النوم ناقض مطلقا، على كل حال، بدليل إطلاقه في حديث صفوان بن عسال الذي سلف في مسح الخفين، وفيه: من بول أو غائط أو نوم. قال: فجعل مطلق النوم كالغائط والبول في النقض، وحديث أنس بأي عبارة رواية ليس فيه بيان أنه قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولا رعاهم، فهو فعل صحابي لا يدري كيف وقع، والحجة إنما هي في أفعاله وأقواله وتقريراته صلى الله عليه وسلم. لكن هذا الكلام ليس صحيحا، بل إن وإن كان هذا الكلام لم يقرر، لم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره، لكن حصل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخفقت رؤوسهم وقاموا ولم يتوضؤوا، فيحمل على النعاس، يحمل على النعاس، وليس النوم. النعاس يحيانا يكون فيه غطيط أيضا، لكن يشعر بما عنده أو يشعر بمن عنده، فالضابط هو أنه هل يشعر بمن عنده أو لا يشعر؟ فالنوم هو الغشية التي يهجم بها هذا الغشيان على القلب، فيغشى على القلب، خلاص ما يدرك شيء، هذا نوم. لكن النعاس يحصل أحيانا بدون غطيط، لكن يسمع من يتكلم، وقد يكون أيضا لا يدرك ما يقول، لا يدرك ما يقول، لكن يسمع. مثل ما تجده في خطبة الجمعة، تسمع الخطيب، لكنك لا تدري ما يقول، فهذا يعتبر أيضا نعاسا، لأن النوم هو غشية القلب، خلاص ما تدري حتى بمن عندك. قال: القول الثاني: أنه لا ينقض مطلقا، لما سلف من حديث أنه حكاية نوم الصحابة على تلك الصفات، ولو كان ناقضا لما أقرهم الله عليه، وأوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك، كما أوحى إليه في شأن نجاسة وبالأولى الصلاة من خلفه. لكن أنه يرد عليهم حديث صفوان، من حيث أن هذا القول: أنه لا ينقض مطلقا، أي النوم. واستدلوا بهذا الحديث وغيره، وحديث أبي سعيد: جاء عن غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: النوم مكاسة، فإذا نام أحدكم فليتوضأ. مكاسة: عن رباط للدبر، أي النوم مكاسة، فإذا نام أحدكم فليتوضأ، يعني فك الرباط، يفك رباطه. بالنوم الإنسان إذا كان مستيقظا يعلم ما يخرج منه، لكن إذا نام انطلق هذا، لا يدري ما يخرج منه. لكن هذا الحديث كما قلنا لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، جاء عن معاوية، وجاء عن أبي سعيد، لكنه لا يصح. قال: القول الثالث: أن النوم ناقض كله، إنما يعفى عن خفقتين، ولو توالت، وعن الخفقات المتفرقات، وهو مذهب الهادوية. والخفق هو ميل الرأس من النعاس، وحد الخفق: لا يستقر رأسه من الميل حتى يستيقظ، ولم يمل رأسه، عفي له عن قدر خفقة، ومن لم يمل رأسه، عفي له عن قدر خفقة، وهي ميل الرأس فقط، حتى يصل ذقنه صدره، قياسا على نوم الخفقة. هذا كله كلام مثل هذا، أنا من أين الأدلة على هذا؟ أنه يميل إذا مال رأسه شيء يسير، يعفى عنه، وإذا كان ليس متكررا أيضا يعفى عنه، هذا ليس صحيحا. قال: يحملون حديث أنس على النعاس الذي لا يزول معه التمييز، ولا يخفى بعده أو. قال: القول الرابع: أن النوم ليس بناقض بنفسه، بل هو مضنة للنقض لا غير، فإذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض، وهو مذهب الشافعية. واستدل بحديث علي أيضا: جاء عن علي رضي الله عنه: العين وكأسه، فمن نام فليتوضأ. العين وكأسه، أنا هكذا الحديث. والصحيح أن هذا الحديث لا يصح، حسنه بعض أهل العلم، كالمنذري، وابن الصلاح، والنووي، والألباني، وعله جماعة كابن دقيق العيد، والزيلعي، وأيضا عله أبو زرعة كما في العلل، وفيه ضعفاء، فالحديث لا يصح. قال: وحمل أحاديث أنس على من نام موكنا مقعدته، جمعا بين الأحاديث، وقيد حديث صفوان بحديث علي رضي الله عنه. هذا الآن هذا القول هو القول الشافعي، وقال به ابن المبارك وغيره، على أنه إذا كان ممكنا مقعدته، ولو نام، يعني إذا كان ممكنا مقعدته، أي واضع مقعدته على الأرض جالسا عليها، فهذا ولو نام عندهم لا ينقض وضوءه، لكن لو نام وهو منحرف أو وهو ساجد أو وهو راكع أو كذا، فعندهم أنه ينقض. قال: الخامس: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلي، راكعا أو ساجدا أو قائما، لا ينتقض وضوءه، سواء كان في الصلاة أو خارجها، فإن نام متجعا أو لصق قفاه، نقض. قال: استدل بحديث: إذا نام العبد في السجود، باهى الله به الملائكة، يقول: عبدي، وروحه عندي، وجسده ساجد بين يدي. وهذا الحديث أيضا لا يصح، وهذا الحديث أخرجه البيهقي وغيره، لكنه لا يصح. قال: السادس: أنه ينتقض إلا نوم الراكع والساجد، للحديث الذي سبق، إن كان خاصا بالسجود، فقد قاس عليه الركوع، كما قاس الذي قبله سائر هيئات المصلي. فالحديث كما قلنا لا يصح، فلهذا لا يصح هذا الكلام. السابع: أنه لا ينقض النوم في الصلاة على أي حال، وينقض خارجها. وحجته الحديث المذكور، لأنه حجة هذه الأقوال الثلاثة، فالحديث لا يصح، ولا تصح أيضا المسألة. قال: الثامن: أنه كثير النوم ينقض على كل حال، ولا ينقض قليله. وهؤلاء يقولون: أن النوم ليس بناقض بنفسه، بل مضنة للنقص أو النقض، والكثير، قال: إن كثير النوم ينقض، معنى هذا القول الثامن: إذا كان كثير النوم ينقض على كل حال، ولا ينقض قليله. وحملوا حديث أنس على القليل، إلا أنهم لم يذكروا قدر القليل والكثير، حتى يعلم كلامهم بحقيقته، عن أيش مقدار الكثير، وإيش مقدار القليل؟ معنى: هل هذا النوم مثلا من نام في الصباح، هل هذا نوم كثير أو قليل؟ من نام ساعتين، من نام ثلاث ساعات؟ فلهذا ليس هناك ضابط للكثير والقليل، فلهذا لا يستدل به. قال: فهذه أقوال العلماء في النوم، اختلفت أنظارهم فيه لاختلاف الأحاديث التي ذكرناها، وفي الباب أحاديث لا تخلو عن قدر أعرضنا عنها. والأقرب القول بأن النوم ناقض، لحديث صفوان، وهذا هو الحق أن النوم ناقض. قال: وقد عرفت أنه صححه ابن خزيمة، والترمذي، والخطاب. ولكن لفظ النوم في حديثه مطلق، ودلالة الاقتران ضعيفة، فلا يقال: قد قرن بالبول والغائط، وهما ناقضان على كل حال. معنى كلامه: أنه ليس دليل على دلالة الاقتران، بل دلالة الاقتران ضعيفة. ولما كان مطلق ورود حديث أنس بنوم الصحابة، وأنهم كانوا لا يتوضؤون، ولو غطوا غطيطا، وبأنهم كانوا يضعون جنوبهم، وبأنهم كانوا يوقظون، والأصل جلالة قدرهم، وأنهم لا يجهلون ما ينقض الوضوء، سيما وقد حكاه أنس عن الصحابة مطلقا، ومعلوم أن فيهم العلماء العارفين بأمور الدين، خصوصا للصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام. لكن كما قلنا: يتأول أنه نعاس، أنه نعاس، وهذا أفضل ما يقال في هذا. قال: وسيم الذي كانوا منهم ينتظرون الصلاة معه صلى الله عليه وسلم، فإنهم أعيان الصحابة، وإذا كانوا كذلك، فيقيد مطلق حديث صفوان بالنوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك، ويقال: ما ذكره أنس من الغطيط، ووضع الجنوب، والإيقاظ، بعدم الاستغراق، فهو نعاس، ليس نوما. يعني يقيد حديث صفوان بالنوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك، ويقول: ما ذكره أنس من الغطيط، ووضع الجنوب، والإيقاظ، بعدم الاستغراق، قد يغط من هو في مبادئ نومه، قبل استغراق أن الإنسان أحيانا يغط وهو أيضا يسمع من حوله. قال: هذا وقد ألحق الإغماء والجنون والسكر بأي مسكر، بجامع زوال العقل. هذا الأصل يزال فيها العقل، معناه: كله ما كان مثل النوم من الاشتمال على زوال العقل، يكون ناقضا للوضوء. أن لو أنسان مثلا أغمي عليه، ينتقض وضوءه، ولهذا جاء في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أغمي عليه، قال: أغتسل، ثم أراد أن يخرج، فأغمي عليه، فاغتسل. قال: وذكر في الشرح: أنهم اتفقوا على أن هذه الأمور ناقضة. فإن صح، كان دليل لجماعة، أن هذه الأمور التي ذكرت على أنها ناقضة: السكر والجنون، وأيضا يدخل في ذلك الردة. طيب، إن شاء الله نكمل. وخلاصة للأمور: أن النوم ناقض، النوم المستغرق الذي يغشى على القلب، فهذا ينقض، أما إذا لم يكن مستغرقا، فلا ينقض. وأما خروجه من الإسلام، فالردة. لا، في زوال العقل لا، لكن في خروجه من الإسلام.