كتاب الطهارة 43

كتاب الطهارة 43

الدرس في كتاب الطهارة 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الحيض والاستحاضة

يتناول هذا الفصل شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش ويوضح الأحكام المتعلقة بالحيض والاستحاضة والتمييز بينهما وأحكام الصلاة في هذه الحالات.

أحكام الوضوء في حالات خاصة

يناقش هذا الفصل حكم الوضوء لمن يعاني من سلس البول أو انفلات الريح، ويعرض آراء العلماء المختلفة حول هذا الموضوع.

حكم المذي وتطهيره

يتناول هذا الفصل حكم المذي وطريقة تطهيره، ويشرح الأحكام المتعلقة بخروجه وتأثيره على الوضوء والطهارة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلى الله عليه وسلم. قال عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: قال كنت رجلا مذاء، فأمرت المقداد أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام. هذا شرح الحديث، طيب. قال وللعلماء في ذلك قولان، أحدهما أنها تميز ذلك بالرجوع إلى عادتها، فإقبالها وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبارها انقضاء أيام العادة. إذا أقبلت حيضتك، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، أي انقضاء أيام العادة. وهذا الإدبار يحصل بوجود القصة البيضاء، أو بعض النساء بالجفاف، جفاف الرحم، ما تكون فيه رطوبة. أن الرطوبة الباقية من الدم أحيانا تكون هذه الرطوبة تخرج على أنها أوساخ أو بقايا دم، وهو ما يسمى بالصفرة والكدرة. فإذا جف الرحم أو خرجت القصة البيضاء، فهذا يعتبر إدبارا للحيضة. قال رحمه الله: ورد الرد على أيام العادة في حديث فاطمة، بعض الروايات بالأفض داعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها. وسيأتي في باب الحيض حقيقة الكلام على ذلك. كما قلنا أن الرد إلى العادة هو الصحيح في هذه المسألة إذا وجدت العادة. أما إذا لم توجد العادة، فيرد إلى التمييز الثاني، ترجع إلى صفة الدم، وهو التمييز كما يأتي في حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، هذه بلفظ: «إن دم الحيض أسود يعرف»، وقرينة تعرف معنى له رائحة. إذا كان ذلك، فأمسك عن الصلاة، وإذا كان الآخر، فتوضئي وصلي. قال ويأتي في باب الحيض إن شاء الله تعالى، فيكون إقبال الحيض إقبال الصفة، وإدباره إدبارها. ويأتي أيضا الأمر بالرد إلى عادة النساء، ويأتي التحقيق ذلك جميعا، ويأتي بيان اختلاف العلماء، وأن كل واحد ذهب إلى القول بالعمل بعلامة من العلامات. وهذا قد ذكرناه، مثل هل تأخذ بالعادة أو بالتمييز؟ قاله البخاري من الحديث عن عائشة: «هذا زيادة ثم توضئي لكل صلاة». وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا، فإنه قال في شرح السياق الحديث: «وفي حديث حماد حرف تركنا ذكره». قال البخاري: هو قول «التوضئي»، لأنها زيادة غير محفوظة، وأنه تفرد بها بعض رواة غير من روى الحديث. قلنا أن الصحيح أنها ليست من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: قد قرر المصنف في الفتح أنها ثابتة من طرق ينتفي معها تفرد من قال هو مسلم، لكن كلها ترجع إلى الترجيح. قال: وعلم أن المصنف ساق حديث المستحاضة في باب النواقض، وليس المناسب للباب إلا هذه الزيادة. لا أصل الحديث قول «التوضئي لكل صلاة»، فإنه في أحكام باب الاستحاضة. قال: فإنه في أحكام باب الاستحاضة والحيض، وسيعيده هناك. فهذه الزيادة هي الحجة على أن دم الاستحاضة حدث من جملة الأحداث ناقض للوضوء. قلنا: الصحيح أنه ليس حدثا، الاستحاضة ليست حدثا. وإذا قلنا أن الاستحاضة ليست حدثا، تبعها أيضا سلس البول وانفلات الريح أيضا، هذا مثل الاستحاضة عند أكثر العلماء حكم وحكم الاستحاضة. فإذا قلنا أن الاستحاضة حدث، فكذلك أيضا سلس البول يعتبر حدثا، وانفلات الريح أيضا يعتبر حدثا. والمعنى أنه يتوضأ لكل صلاة من كان به سلس البول، يتوضأ لكل صلاة من كان به انفلات الريح، يتوضأ لكل صلاة. فحكم حكم واحد. لكن لو قلنا أنه ليس بحدث، وإنما هو مرض، فلا يحتاج إلى أن يتوضأ لكل صلاة. فلا يكون حدثا بعد ذلك انفلات الريح، لا يكون حدثا سلس البول، لا يكون حدثا، وإنما يكون مرضا. فلهذا لا يتوضأ لأجل البول مثلا إذا كان عنده سلس بول يخرج دائما، فلا يتوضأ. معنى لا يتوضأ من البول، وإنما يتوضأ إذا حدث له شيء آخر. قالوا: لهذا أمر الشارع بالوضوء منه لكل صلاة، لأنه إنما رفع الوضوء حكمه لأجل الصلاة. فإذا فرغت من الصلاة، نقض وضوءها. وهذا قال جمهور أنها تتوضأ لكل صلاة. وذهبت الهادوية والحنفية لأنها تتوضأ لوقت كل صلاة، وأن الوضوء متعلق بالوقت، وأنها تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من النوافل، وتجمع بين الفريضتين على وجه الجواز عند من يجد ذلك أو لعذر. قال: حتى عند الشافعية أنها تصلي بهذا الوضوء جميع النوافل مع الفرض، لكن ما قال وأخيرا فليس هذا عند الشافعية تجمع بين الفريضتين على وجه الجواز. قال: وقال الحديث فيه مضاف مقدر، وهو لوقت كل صلاة أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو من مجاز الحذف، لكنه لا بد من قرينة توجب التقدير. وقد تكلف في الشرح إلى ذكر ما لعله يقال إنه قرينة الحذف. وذهبت المالكية إلى أنه يستحب الوضوء ولا يجب إلا لحدث آخر. وهذا أيضا يشبه قول الذي ذكرناه الذي اختاره ابن المنذر وغيره على أنه ليس حدثا، وإنما هو مرض. قال: ولا يجب إلا لحدث آخر. سيأتي تحقيق ما في ذلك. وفي حديث حمنة من تجد في باب الحيض إن شاء الله تعالى، وتأتي أحكام المستحاضة لتجوز لها وتفارق بها الحيض هناك، فهو محل الكلام عليها. قالوا: في الشرح سرد هنا، وأما هنا فما ذكر حديثها إلا باعتبار نقل الاستحاضة للوضوء. يقول الشارح صاحب وبل الغمام المغربي: ذكر هذه المسائل في هذا المكان، فالأفضل أن تذكر في ذلك المكان. قالوا: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت رجلا مذاء، فأمرت المقداد أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فسأله، فقال: «فيه الوضوء»، متفق عليه. واللفظ للبخاري. قوله: عن علي رضي الله عنه: كنت رجلا مذاء. قال: المذي بفتح الميم وسكون الذال المعجم وتخفيف الياء. وفيه لغات: مذي بالتخفيف، ومذي أيضا بالتشديد، تشديد الذال. مذي، قال: وهو ماء رقيق يخرج عند الملاعبة وتذكر الجماع أو إرادته. قال: فأمرت المقداد -وهو ابن الأسود الكندي- أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي عما يجب على من أمدى. فسأله، فقال: «فيه الوضوء»، متفق عليه. واللفظ للبخاري. وفي بعض ألفاظ عند البخاري بعد هذا: «فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم». وفي لفظ: «لمكانة ابنته مني». وفي لفظ مسلم: «لمكان فاطمة». وقال داود بن خزيمة عن علي رضي الله عنه بلفظ: «كنت رجلا مذيان، فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري». وهذا أيضا جاء في حديث سهل بن حنيف في السنن. قال: «كنت رجلا مذاء، فكنت أغتسل حتى تشقق ظهري». فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «إنما فيه الوضوء». وزاد في لفظ البخاري: «توضأ واغسل ذكرك». معنى: توضأ واغسل ذكرك. فهنا الواو ليست للترتيب، دلت على أن الواو ليست للترتيب. قال: وقد وقع اختلاف في السائل: هل هو المقداد كما في هذه الرواية، أو عمار كما في رواية أخرى؟ وفي رواية أخرى أن عليا رضي الله عنه هو السائل. وجمع ابن حبان بين ذلك بأن عليا رضي الله عنه أمر المقداد أن يسأل، ثم سأل بنفسه. إلا أنه تعقب بأن قول: «فاستحييت أن أسأل لمكان ابنته مني» دال على أنه رضي الله عنه لم يباشر السؤال. قال: والحديث دليل على أن المذي ينقض الوضوء. ولأجله ذكره المصنف في هذا الباب أيضا. كما تقدم معناه أن المذي من الأمور المعتادة مما يخرج من السبيل. المذي قد ذكر بعضهم الإجماع على أنه يجب فيه الوضوء، وأنه ناقض للوضوء، وأنه لا تصح الصلاة مع خروجه. لكن جاء عن سعيد بن جبير أنه كان يقول: «لو سال على فخذي لما خرجت من الصلاة». وحمل هذا كما ذكر ابن عبد البر إما أن يحمل على أنه أراد من كان به سلس مذي، أو أنه يرى أن المذي ليس نجسا أو أنه لا ينقض الوضوء. وهذا الذي عليه العلماء أنه ناقض للوضوء ونجس. قال: وهذا الحديث دليل على أنه ناقض، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء منه. قاله: دليل على أنه لا يوجب غسلا، وهو يجمع أن المذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الغسل المني. قاله: رواية «توضأ واغسل ذكرك» لا تقتضي تقديم الوضوء لأن الواو لا تقتضي الترتيب. قال: مسألة ما يغسل في المذي، الصحيح أنه يغسل مكان خروج النجاسة. وقال بعض العلماء أنه يغسل الذكر كله. وللأنثيين جاءت في بعض الروايات أنه قال: «وأنثييه». جاء كما قلنا في حديث سهل، وجاء في حديث عبد الله بن سعد. وبعض العلماء تكلم على هذه الزيادة على أنها ليست ثابتة. قال: فمن فعل ذلك ما في شيء من غسل أنثييه، اتباعا بهذا الحديث على صحته. ومن ترك، إن شاء الله ما في شيء. قوله: «فبطل خروج المذي» أنه إذا غسله كله تقلص فبطل خروج المذي. وكذلك أيضا في حديث سهل بن حنيف. مسألة غسل الثوب من هذا المذي، هل يغسل؟ فجاء في حديث سهل أنه يرش. قال: «انضحه». مراد «انضحه» أي: خذ كفا من ماء ثم انضحه. هذا نضح، هنا الرش. معنى يأخذ كفا من ماء وينضح المكان الذي فيه المذي. وهذا قول لمالك وأحمد، قال به مالك وأحمد رحمهما الله. وعند الجمهور أنه يغسل هذا الثوب. والصحيح هو قول مالك وأحمد أنه يرش على هذا المكان. بل جاء عن بعض أهل العلم أن هذا مما يخف فيه، فيعتبر من النجاسة المخففة. قال: استدل بالحديث على نجاسة المذي أيضا. النجاسة المذي أيضا، فيه بعضهم يذكر الإجماع بنجاسة المذي. تقدم معنى بالعكس أيضا في هذا إن شاء الله. نكتفي بهذا والله أعلم.