كتاب الطهارة 44

كتاب الطهارة 44

الدرس في كتاب الطهارة 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم لمس المرأة وتأثيره على الوضوء

يناقش حديث عائشة حول تقبيل النبي لنسائه ولم يتوضأ، ويبين ضعف هذا الحديث، ثم يتناول آراء الفقهاء حول تأثير لمس المرأة على الوضوء.

نواقض الوضوء والتعامل مع الشك

يناقش نواقض الوضوء خاصة مس المرأة والشك في خروج الريح، ويستند إلى أحاديث نبوية لتوضيح أن الشك لا يبطل الوضوء وأن اليقين لا يزول بالشك.

أحكام الخروج من الصلاة

يتناول حكم الخروج من الصلاة بدون سبب، ويشدد على ضرورة إتمام الصلاة خاصة الفريضة، كما يبين شروط الخروج من الصلاة والتحقق من خروج شيء.

شروط الخروج من الصلاة والتحقق من الحدث

يشرح ضرورة تحقق المصلّي من خروج شيء قبل الخروج من صلاته، ويستشهد بأمر النبي بعدم الخروج حتى يشعر بريح أو يسمع صوتًا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. بعد. قال المؤلف رحمه الله: عن عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. أخرجه أحمد، وضعفه البخاري. قال: وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل -أي البخاري- يضعف هذا الحديث. وأبو داود أخرجه من طريق إبراهيم التيمي عن عائشة، ولم يسمع منها شيئًا، فهو مرسل. وقال النسائي: ليس في هذا الباب حديث أحسن منه، ولكنه مرسل. قال المصنف: روي من عشرة أوجه عن عائشة، أوردها البيهقي في الخلافيات وضعفها. وقال ابن حزم: لا يصح في هذا الباب شيء. وإن صح، فهو محمول على ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من اللمس. فهذا الحديث فيه ضعف، كما قال المؤلف، لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة. وأيضًا، له طريق أخرى عند أبي داود، من طريق حبيب عن عروة عن عائشة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. وحبيب هذا اختلفوا في هوية المقصود بحبيب. قيل: إنه حبيب بن أبي ثابت الكوفي. وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة. وقيل: إنه حبيب آخر، لكنه مجهول. ففي كل الأمرين، الإسناد لا يصح. وذكر الترمذي رحمه الله عن بعض الصحابة، وبعض التابعين: أنهم يقولون بهذا القول، على أن القبلة لا تنقض الوضوء. ونسب ذلك إلى سفيان الثوري، وأهل الكوفة. قال: وقال مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: في القبلة يتوضأ. وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ومراد به مس المرأة. وخلاصة الأمر أن الحديث لم يثبت. وقد يكاد يتفق العلماء على ضعف هذا الحديث. ضعفه يحيى بن سعيد القطان، ومحمد إسماعيل البخاري. وأيضًا، ذكر عن أحمد أنه ضعفه، وغيره من الأئمة، فضعفوا هذا الحديث. وأيضًا، حصل خلاف أيضًا في عروة هنا: هل هو عروة بن الزبير، أو أنه عروة المزني؟ أيضًا حصل خلاف في رواية حبيب بن أبي ثابت. إذا قلنا إنه حبيب بن أبي ثابت، هل هو روى عن عروة بن الزبير أم عروة المزني؟ لأنه لم يسمع من عروة بن الزبير. فقيل: إنه عروة المزني، وهو مجهول أيضًا. فالمهم أن الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذه المسألة، الصحيح فيها: أنه لا ينقض الوضوء مس المرأة، كما سيذكر المؤلف. قال: إذا عرفت هذا، فالحديث دليل على أن لمس المرأة وتقبيلها لا ينقض الوضوء. وهذا هو الأصل. والحديث مقرر للأصل، وعليه الزيدية جميعًا. ومن الصحابة: علي. وذهبت الشافعية إلى أن لمس من لا يحرم نكاحها ناقض للوضوء، مستدلين بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فلزم الوضوء من اللمس. قالوا: اللمس حقيقة في اليد. ويؤيد بقاءه على معناه قراءة: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فإنها ظاهرة في مجرد لمس الرجل من دون أن يكون من المرأة فعل. وهذا يحقق بقاء اللفظ على معناه الحقيقي. فقراءة ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ كذلك، إذ الأصل اتفاق معنا القراءتين. وإذا كان قلنا هذا، وأخذ اللفظ على ظاهره على اللمس، أيضًا يلزم الشافعية وغيرهم أن يقولوا بعدم التفريق بين المرأة المحرم وبين غيرها، لأن هذا التفريق لم يأت فيه ما يدل عليه. أن التفريق بين المرأة بين المحرم وبين غيرها. فهم يقولون: إذا كانت امرأة محرم، فلا تنقض. وإذا كانت غير محرم أو زوجة، فإنها تنقض. وجعلوا العبرة في ذلك الشهوة. وهذا قول لمالك: على أن اللمس الذي ينقض الوضوء هو اللمس بشهوة. قال: هو أجيب عن ذلك بصرف اللفظ عن معناه الحقيقي للقرينة، فيحمل على المجاز، وهو هنا حمل الملامسة على الجماع. وهذا كما قاله ابن عباس: أن كل لمس في القرآن فهو جماع. واللمس كذلك. والقرينة حديث عائشة المذكور. وهو: إن قدح فيه بما سمعت، فطرقه يقوي بعضها بعضًا. وحديث عائشة في البخاري: أنها كانت تعترض في قبلته صلى الله عليه وسلم، فإذا قام يصلي غمزها -أي غمزها يمسى رجليها- قال: فقبضت رجليها -أي عند السجود- وإذا قام بسطتهما. فإنه يؤيد حديث الكتاب المذكور، ويؤيد بقاء الأصل، ويدل على أنه ليس اللمس بناقض. وأيضًا، ما جاء في الصحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «فقدت النبي عليه الصلاة والسلام ذات ليلة، فبحثت عنه، وكانت البيوت إذ ذاك مصابيح». قال: فبحثت عنه، فمسست يدي رجليه، فإذا هو ساجد. فإذا هو ساجد. فلو كان مثلًا مس هذه المرأة ينقض الوضوء، لأبطل النبي صلى الله عليه وسلم صلاته؛ لأنها مست رجليه. فلهذا يحمل اللفظ الذي في القرآن: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على الجماع. قال: وأما اعتذار المصنف في «فتح الباري» عن حديثها هذا: بأنه يحتمل أنه كان بحائل، أو أنه خاص به، فإنه بعيد، مخالف للظاهر. وقد فسر علي رضي الله تعالى عنه الملامسة بالجماع. وفسر حبر الأمة ابن عباس بذلك، وهو المدعو له بأن يعلمه الله التأويل. فأخرج عنه عبد بن حميد، والكلبي: أنه فسر الملامسة بالجماع -بعد وضع سبعيه في أذنيه- ألا وهو النكاح -أنا فسرها بالجماع، النكاح- معنا الجماع. وأخرج عنه التصنيف: أنه سئل نافع بن الأزرق عن الملامسة، فسرها بالجماع. مع أن تركيب الآية الشريفة، وأسلوبها يقتضي أن المراد بالملامسة الجماع. فإنه تعالى عد من مقتضيات التيمم المجيء من الغائط -تنبيهًا على الحدث الأصغر- وعد الملامسة -تنبيهًا على الحدث الأكبر- وهو مقابل لقوله تعالى في الأمر بالغسل بالماء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. قالوا: لو حملت الملامسة على اللمسة الناقض لذول، لفات التنبيه على أن التراب يقوم مقام الماء في رفع الحدث الأكبر. وخالف صدر الآية. وللحنفية تفاصيل لا ينتهض عليها دليل. وخلاصة ما يذكر في هذه المسألة: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء. والمسألة فيها أخذ ورد. لكن هذه الدلة التي ذكرت تدل على أن مس المرأة لا ينقضه. ومن قال أيضًا بالمس، قال: بمس الكف. عند الشافعية: أنه بمس باطن الكف، إذا مسه بباطن كفه انتقض وضوءه. أما إذا مسه بغير ذلك، فلا ينتقض. وعند الحنابلة: بباطن الكف وظاهره. والمهم أن مسألة المس، الصحيح فيها: أنه المراد به الجماع. المراد به الجماع: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أو حتى ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بقراءة ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ﴾، تحمل على الجماع، كما فسرها بعض الصحابة. ولم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء يدل على هذا النقل. وقد كانت هناك بعض المواضع تحتاج إلى تنبيه، مثلًا: الحج، وتزاحم الرجال مع النساء، يحتاج إلى أن ينبه الشرع بذلك. لكن لم يأت تنبيه في هذا. فلهذا لو كان هناك شيء، لبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام. فلم يثبت شيء مما يدل على هذا الأمر. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». أخرجه مسلم. وقد جاء في الصحيحين نحوه حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المزني: «شكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يجد الشيء في الصلاة». قال: «لا يخرج -أو قال: لا ينصرف- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». وهذا الحديث -كما قال الإمام النووي- أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه. وهي: أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك. ولهذا أخذ من هذا الحديث القاعدة الفقهية من القواعد الكبرى: «اليقين لا يزول بالشك». اليقين لا يزول بالشك، بل يبقى اليقين، ويبقى ما كان على ما كان. والأصل بقاء ما كان على ما كان. والأصل براءة الذمة. والأصل استصحاب الأصل. وغيرها من هذه القواعد التي تتخرج من هذه القاعدة. فالأصل عدم خروج هذا الشيء. فإذا تشكك، فالأصل عدم. فلا يزول هذا اليقين بالشك. فإذا أيقن بالخروج، فإنه يكون مبطلًا. فإن كان في صلاة، خرج. فلهذا، فالأمر المتيقن لا يرتفع إلا بدليل قاطع. إذا ثبت أمر بيقين، لا يرتفع هذا اليقين إلا بيقين. فلا يحكم بزواله بمجرد الشك. فالشك أضعف من اليقين. لكن بعض العلماء جعل الأمر ممكنًا بالغالبة الظن؛ لأنه علم. وعما بالشك، فالشك ليس بعلم، وليس بيقين. طيب، هذا الحديث أولًا: فيه أيضًا: أن الريح الخارجة من الإنسان -سواء كانت بصوت أو بغير صوت- ناقضة للوضوء. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم: أن الريح الخارجة من بني آدم -من الإنسان- ناقضة للوضوء، سواء كانت بصوت أو بغير صوت. واختلفوا في خروج هذه الريح من قبل المرأة: هل تنقض الوضوء عند أحمد؟ أنها تنقض. وهذا من باب الاحتياط. هذا من باب الاحتياط، ما لم يكن هذا الأمر متفشيًا في المرأة أو بكثرة. أن بعض النساء يكون عندها هذا الأمر بكثرة، فهذا تلحق بالمستحاضة. وإلا إذا كان الأمر ليس بكثرة، فإنها يقال في هذا العضو: أن هذا الريح تنقض الوضوء. وقال بعضهم: أنها لا تنقض، وهو قول الشافعي وغيره؛ لعله أنها لم تخرج من مخرجها -من مخرجها الأصل- -لكن ما دام أن هذا ثابت عند النساء، فتخرج الريح؛ لأن الحديث لم يحدد شيئًا في خروج الريح. معنى: لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرجت الريح من قبل أو كذا». إنما قال: «إذا وجد أحدكم في بطن شيئًا فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟». وفي حديث عبد الله بن زيد: «شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يجد الشيء في الصلاة». قال: «لا يخرج -ولا ينصرف- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». وهذا أيضًا: الذي يخرج من القبل هو وجد ريح. معنى: إذا خرجت الريح من قبل المرأة أيضًا، يدخل في ذلك. إذا حس بقرقرة في بطنه، إذا حس بقرقرة في بطنه: هل يعتبر هذه القرقرة تعتبر ريحًا، أو تعتبر بما ينقض وضوء؟ الصحيح: أنه لا تعتبر إلا بخروج شيء. أما القرقرة وحدها. وأما الحديث الذي جاء في الطبراني: «من وجد في بطنه رزءًا فليتوضأ». كذا: رزءًا. معنى: ثقل. لكن يحمل هذا الحديث على أنه إذا أخرج شيئًا. فإذا لم يخرج شيئًا -معنى من الريح أو من ريحًا- سواء كان بصوت أو بغير صوت، فإنه لا يبطل الوضوء أيضًا. في هذا الحديث: أن الحديث يراد بسماع الصوت، وجدان الريح -التيقن من هذا- ليس المراد: أنه لا بد أن يسمع صوتًا أو يجد الريحًا. وإنما المراد به اليقين: أن يتيقن خروج هذه الريح. خروج هذه الريح أيضًا: استدل بهذا الحديث بمثله مهمة. وهي: أن الإنسان لا ينصرف في الصلاة إلا بسبب. وأن الإنسان لا ينصرف في الصلاة إلا لسبب. وخاصة إذا كانت هذه الصلاة فرض. إذا كانت هذه الصلاة فرض، فهذا لا بد أن لا ينصرف حتى يكون له سبب في انصراف. ولهذا قرر هذا الأصل الإمام الشافعي رحمه الله. وحصل خلاف بينه وبين بعض العلماء في بعض المسائل. مثلًا: في التيمم. إذا كان الرجل يصلي، فجاء الماء. إذا كان الرجل يصلي، فجاء الماء -يعني مثلًا إنسان كان منتظرًا أو ليس منتظرًا ماء، ما عنده ماء، فقام وصلى تيممًا وصلى- وهو في الصلاة جاء الماء: فهل يبطل الصلاة؟ أم أنه لا يبطل؟ الشافعي يقول: لا يبطل. لا يبطل الصلاة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. معنى: لا يخرج من الصلاة بهذا الأمر. وأحمد يقول: يخرج؛ لأن السبب في خروجه هو وجد الماء؛ لأن الوضوء -التيمم الذي كان معه- قد بطل بوجود الماء. وهذا أحوط. وأما خروج الرجل من صلاته بدون سبب، فهذا لا يجوز. وقد قرر ذلك أكثر أهل العلم: على أنه لا يجوز للرجل أن يخرج من صلاته -وخاصة الفريضة- لا يخرج من صلاته بدون سبب. ولهذا: إذا كانت نافلة، حولها إلى نافلة أخرى، لا بأس. وإذا كانت فريضة، حولها إلى نافلة أيضًا عند الجمهور، لا بأس. ولا يجوز أن يحول نافلة إلى فريضة. لا يحول نافلة إلى فريضة. وخلاصة الأمر: أنه لا يجوز الانصراف بدون سبب. إذا دخل في الصلاة، فإنه يجب أن يتم الصلاة. بعض العلماء قال: لا. هذا في الحج والعمرة، الإتمام يكون في الحج والعمرة. لكن هنا أيضًا: هو عمل متصل بعضه ببعض، فلا يخرج إلا إذا كان عنده سبب لأجل خروجه. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف». وهنا في هذا الحديث: أبي هريرة: «فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا ويجد ريحًا». هذا الحديث: أبي هريرة رواه سهيل بن أبي صالح عنه عن أبي هريرة. ورواه عن سهيل شعبة، فقال في الحديث: «لا يخرج حتى -أو قال: لا وضوء إلا من صوت ونريح». وهذا اللفظ لا يصح. ولأنه اختصار، نخل الحديث. قيل: أن هذا الاختصار من شعبة. وقيل: أنه من سهيل. قال: نقرأ كلام المؤلف: قال: عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه: أخرج -أخرج منه شيئًا لا- فلا يخرجن من المسجد -إذا كان فيه لعادة الورود- حتى يسمع صوتًا للخارج أو يجد ريحًا له». أخرجه مسلم. وليس السمع وجدان الريح شرطًا في ذلك، بل المراد حصول اليقين. قال: وهذا الحديث الجليل أصل من أصول الإسلام، وقاعدة جليلة من قواعد الفقه. وهذا كلام الإمام النووي رحمه الله. وهو: أنه دل على أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك. وأنه لا أثر للشك الطارئ عقبها. فمن حصل وهو على يقين من طهارته، لم يضره ذلك حتى يحصل له اليقين -كما فاده قوله: «حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»- فإنه علقه بحصول ما يحسه، وذكره. ما تمثيل. وإلا فكذلك سائر النواقض -كالمذي والودي- ويأتي حكمها واحد. أيضًا: لابد من اليقين. الآن: كثير من الناس يشكون من خروج شيء -مثل البول- أو غالبًا مثل المذي أو ودي بعد البول. أحيانًا هذا الودي استمر بعد البول. فهذا هنا حكمها حكم انفلات الريح. وقد نبه الشيخ الإسلام رحمه الله في مسألة خروج خروج البول، فقال: أن مسألة إحساس الإنسان بالبول في الصلاة، لا يلتفت إليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد أخبرنا: أن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم -يعني يلعب بأماكن هذه الخروج- فيلعب عليه بذلك حتى يوهمه أنه خرج منه شيء. فكذلك مسألة الإحساس. ولهذا تجد الآن غالب الوسوسة -وسوسة الناس- في هذا الشيء. فتجد الرجل يخرج من الصلاة إذا حس شيئًا، وليس هو متأكد، وليس هو على يقين، فيخرج من الصلاة بدون أن يتأكد. فهذا الإحساس لا يضر. هذا الإحساس لا يضر حتى قال الشيخ الإسلام: أن هذا الذكر مثل ضرع المرأة -مثل ضرع المرأة- لا يخرج اللبن إلا إذا حلبه -إلا إذا حلبه-. وهكذا قال: الذكر. فلهذا: فالتخيل والإحساس أن شيئًا خرج، ليس بصحيح، ليس بصحيح. ولا يجوز له أن ينصرف من الصلاة لأجل إحساس، إلا إذا كان عن يقين. إلا إذا كان عن يقين. وغالب هذا الذي يتيقن، هذا الذي لا يحصل له كثيرًا هذا الأمر. أما الذي يحصل له كثيرًا، فهذا الواجب عليه أن يتركه. ولهذا جاء عن عبد الله بن عمر: أنه كان يخمر سراويله -يعني يضع الماء في سراويله- حتى لا يجد شكًا -حتى لا يجد الشك في الصلاة- فيخرج لأجل هذا؛ لأن الإنسان يجد مثل الماء، وهو ليس هناك شيء. معنى: إذا تأكد، غالبًا لا يجد شيء. لكن لما يكون في الصلاة، كأنه يجد ماء خرج منه. يجد بعض الرطوبة خرجت منه، وهي ليست موجودة أصلا. أو يحس أن شيء خرج من حليله، وهو قد يكون لم يخرج خارج ذكر. وإنما قطر في حليله، فيظن أنه خرج خارج الذكر. وهذا كله حاصل. بل باب الوسوسة في هذا الباب كثيرة. باب الوسوسة. ولهذا أدخل بعض العلم في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أن عامة عذاب القبر من البول». أدخل الوسوسة فيه. لماذا؟ لأن الوسوسة تخرج الرجل عن مسير صلاته. أحيانًا يبطل صلاته. أحيانًا أيضًا كذلك. هذه الوسوسة تجعله لا يصلي. بعض الناس جعلته هذه الوسوسة لا يصلي؛ بسبب هذه الأمور: أن يجلس في الحمام ساعات. وإذا جاء يكبر، جلس ساعات. أو عند الوضوء، تجده يذهب ويرجع، يذهب ويرجع، يذهب. وكل ذلك وسوسة. فالمهم: أن مثل هذه الأمور لا ينبغي بالرجل أن يجعل للشيطان له سبيل في مثل هذه الأمور؛ لأن هذا الشيطان يدخل بهذه المداخل كثيرًا. وخاصة يدخل لأهل العبادة -لمن هو حريص على استقامة عبادته- فيخيل إليه: أنك لم تأتي العبادة صحيحة. لعله خرج منك شيء. لعله كذا. لكن المتعلم يعلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يخرج حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا». فلهذا لا يخرج إلا بيقين عنده يقين خرج. وإلا بقي في صلاته. إن شاء الله. هذا ما يذكر. الله تعالى.